معادلة التحدي الانتخابي تجعل من انتصار البشير (ولو تزويراً) انتصار بقيمة وطعم الخسارة!!، فترشيحه نتائجه مسلمات... أقلها بقاء واستيطان الفساد الذي هو أبرز سمات دولة المشروع الحضاري الاسلامي، وأكبرها وأخطرها حتميمة تفكك البلاد لأكثر من دولة. في مقابل انتخاب وانتصار مرشح الحركة الشعبية ياسر سعيد عرمان يضمن أول ما يضمن وحدة البلاد وذهاب كل المخاطر التي تتهدد وحدتها وتماسكها، ونهاية الفساد والافساد. وبناء وترسيخ الديمقراطية والعدالة للجميع. إن المعادلة الانتخابية تطرح أما الشعب السوداني وكل قواه السياسية تحدي من يؤسس رؤآه وبرامجه على المستقبل وأمال وطموحات الشعب، ومن يسعى لترسيخ أوضاعه الحالية بالسلطة ولو ذهب الشعب والوطن الذي يمثلون.

يبين اختيار الحركة الشعبة لياسر سعيد عرمان مرشحاً لرئاسة الجمهورية، المستوى والفرق بين من يتصدى للتحديات ويقود المبادرة تجاهها ويؤسس ويوطن نفسه على الرؤية الاستراتيجية التي تستشرف المستقبل القريب والبعيد، مؤكداً وبقوة على مشروع الوحدة وفق أسس جديدة. وبين مشروع المؤتمر الوطني الذي يستند على حماية الرئيس وبعض القيادات الكبيرة بالدولة والحزب وإن أفضى ذلك لإضطراب البلاد وتمزقها. بل وأكثر من ذلك وياللعجب!، يوظف ويهدد بتفتيت البلاد لضمان انتخاب مرشحه للرئاسة، وفرضها على الشماليين قبل الآخرين عبر تخويفهم بمصير البلاد التي يساوم بها المؤتمر الوطني!!!؟. والتعجب من استراتيجية المؤتمر الوطني الانتخابية تأتي من اختياره للبشير مرشحاً وهو يعلم حجم المخاطر التي يتكلفها ترشيحه على البلاد كلها، بل ويخاطر بذلك رغم آثار ذلك على حزب المؤتمر الوطني نفسه، الذي عجز عن تقديم قيادة أخرى، برغم من أن مرشحه الحالي البشير قد حكم 21 عاماً وهي مدة تستوجب أول ما تستوجب تجديد دماء الحزب بقيادة جديدة أمام مرحلة تشهد تحولات كبيرة ومفصليه على كافة المستويات، تفتح آفاق المستقل أمام حزب المؤتمر الوطني، و ضرورة تجديد دماء الحزب ورؤآه ومناهج تعامله ليس مع القوى السياسية الاخرى بل حتى مع عضويته التي لا اعتبار لها ولا وزن للدرجة التي تُقاد فيها و(بالقوة – كما هو واضح من تهديدات نافع على نافع لمن يرفض مرشحي الحزب من منتسبيه) لإمضاء خيارات لم تختارها قواعد الحزب وقواه الحية،  بل فرضت عليها فرضاً من المركز وهذه خطوة لا تنم عن ذرة ديمقراطية، وتُؤكد أن المؤتمر الوطني لا يحتمل الديمقراطية حتى داخله وبين الموالين والمنتمين له فكيف سيتحملها قاعدة ومنهجاً للحكم والتعامل أمام التحديات الكبيرة والمخاطر التي تواجه البلاد وكل قواها السياسية.

طرح المرشحين فقط يوضح وبجلاء الفروقات ويستجلي الخيارات الأوفق للمستقبل. المؤتمر الوطني الذي يرفض التعامل مع كل القوى السياسية بما فيها شريكه في الحكم الحركة الشعبية، لدرجة الاعتداد والتلويح بأنه سيكسب الانتخابات وقد أعد للآخرين قبورهم، بل ظل المؤتمر الوطني يماطل ويناور ويساوم الحركة الشعبة رغم الشراكة والاتفاقية الموقعة بينهما واستحقاقاتها للدرجة التي كادت أكثر من مرة أن تفجر الحرب من جديد. في الوقت الذي تمد فيه الحركة الشعبية يدها لكل القوي السياسية الشمالية والجنوبية، وفوق ذلك آفاقها مفتوحة لكل جهات السودان النازفة خاصة دارفور، تصبر على مناورات المؤتمر الوطني الخطرة وتتجاوزها بمشاركة الأخرين وفي معيتهم.

يقدم المؤتمر الشعبي مرشحاً من الجنوب كأقوى إشارة لإهتمامه الأكبر بوحدة البلاد، وتقدم الحركة الشعبية شمالياً كأقوى اشارة لإهتمامها بوحدة البلاد. في حين يظل المؤتمر الوطني قابعاً عند محطة قدومه للسلطة في 1989م  لا يرغب في أي تغيير بل عنده أي تغيير يمثل الخطر ذاته ويجسده. ومنذ قدوم الانقاذ الاشخاص هم ذات الاشخاص هم الوزاء دائما وفي أي وضع، والرئيس هو ذات الرئيس، والبعد العسكري هو ذات البعد بل هو الجوهر، والسياسات هي ذات السياسات، بل كل من يرغب في تغيير ولو محدود وان جاء من أهل المؤتمر الوطني فهو خائن يخدم اجندة اجنبية إن لم يكن كافر، يجابه بالقوة والقهر وليس بالاقناع والحوار.

وفي الوقت الذي أسس المؤتمر الوطني استراتيجيته الانتخابية على اللعب على التهديد الدولي الذي تمثله بقوة محكمة العدل الدولية ومطالبتها الشهيرة بالقبض على الرئيس البشير، باعتبارها المرجعية الجماهيرية الاقوى والملطقة، مهملاً كل قضايا والازمات والمخاطر التي تتهدد وحدة البلد والتي ترتبت وكانت نتاج  سياسات ذات الحزب وحكومته التي يقودها البشير. تؤسس الحركة الشعبية استراتيجيتها على  التعويل على الوحدة، وضمان الاستقرار، وأكثر من ذلك تلافي كل خطر قد يترتب على اتهام محكمة الجنايات الدولية طارحة بذلك حل للمشكلة بصورة تدعم احقاق العدالة وضمان عدم الافلات من العقاب، لكنها تسوتجب من شريك له سهم في اتفاقية السلام التعامل مع هذا الملف الذي يجب أن يضمن كرامة السودان وقياداته بذات روح الاقدام في التصدي للقضايا التي تمس مسقبل البلاد واستقرارها التي تطلع به الحركة الشعبية على خلاف المؤتمر الوطني.

أما على المستوى التنظيمي (الداخلي) فإن الفروقات كبيرة وظاهرة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية. ففي الوقت الذي تُظهر فيه الانتخابات والاعداد والاستعداد لها وطرح المرشحين مدي اهتزاز المؤتمر الوطني وعدم تماسكه كحزب بيده السلطة وكل جبروتها وامكانياتها، خلافاً لتاريخ طويل تجاوز العقدين حاكماً، إلا أن الخلافات التي اثارتها ترشيحاته الانتخابية وعلى كافة المستويات فضحت حال الحزب الذي (تُفرض) فيه الترشيحات وعلى كافة المستويات من مستوى الرئاسة الذي عليه خلاف كبير كون ما يترتب عليه لا يحتاج إلى تخمينات بل هو واضح ووفقاً لحسابات معلومة، نزولاً لأقل دائرة حيث يفجر الترشيح القسرى خلافات كبيرة لا يملك حزب المؤتمر الوطني تجاهها سوى التهديد بالوعد والوعيد واستخدام القوة والمخاشنة. وهذا وضع لا ينبئ بأن المؤتمر الوطني هو الحزب الأجدر بعد أكثر من عشرين عاماً  أن يكون حزب المستقبل، خاصة وأنه قاد بسياساته البلاد نحو التمزق ليس تجاه الجنوب ولكن تجاه دارفور وأبيي وجبال النوبة والنيل الازرق والشرق وربما الشمال خاصة بعد قتل المتظاهرين ضد مشروعات السدود وبلا تردد أو محاسبة. كما أنه لا كبير هم له بمنسوبيه وبأمكانه أن يفعل بهم كل شئ وبلا سقوف كما تدفع بذلك حادثة (محمد الخاتم موسى يعقوب) الذي اختفي وبيد الاجهزة الامنية ولم يعرف عنه شئ حتى الان رغم تدخل الرئيس شخصياً، والاغرب أن الحكومة توفر لمن فعلوا ذلك وباعضاء وممثلي حزب كل حماية تنجيهم من المساءلة القانونية.

بالمقابل تجمع الحركة الشعبية وبكل مكتبها السياسي على اختيار شمالي من عضويتها في تماسك فريد، وتدفع به لخوض معركة الرئاسة ليس نكاية في المؤتمر الوطني الشريك ولكن وفقاً لرؤية وخطة مؤسسة على طرحها للسودان الجديد، متحدية كل عنفوان الانفصال الذي يمثل الرغبه الغالبة لأهل الجنوب، ووفقاً لطرح متماسك لا يخل بأي خيار قد ينتهي له الاستفتاء القادم. فالوحدة مشورع استراتيجي اذا لم يؤكد عليها الاستفاء القادم، فأن مرشح الحركة الشمالي سيكون هو عنوان تجديد طرح الوحدة وخوض غمار معركتها القادمة التي يجب أن تتم وفقاً لحوارحولها يؤسس لتجديد القواعد التي تضمن وحدة مؤسسة على المواطنة والعدالة والديقراطية واطلاق الحريات، وحدة يؤكدها كل شعب السودان وليس شعب الجنوب فقط هذه المرة، وطوعاً بلا ضغوط من قوى داخلية ولا هياب من أخرى خارجية. بل كل الشعب في الجنوب والشمال سيخوض معركة الوحدة الطوعية المتوافق عليها والتي يعمل الجميع على تأسيسها وفقاً لما يرضيهم ويدعم تماسكهم ضمن سودان جديد. 

وبعد كل شئ ينبئ بأن الكسب الأكبر والاكيد أقوى ولصالح الحركة الشعبية مقارنه بالمؤتمر الوطني. فحساب الارقام أول وأهم مرتكز يؤكد موقف الحركة الشعبية الانتخابي التي لها قرابة الخمس مليون مسجل بالسجل الانتخابي بالجنوب فقط، والتي لها وجود بالشمال أقوي تماسكاً وله ذات الموقف تجاه مرشح الحركة. في الوقت الذي يتصارع فيه أهل المؤتمر الوطني حول مرشحيهم، القواعد تختار مرشحها، لكن المركز هو صاحب الترشيح. ثم تنفجر الصراعات وتتسع دائرة الرفض وكل يتوعد الاخر فلا تماسك ولا ضمانات لقواعد متينة لفوز قادم ولو جرت الانتخابات (داخل حزب المؤتمر الوطني وبين مرشحيه). وتماسك الحركة الشعبية حول مرشحها ينهي كل الترتيبات التي تسحب لها ووضعها المؤتمر الوطني لتوفر له الفوز بغض النظر عن ما هي أو ما يترتب عليها. فتماسك الحركة الشعبية يجعل خيار التزوير خطراً كبيراً يحتاج إلى إعادة حساب. وخيار افتعال الفوضى الانتخابية لأجل عرقة الانتخابات يحتاج أكثر من غيره للمراجعة. بل حتى خيار اللجؤ لأعلان حالة الطوارئ يحتاج إلى أكثر من مراجعة. ولما كانت الانتخابات القادمة بالنسبة للمؤتمر الوطني مسألة بقاء أو نهاية، فإن ترشيح الحركة الشعبية لياسر سعيد عرمان يعجل بتلك النهاية وعبر الانتخابات مهما كان وضع أوشكل تعامل المؤتمر الوطني ومهما كانت تكتيكاته. وهذا يحتاج لقراءات اخرى قادمة نقف فيها على تكتيكات المؤتمر الوطني ومدي محدوديتها وخطلها واستخفافها بالآخرين.

ونختم بأن ترشيح ياسر سعيد عرمان علامة فارقة في تاريخ السودان اتفقت أو اختلفت في النظر إليها. وأن الانتخابات القادمة لن تكون نزهة تُحصد فيها النتائج بتدابير سابقة مهما كانت. ترشيح ياسر عرمان يعني أن المعركة لن تكون ألا معركة حقيقية إما أن تخوضها بكل مستحقاتها. أو ان تخوضها وأنت ضامن للخسارة الأكيدة اذا كنت مؤتمر وطني.

Abuthar Ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]