أجري حزب المؤتمر الوطني دراسة ميدانية (استطلاع رأي) قبل فتح السجل الانتخابي بالولايات الشمالية الستة عشر، وبحسب (مصادر مشاركة) بلغت أعلى نسبة سجلها الرئيس المرشح عمر حسن البشير 36%. وبعد انتهاء التسجيل للانتخابات وبالاحري بعد مسيرة تحالف جوبا التي جرت في آخر أيام التسجيل، جدد حزب المؤتمر الوطني تلك الدراسة على ذات الولايات الشمالية وجاءت النتائج لتوضح أن الرئيس المرشح البشير تراجعت حظوظه لتبلغ ال 27%. والواضح من نتائج الدراستين أنه كلما انفرد المؤتمر الوطني بالساحة السياسية (زادت حظوظ فوز البشير) كما أنه كلما تعدد الناشطين على الساحة السياسية تناقصت وانخفضت حظوظ الرئيس المرشح في الفوز بالرئاسة القادمة. وقد أجرت (أجراس الحرية) مارس من  العام 2008م دراسة استطلاعية بلغت فيها حظوظ الرئيس المرشح البشير حوالي 43% بولاية الخرطوم، وهي الولاية التي تشكل أكبر حضور وانتشار وأثر للمؤتمر الوطني وحكومته. وكان واضحاً وفقاً لنتائج تلك الدراسة أن المؤتمر الوطني برغم انفراده بالساحة السياسية ومنعه لنشاط القوى السياسية الاخري، إلا انه رغم ذلك لم يحقق نسبة ال 50% والتي تعتبر هي الاخري مؤشر غير مريح لحزب ينفرد بالساحة والسلطة والموارد بأكبر ساحات تواجده وحضوره – ولاية الخرطوم-. كما أن الدراسة أثبتت أنه في حالة نزول لاعبين جدد الى الساحة السياسية فإن المؤشر العام يشير حتماً لتراجع حظوظ المؤتمر الوطني وسط الجماهير.

والواضح إن مسيرة تحالف جوبا التي منعتها وقمعتها الحكومة كانت ذات تأثير كبير لم ينحصر في تراجع حظوظ الرئيس المرشح البشير 9 نقاط ليهبط من 36% الى 27%، بل في الدفع بتغيرات مفاجئة لم يتحسب لها حتى المؤتمر الوطني ولكن المسيرة وآثارها دفعت المؤتمر الوطني دفعاً لتغيير ليس تكتيكاته، بل حتى استراتيجياته و سياساته الانتخابية بصورة تكاد تكون جوهرية!!؟.

واذا علمنا أن المسجلين بالجنوب (من غير جبال النوبة، والنيل الازرق، وأبيي) حوالي الخمسة مليون، وأن جملة المسجلين بالسجل الانتخابي حوالي ال 15 مليون يتضح أن نسبة الجنوبيين تبلغ حوالي الثلث. وأن حظوظ الرئيس المرشح البشير محسوبة فقط على مرجعية (ثلثي الناخبين الذين يمثلون كل الولايات الشمالية). وأذا أضفت لهذا الثلث نسبة المسجلين بالمناطق الثلاث يتضح لك أن هناك أكثر من 6 مليون ناخب مسجل هم خصماً يكاد يكون مضموناً على حظوظ الرئيس المرشح البشير. أما وقد أوضحت الدراسات أن الرئيس المرشح سيحصل وضمن الولايات الشمالية أو (ضمن ثلث الناخبين) في أحسن حالاته على 36% وفي اسوأءها على 27%، فإن فوز الرئيس في الانتخابات القادمة تراجع إلى خانة (الفشل المضمون) وهذا هو ما قاد إلى التغيرات التي سنتحدث عنها (وفقاً لمعلومات) وليس قراءات واستنتاجات.

كان واضحاً خلال الفترة الماضية حرص المؤتمر الوطني وحكومته على ضمان تمرير قانون الأمن الوطني، ووفقاً لصلاحيات تعطي جهاز الأمن صلاحيات الشرطة ، والنيابة، والقضاء، وفوق ذلك تسيجه وتحرسه بالحصانات التي تشمل حتى المتعاونين معه. وهكذا أصبح قانون الأمن أعلى من الدستور ذاته، ويوفر الحماية لكل المنتمين للمؤتمر الوطني كونه يمكن حسابهم أو اعتبارهم متعاونين مع الجهاز أو وفقاً لهذا الحق الذي وفره قانون الامن يمكن توفير الحماية لهم في أي وقت وتحت كل الظروف التي يتطلبها الوضع السياسي طالما كان يحمل شيئاً من تهديد سياسي على سلطة ووضع المؤتمر الوطني. ولكن يبقى الجزء الاخطر الذي يوفره قانون الامن أن أفراد جهاز الأمن أو ضباطه أو حتى المتعاونين معه يمكن أن يأتيك مرتدياً زي شرطي ويتعامل معك على أساس أنه فرد شرطة، أو يأتيك على أساس أنه وكيل نيابة، أو تقف أمامه على أساس أنه قاضي، وكل ذلك يحق له وفقاً لقانون الأمن المجاز أخيراً.

وقانون الأمن الوطني بهذا الشكل والصلاحيات يجعله القيم والمسيطر على قوات الشرطة وكل صلاحياتها، هذا بخلاف القوات (الخاصة) التي تتبع له مباشرة والتي هي الاخري لها الحق ووفقاً لقانون الامن الاخير أن تلعب أدوار الشرطة أو الجيش كونها قوات ضاربة ومسلحة بأفضل مما هو وضع الجيش القومي ذاته. واذا اخذنا في الاعتبار التغييرات التي حدثت منذ قدوم الانقاذ وسط القوات النظامية كلها، يكون قد أتضح أن تعويل المؤتمر الوطني وحكومته إنما يرتكز على هذه القوات مضافاً لها قانون الامن الذي يعطيه الحق في فعل كل شئ وفي أي وقت بلا تدخل من قضاء ولو دستوريا أو حتى نواب المجلس الوطني ولو كانوا منتخبين. وهكذا يضمن المؤتمر الوطني بقاءه واستمراره مهما كانت افرازات الانتخابات القادمة ولا يهم من هو القادم الجديد للرئاسة أو الوزارة أو الولاية فقانون الأمن قيّم على كل هؤلاء والقوات النظامية كلها تخضع لجهاز الامن وعليه حتى الرئيس القادم سيكون تحت سيطرة جهاز الأمن ولن يكون وضعه أفضل من وضع مني أركو مناوي الذي قال أن (صلاحيات مساعد حله أفضل منه) وهو كبير مساعدي الرئيس. ولكن ما الذي يجري؟.

تفيد معلومات (مؤكدة) أن المؤتمر الوطني قد شرع في تكوين (حزب جديد) عبر توحيد المؤتمر الوطني وحزب الامة القومي –الصادق المهدي-، والاتحادي الديمقراطي الموحد- الميرغني- وأن الحزب الجديد سيأخذ اسمه عبر توليفة تختصر وتجمع هذه الاسماء. وتجري الآن المفاوضات والمساومات. ما انتهي منها إلينا أن يترك الميرغني كل نهر النيل والشمالية ويدعم مرشحي المؤتمر الوطني وكلهم كبار القيادات بدعوى أنهم بدأوا فيها مشروعات وأنهم الاحرص على اكمالها، وأن الاتحادي الديمقراطي (سيعطي) 60 دائرة. كما أن المفاوضات جارية مع الصادق المهدي ولم يرشح منها شئ بعد. ومهمة الحزب الجديد الاساسية هي ضمان فوز البشير الذي أكدت الدراسات الميدانية خسارته الاكيدة أمام أي مرشح قوي محتمل. كما أن الحزب الجديد سيضمن تمرير أي تزوير يقوم به المؤتمر الوطني بعد انضمام المهدي والميرغني له، ويوفر فوق ذلك القبول الدولي لأي نتائج تخرج بها الانتخابات القادمة. وبالمقابل وفي حالة التضحية بالبشير سيكون الرئيس القادم خاضع تماماً لما انتهي إليه الحزب الجديد وسيكون تحت السيطرة الكاملة لجهاز الأمن ولا يمكنه فعل أي شئ أمام سيطرة الجهاز على كل القوات النظامية وغير النظامية المعروفة.

أما أخطر المعلومات كانت نتائج تلك الدراسات الميدانية التي أجراها المؤتمر الوطني نفسه، والتي تفيد أن أقوى المنافسين للرئيس المرشح هو الصادق المهدي وبفارق يتجاوز ال 15% عن البشير. ولكن ما جدوي نقاش فوز الصادق وقد صار قانون الامن الوطني واقعاً مفروضاً، الامر الذي لن يكون لأي رئيس قادم في ظله أي تأثير ولن يكون قادراً على الدفع بأي تغيير لهذا القانون كونه قانون فوق الدستور ويحمي ويحتمي بكل القوات النظامية وليس لأي جهة حق محاسبة جهاز الأمن أو كبح جماحه. خاصة وأن تاريخنا يفيد أن تدّخل القوات ذات الشوكة يكبل الرئيس اذا لم يطيح به وفي أي وقت يشاء، وليس تاريخ مذكرة القيادة العامة في آخر الديمقراطيات ببعيد ولا ما أفرزه على الساحة السياسية بالقليل وما زلنا نعيشه بكل التفاصيل والآثار. خاصة وأن الرئيس القادم أياً كان لن يستطيع تغيير كل القوات النظامية، وحتى لو استطاع لن تخضع له القوات (الخاصة) على كثرتها وتعدد ولاءآتها، وهذا يفيد أي رئيس لن يكون له تأثير وليس له إلا الخضوع لجهاز الأمن والذي وإن لم يتمكن من عزل الرئيس يستطيع أن يخلق البيئة التي توفر كل واقع وامكانات خلعه عبر تحريك كل مفاعيل الفوضي التي يستطيع.

كان واضحاً من الحراك السياسي الجماهيري الذي جرى على محدوديته أن له أثر بالغ، وأنه نجح في تحريك الساحة ووضعها في الاتجاه الايجابي لكن القوي السياسية فشلت في توظيفه كونها ما تزال تركن إلى الاجندة الخاصة التي هي أهم من توفير الاطار الديمقراطي اللازم والضروري لهذه القوي. حتى الحركة الشعبية اخطأت حينما سمحت بتمرير قانون الامن عبر البرلمان، وكان قانون الأمن هو الأهم للمؤتمر الوطني من أي قانون آخر كونه يبقى على سيطرته مهما كانت أو جاءت المتغيرات. بل جاءت أول افرازات تمرير قانون الأمن خصماً على الحركة الشعبية ذاتها التي ظنت أن تمريره سيكون ثمناً معقولا لتمرير ما تريد ووفقاً لرؤيتها، ولكن عاد المؤتمر الوطني بعد أن ضمن تمرير قانون الأمن ليثبت عملياً أن أي قانون آخر هو ورق لا حرج في توقيعه ثم تغييره وثم التفاوض من جديد على تغيير آخر، وفي النهاية هناك مساحة واسعه لعدم تنفيذه طالما أن قانون الأمن مضى فهو القانون الوحيد والدستور الفريد الذي يريده المؤتمر الوطني. جرى كل ذلك بالرغم من أنه كان واضحاً وواضحاً جداً أن الذي يهم المؤتمر الوطني ضمن كل القوانين هو قانون الامن وأنه القانون الوحيد الذي لن يتنازل عنه قيد مادة، وكل ما عداه ساحة للمناورة مفتوحة على كل النتائج كونها قابلة للإستدراك عبر قانون الامن ذاته لاحقاً.

كما أن الحراك السياسي الاخير وبالاخص مسيرة الاثنين الاولي والثانية أوضحت بما لايدع مجالاً للشك أن الشارع له أثر بالغ وقوي، وأثبت أن المؤتمر الوطني هو الذي يحتاج (لإستيراد الجماهير) خاصة بعد نتائج الدراسات التي أجراها ووقف على نتائجها، لكن القوي السياسية ما تزال بعيدة عن الدرس تبذل الفرص سهلة للمؤتمر الوطني.

الحزب الجديد ما يزال تحت نار الطبخ والمساومات، وستوضح الايام القادمات عنه الكثير. لكنه يبقى مؤشراً خطيراً على اعلان انفصال مبكرللجنوب ومن الشمال. على الاقل وفقاً لكلمات نافع الذي قال ما يفيد بأنهم في المؤتمر الوطني سيتفقوا مع الحركة الشعبية وسيعطوها كل ما تريد، ليعود ويهدد احزاب الشمال بكل وعيد. وبعد مسيرة الاثنين وكل الحراك السياسي الذي صار، يعود المؤتمر الوطني بقبضة قوية تفرد له ليس السيطرة على القوي السياسية الشمالية، بل يجعله في وضع متقدم يقود فيه المفاوضات ويقدم المساومات ويشرع في ما لم يفكر فيه طيلة فتره حكمه الطويلة ... إلغاء المؤتمر الوطني الحزب، وتكوين حزب جديد. والحزب الجديد سيلغي كل أجراءات ترشيح الولاة واختيار مرشحي المؤتمر الوطني التي جرت خلال الفترة الماضية، والذي يبدو أنها لن تشكل خطراً كون المؤتمر الوطني بات يخشي من منتسبيه ومنافستهم بعضهم البعض بأكثر مما يخشى الآخرين. وأنه بات واضحاً أن أقوى مهددات المؤتمر الوطني الانتخابية أنما تأتي من داخله بأكثر مما هي من القوي السياسية الاخرى والجماهير، بل أضحي الحل في التوجه الى القوي السياسية  وتكوين حزب جديد مع بعضها. 

 

 

 

Abuthar Ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]