وصف اسحاق أحمد فضل الله خطة المؤتمر الوطني لمجابهة مسيرة الاثنين ب "الخبث الجيد"، وكان هذا أفضل وصف وتعريف تستحقه ومن أهلها. لكن اسحاق لم يفطن ولم يعي بعد انتهاء الحدث أن هذا الخبث الجيد إنما كان معد لإحراج الرئيس وتضييق المجال عليه ممن وضعوا ذلك التخطيط الجيد الخبث الذي طرب له اسحاق وتنبر به مباهياً. فقط كتب (بالانتباهة) تحت عنوان – ثم الجزء الثاني- مايلي: " ... لكن الحركة لم يخطر لها لحظة واحدة ان الدولة - وبخبث جيد - تعمل على (عزل) الحركة .. ثم تجعل الحركة هي من عليه ساعتها ان يختار بين ان (يجري) وبين ان يموت .. بعيداً عن كل فريق. وان الدولة .. وباعلان عطلة مفاجئة تعزل سمكة الحركة عن نهر المواطنين. والدولة باعلانها نصف الليل انها سوف تمنع المسيرة لانها غير قانونية كانت تجعل كثيرين يلزمون بيوتهم. ثم لا يبقى بعدها الا من هو مستعد للمواجهة في سبيل الحركة الشعبية. والحركة تتلفت فتجد ان الاربعين الف الذين وعدت بهم لا يخرج منهم الا .. ستمائة!!" انتهي الاقتباس عن الانتباهة. والحق أن حتى ستمائة اسحاق كثيرة بعد الحصار الذي ضربته الشرطة على كل الطرق التي يمكن عبرها حتى لهؤلاء الستمائة أن يصلوا للبرلمان. كما أن الحملة التي سبقت يوم المسيرة والتي شارك فيها بحماس وفظاظة اسحاق نفسه كانت لوحدها تكفي كشف خطة المؤتمر الوطني الجيدة الخبث تلك. فقط جري وصفها وتمثيلها بيوم الاثنين الاسود الشهير. ويبقى أمر تلك الخطة بلا علاقة بالارقام ولكن بما عادت به من كسب على الحركة الشعبية والقوي السياسية الاخري التي تشكل تحالف جوبا.

الذين وضعوا خطة (الخبث الجيد) إنما أرادوا أن يثبتوا صورة للرئيس (وماركاته العالمية) ويزيدوا التأكيد عليها، وبرد فعل يستهدف الحركة الشعبية دون الآخرين. وتخطيطهم الخبيث كان يرمي إلى تأكيد ما قاله سلفاكير باحدي كنائس جوبا مؤخراً حول المواطنة من الدرجة الثانية، والحرية  والمواطنة الكاملة . ذلك أن ما قاله سلفاكير كلاماً، كان هدف الخطة وخبثها الجيد أن يتأكد عملياً ومن قبل المؤتمر الوطني وحكومته، باستهداف قادتها، وضرب واهمال حتى من لهم حصانه منهم، وبوسط العاصمة الخرطوم وفي رابعة النهار والكل شهود. وبذلك يتأكد لكل شعب السودان في الداخل ولكل العالم في الخارج أن ما قاله سلفاكير هو الحقيقة التي سنريكم لها رأي العين اليوم. فالحركة الشعبية وكل شعوب الجنوب والغرب والشرق ليس لها من حق إلا أن تقبل بالدرجة الثانية من المواطنة وعملياً هذه المرة. هذا ما فات اسحاق وله أن يتنبر ويطرب للخبث الجيد. لكن الحقيقة تبقي (أن المكر السئ إنما يحيق بأهله).

ونسى اسحاق أن المؤتمر الوطني لم يعد إلا (رهيفة) كثيرة القدود للدرجة التي لا تتطلب من يضيف لها (قداً) ومن خارج المؤتمر الوطني. ونسى أن كل شئ بات متوفراً لقوى الداخل والخارج. بل نسى حتى عدد العسكريين الذين هم بالخدمة وخرجوا ومن مطار الخرطوم ليكونوا شهوداً أمام محكمة الجنايات الدولية بلاهاي، وأنهم الآن هناك وأن الحكومة والمؤتمر الوطني يعلمون بذلك علم يقين بعد أن صرح أوكامبو بذلك. بل فات على اسحاق أن يتذكر حدث قريب (كيف خرجت لبنى أحمد حسين) في دولة جهاز الأمن الذي لا يفوت عليه شئ وهي المحظورة عن السفر وقد جربت ذات المطار ومنعت، وأنها بذلك تضيف دليلاً أخر على انصراف جهاز الأمن للتمتع بالامتيازات والشركات (والحصانات) وترك العمل الاساس وقد كان الدليل الاول هو دخول خليل ابراهيم امدرمان رغم علم الامن والحكومة وقبل أكثر من اسبوعين بما سيحدث. فات اسحاق كل ذلك لكن الذين وضعوا تلك الخطة لم يفوتهم شئ وكانت أهدافهم واضحة وأن هناك من سيروجون لهذه الخطة لدرجة ضمان النجاح لها وهي انما تستهدف الرئيس وليس المسيرة ولا الحركة الشعبية وقد نجح (خبثهم الجيد).

لم يفكر اسحاق في قدوم باقان وياسر عرمان قبل ثلاث ساعات عن موعد المسيرة ولماذا؟، ولا أسعفته فطنته بعد ذلك عندما صرح ياسر عرمان بأن اعتقاله وباقان وآخرين وتعرضهم للضرب كان بعلم الرئيس. لكن الذين خططوا كانوا يعلمون، والذين سربوا الخطة عبر (قدود رهيفة الوطني) جعلوا خطوة باقان وياسر وحضورهم المبكر يفشل كل شئ أعد، بل ويوظف في اعلاء كسب المسيرة وتقليل الخسائر التي (تخيلها) اسحاق بأنها ستكون مثل يوم الاثنين الاسود، خاصة وأن الاعلان المتأخر لعطلة يوم المسيرة صوره اسحاق وكأنما الحركة الشعبية وكل الجنوبيين بالعاصمة سيجدون أنفسهم (وحيدين) ومباشرة أمام الشرطة التي ستعمل فيهم كل شئ اذ كتب تحت عنوان: يوم الاثنين الأسود ..ويوم الاثنين الأحمر!! "لكن اللقاءات الهامسة كلها تنتهي وهي تحدق بعيون كبيرة في شئ واحد. تحدق في الاعداد المتحفز الذي تعده الدولة الان للمظاهرة هذه. والذي يبلغ درجة تجعل الغيظ يشتهى ويتمنى ان يذهب جزء من المظاهرة للتخريب. وذلك حتى (يتفشى) موجوعون كثيرون جداً .. جداً .. جداً." انتهى الاقتباس. لكن مشهد (الستمائة) كان غير ذلك ليس أمام البرلمان ولكن بكل الشوارع من حوله ودور الاحزاب التي بالمنطقة بما فيها دار حزب الأمة ودار مني أركو مناوي مساعد الرئيس.

وتصور الكثيرين أن رد فعل أهل الجنوب بمناطقهم وحرقهم لدور المؤتمر الوطني ستكون عوناً لهم تسند تبريراتهم. ونسوا أن احداثاً وقعت وبالخرطوم ولم تكن هناك مسيرة ولا اعتقالات لتبرر أنها إنما جاءت كردود أفعال... فالقنبلة التي وضعت بمكتب ياسر عرمان كانت مخطط ينم عن سبق اصرار وترصد. والاسوأ منها كانت حملة وزير الداخلية (البروف الزبير) التي اقتحمت قواته دار الحركة الشعبية بالعمارات بحجة البحث عن سلاح!!، لكن الرسالة ظلت واحدة في وقت وقوع تلك الاحداث وأثناء وبعد المسيرة. أن أهلنا بالجنوب لن يكونوا إلا مواطنين من الدرجة الثانية، وكل أهل السودان الذين لا يركعون للمؤتمر الوطني مصيرهم كذلك وإن كانوا من أهل الشمال. يبقى العتب ليس على اسحاق الذي هو ضارب دف (وضارب الدف ليس بكافر لكن من يخرج بمسيرة ضد المؤتمر الوطني كافر وبعد التخفيف – آثم في دينه).

أنهت مسيرة الاثنين كل حجج المؤتمر الوطني وابطلت كل إدعاءته. وثبت أنه مهما أعلن قبوله بالديمقراطية واتاحته للحريات، إلا أنه لا يحتمل من ذلك شئ ولو لساعة واحدة. وأنفضحت حججه القانونية لنجد أنفسنا أمام تعاريف أخرى للقانون تدعي أن هناك فرقاً (بين الاعتقال – والقبض) وهو التعريف والفرق الذي يبيح (القبض) لكل من له حصانه ولا يرغب فيه المؤتمر الوطني، وربما يكون القبض هو مهنة البوليس، أما الاعتقال فمهنه الامن والله أعلم. ولكن سقوط العمارات وجلله فضائحها يجني منها من هو مؤتمر وطني (استراحة محارب) ثم ترقية ومنصب رفيع. تلك هي العدالة التي لم يجعل الله في الارض لها مثيلاً، ورغم ذلك ترتعد فرائض الجميع أمام اتهامات محكمة الجنايات الدولية.

مسيرة الاثنين كذلك أكسبت الحركة الشعبية وضع تفاوضي أفضل أمام غريمها المؤتمر الوطني. كما أنها فتحت آفاق الجماهير والشارع الذي كان مغلقاً لسنين. وفوق ذلك فتحت كل الابواب لنجاح المحاولات القادمة كونها ستثبت أن المؤتمر الوطني يخشى الجماهير وأن المسألة لا علاقة لها باجراءات التصديق القانونية.

أما أخطر المكاسب التي جسدتها مسيرة الاثنين فتقول أنه حتى في حالة تزوير الانتخابات أو دخول المؤتمر الوطني لها منفرداً، فإن الشارع سيكون هو الحكم عليها. أما قبل الانتخابات فسيكون الشارع هو الشاهد على تزوير المؤتمر الوطني للانتخابات بما لايدع مجالاً للشك. وكل هذا يعتبر عند أهل المؤتمر الوطني مهددات خطيرة لهم تستوجب كل شئ وتبيح لهم كل شئ، أو سيكون مصيرهم الجنائية الدولية وفي أفضل الاحوال محاكم امبيكي المختلطة.

 

 

Abuthar Ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]