Abuthar Ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

ابتدرت واشنطن سياستها الجديدة تجاه السودان بتجديد العقوبات السارية عليه اصلاً، ودون ابعاده عن قائمة الدول الراعية للأرهاب ولو على سبيل الوعد!!!، وفوق ذلك جعلت مدخلها وأهم ثوابتها هي (عزل الرئيس البشير ) فلا يتم التعاطي المباشر معه!!. وبالطبع ليس هناك جديداً ضمن هذا السياق، فقد ظل المبعوث الأمريكي غرايشن يمارس ذلك عملياً فلم يحدث أن إلتقى الرئيس البشير لكنه (وهنا الاشارة الاهم) كان محل احتفاء المؤتمر الوطني والحكومة. ومن الاشارات المهمة ضمن هذا السياق أن التعاطي (الصحفي) المحلي لم يورد ذلك في عكسه للسياسة الامريكية، كما حرص من صرح بهذا الصدد من المسؤولين أن يسكت على موضوع عزل الرئيس وليس الابادة الجماعية بدارفور. وأمام هذه الحقيقة الساطعة والتي وردت ضمن أكثر من مصدر معلوم ومشهور ودولي، اذ أوردتها رويترز، والسي ان ان، والخليج، والراية القطرية، وعلى ذلك قس. وعليه يكون الخط الاحمر الذي رسم (دون تحديد) مع رفع الرقابة الامنية عن الصحافة قد سقط كونه أصبح سياسة أمريكية معلنة تجاه السودان. بل و قد أسقط معه كل الخطوط التي اعدت بألوان تشير إلي أنها سقف التعاطي الاعلامي والتي تستوجب ردع رؤساء التحرير لها ومن عند أنفسهم، خاصة وأن الرقابة وبقرار من المحكمة الدستورية أصبحت (دستورية) ويمكن اطلاقها من جديد وفي أي وقت. ويبقى السؤال ما جدوي رقابة تجابة سياسية معلنه أول مرتكزاتها عزل الرئيس والابقاء على العقوبات وعلى السودان راعياً للأرهاب!!!!؟. وفي ظل تقبل وقبول حكومي معلن لتلك السياسية!!.

والمستغرب حقيقة هو القبول الذي واجهت به الحكومة والمؤتمر الوطني السياسة الامريكية الجديدة، خاصة وأنها ظلت تتهم واشنطون بأنها بذلت الكثير من الوعود ومنذ توقيع اتفاقية السلام الشامل إلا أنها لم تفي بشئ من ذلك. والاغرب أن تقبل الحكومة وهي من استنكر عدم التزام واشنطن تعهداتها السابقة وأعلنت كفرها بواشنطون، أن تفرض عليها واشنطون سياسة تكون هي (الحكومة) ودائماً صاحبة الخطوة الاولي وأن تحسب واشنطن تلك الخطوات وعلى الارض ثم تقرر للخرطوم (جزرة) أو (عصا) بحسب توضيحات كلنتون ضمن مؤتمر اعلان السياسة الجديدة تجاه السودان.

والذي يزيد الاستغراب دهشة لقبول الحكومة للسياسية الامريكية الجديدة أن مدخلها ومنهجها وأهدافها المرسومة تقود إلى نهاية واضحة وهي تغيير النظام وجذرياً. ألم تبتدر واشنطون سياستها بعزل الرئيس والابقاء على كل العقوبات السابقة بل وتجديدها وفي الاسبوع الذي اعلنت فيه سياستها الجديدة تجاه السودان. فأهداف السياسة الجديدة تتضمن تنفيذ كامل لإتفاقية السلام الشامل بما فيها قضايا وتفاصيل التحول الديمقراطي من تغيير القوانين إلى اجراء انتخابات (نزيهه) وحتى ترسيم الحدود والمشورة الشعبية لجبال النوبة والنيل الازرق وحق تقرير المصير لشعب أبيي، وقانون واجراءات الاستفتاء على بقاء او انفصال الجنوب وما يترتب عليه بعد انتهاء الاستفتاء أنى كانت نتيجته. مروراً بدارفور وما أدراك ما دارفور. وهنا قد تبدو القضايا مألوفة بل ومعتادة ولكن ماذا هناك أيضاً مما يزيد مساحة الاستغراب ويجعل الدهشة على درجة غير معتادة كون التغيير التي تفرضه ذاتياً اتفاقية السلام وتحتمه أي معادلة تجري مستقبلا بدارفور مهدد بدرجة ما؟!!. ذلك ما تبرزه وبوضوح ما ورد من أهداف ضمن السياسة الامريكية الجديدة. وهذا ما يحتاج لشئ من قراءة فاحصة تنظر وتدقق مآلاته.

فقد جاء ضمن الاهداف: منع السودان من أن يكون قاعدة للإرهاب، ومنح واشنطن تسهيلات أمنية على البحر الأحمر واعطاء الشركات الأمريكية عقوداً نفطية. ولعله معلوم أن الارهاب شطر رضعت منه أمريكا حتى نضج عودها في مواجهة الحركات الاسلامية بل تمددت لتستهدف منهم من لا يمثل تهديداً لها ولو على مدى ألفي عام، وكل ذلك بفضل كبير وانبراش أكبر من الحكومة وعبر جهاز أمنها ومباشرة دون أن تقدم ذلك أو تحرص على مقابل وكان كل هدفها المعلن وقتها أنها نجحت بذلك من إبعاد السودان من تلقي ضربات عسكرية أمريكية مباشرة!!، والآن يمثل ذات هذا البعد أقوى مصادر القبول للسياسية الامريكية كما جاء واضحاً ضمن تصريحات غازي صلاح الدين بحسب رويترز 19 أكتوبر "... وقال المستشار الرئاسي غازي صلاح الدين ان عدم وجود تهديدات بتدخل عسكري في الاستراتيجية كان "مهماً" ويشكل روحاً جديدة عند أوباما... وأضاف في مؤتمر صحفي عقد في الخرطوم أن هذه استراتيجية تفاعل وليست استراتيجية عزلة".

أما (التفاعل) الذي أشار إليه غازي صلاح الدين فقد انبني كما هو واضح على إعطاء أمريكا تسهيلات أمنية على البحر الاحمر، تؤكدها وتحسم أمرها الغارات الاسرائيلية الاخيرة على شرق السودان والتي أوضح المبعوث قرايشن أنها تمت بتعاون تام من الحكومة السودانية أمام الكونغرس الامريكي كما هو معلوم. وحتى هنا الواضح أن تفادي (التدخل العسكري) هو الذي دفع الحكومة السودانية لقبول ذلك (ودون مقابل) بل قبل أن يكون ذلك ضمن الملفات التي ستصححها كلنتون ثم تعطي مقابلها جزرة أو عصا، ولكن أن تتم بمقابل كما هو معتاد في التعامل الامريكي مع الدول الاخري، فحتى هذا المستوي لم تحرص عليه الحكومة ولكن لماذا؟.

قالت –الراية القطرية 19 أكتوبر- " ذكرت تقارير صحفية ان هناك صفقة تم انضاجها على نار هادئة خلال الأشهر القليلة الماضية بين مسؤولين أمريكيين وسودانيين مقربين من الرئيس عمر البشير، سيتم بموجبها إسقاط التهم الموجهة للبشير والتي جعلته مطلوبا للمحكمة الجنائية الدولية، مقابل "حفنة" من التنازلات تتعلق بسيادة السودان ونهب ثرواته".- انتهي الاقتباس عن الراية-. والواضح أن ما ستحصل عليه أمريكا من تسهيلات أمنية وعسكرية بشرق السودان يمثل التنازل عن السيادة، ثمناً لاسقاط التهم عن البشير. ولكن مشكلة التهم الموجهة للرئيس البشير من قبل المحكمة الجنائية الدولية لا تنتهي باسقاط التهم عن البشير، كون المحكمة أولاً عرفته (بالمتهم غير المباشر)، وثانياً يبقى هناك متهمين أخر هم أحمد هارون وعلى كوشيب، وهؤلاء وحتى في حالة اعلان العفو عن البشير، أو اسقاط التهم عنه، أو أي شئ آخر، سيكون هؤلاء مهدداً كبيراً سيعيد البشير وبالباب للمحكمة مهما كان الشباك الذي سيخرج منه الآن، كما أن هناك آخرين أكثر رعباً من هذه المحكمة كونهم ضمن قوائم الاتهام التي قد تعيدها محاكمة هارون وكوشيب إلى قاعة المحكمة. وكل هؤلاء لن تكون نجاة البشير واسقاط التهم عنه ثمناً مقنعاً ينفض قلق المطاردة الدولية عنهم، وهم واعين لذلك تماماً وقد غيروا كثيراً في ترتيبات الانتخابات القادمة وفق خطة تفرض مرشحاً آخر للرئاسة ومن المؤتمر الوطني ضد البشير وما تزال التعبئة على مستوى القواعد تتفاعل في شكل صراعات مراكز متنافرة تعمل كل منها على اقصاء الاخرى ضمن المؤتمر الوطني، وكل ذلك في اطار انفتاح أوسع تجاه الخارج والقوى الدولية، وانفتاح على القوى السياسية والحرص على الظهور بمظهر من يقوم بتجاوز الازمات وفي أحلك احتداماتها كما جري مؤخراً بين على عثمان وريك مشار بشأن قانون الاستفتاء. وهذه السياسة لن يكتب لها أي نجاح إلا في حالة عزل الرئيس وقد فرضته أمريكا كسياسة رسمية، وضمان عدم وجود أي خطوط تعاطي داخلي مباشر مع الرئيس من قبل القوى السياسية الاخرى وهو الأمر الذي برز بقوة مؤخراً في ابتعاد حزب الامة عن المؤتمر الوطني والجلسات الدورية التي كانت تجمعه مع الرئيس البشير.

الواضح أن السياسية الامريكية الجديدة هدفها هو الدفع بتغيير النظام كون البديل سيكون انفلات كامل وانهيار لدولة السودان لن يكون التعاطي مع آثارها الداخلية والاقليمية سهلاً وستترتب عليها خسائر أفدح وستتسع دائرة المتضريين اقليمياً وعالمياً منها. لكن السياسة الامريكية الجديدة تحاول أن ترسخ رجلها بالاراضي السودانية ووفقاً لإتفاق مع حكومتها الضعيفة الحالية لضمان موقع عسكري أمني لها بالبحر الاحمر يكون هو الحارس لسياستها الجديدة تجاه السودان وضمانتها الرادعة، وتكسب بذلك موطئ قدم جديد وأكثر أهمية لأستراتيجيتها العسكرية ضمن الشرق الاوسط وشرق افريقيا. وأنها وقد سنحت لها الفرصة ستستغل حالة الضعف والصراع التي يعيشها المؤتمر الوطني والتي يمثل الرئيس البشير أكبر ثغراتها الراهنة وعلى مستوى المستقبل القريب.

وتبقى من مستجدات السياسة الامريكية الجديدة أنها قادمة للسودان وهي ترتدي (اسكرت) ولن تستطيع شرطة أمن المجتمع ايقافها بتهمة الزي الفاضح، كون الذي يقف عليها السيدة كلنتون أما قرايشن فقد جاء للسودان وغني بلسان لكنه عائد بلسان ولحن جديد.