تحليل سياسي

استشراف معركة الرئاسة القادمة

أبوذر على الأمين يس

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في إطار دفاعه عن جامعة سالامنكا الاسبانية القديمة في مواجهة الفاشية والستالينية قال الفيلسوف مسغيل دي انامونو في مواجتهم عن جامعته (( إن هذا معبد للفكر وإنني رئيس اساقفته وأنكم أنتم من يقوم بإنتهاك حرماته المقدسة. سوف تفوزون بسبب قواكم الجبارة العنيفة. لكنكم لن تقنعوا أحداً لأن الاقناع يحتاج للحجة والحجة تجتاج لما تفتقدونه..)) وكان مصير الفيلسوف الاسباني بعد تلك المواجهة أن أختفي فجأ ليعلن بعد حين وفاته (لإسباب طبيعية!!). هذه المقولة نوردها مدخلاً لقراءة افادات الرئيس لإذاعة البي بي سي وبالتحديد حديثه عن التخلي عن السلطة (لمعرفته) بملل الشعب وحبه للتغير، وأن (( على المؤتمر الوطني أن يستعد ليقدم مرشحاً آخر في الانتخابات القادمة)) لكن الرئيس وضمن ذات الحديث أعاد الكرة الى (قبضة الحكم) مرة أخرى حين قال ((إن المؤتمر الوطني اذا فرض عليه الترشيح فإنه سيترشح مجدداً)). عليه بدلاً من أن يكون التغيير هدف مرصود ومقصود ينقلب قاعدة تستوجب اعادة ذات الرئيس بدعاوى ليس من بينها قطعاً (الملل وحب الشعب للتغيير) والشواهد في الاقليم من حولنا أكثر من أن تحصى لإستعادة الرؤساء مواقعهم من بعد اعلان رغبتم في التنحي والتغيير، كان آخرها علي عبدالله صالح الذي عاد (محمولاً على أكتاف الجماهير!!!؟) وقبله كان حسني مبارك الذي لا يزال يقاتل لبقائه أو توريث أبنه وذلك أضعف الايمان.

واذا حسبنا مدة رئاسة البشير سنكتشف أنه بقى في الحكم (لخمس دورات) اذا اتخذنا النظام الأمريكي معياراً ، (وأربع دورات) اذا كان الفرنسي هو المعيار، والنظامين الأمريكي والفرنسي اخترناهما ليس لإنهما نظامات ديمقراطيان – ونحن متوجهين نحو (تغيير) ديمقراطي -  بل فوق ذلك لأن العلماء على مختلف تخصاصاتهم أقروا علمياً أن قدرات القائد على العمل والعطاء لا تتجاوز في أحسن حالاتها السبع سنوات. لكن الذي يجرى عندنا على عكس من ذلك اذ يتحول تتطاول سني الحكم (خبرة وحسن تدبير وقدرة فذة على مواجهة التحديات) وراء حمل الرئيس مجدداً للرئاسة فالرئيس بقرأة عمره في الحكم (18 عاماً) تحسم جدارته وتبين خبرته وخارق قدراته. واذا عرفت أن البشير قبل أن يقول ما قال للبي بي سي هو مرشح المؤتمر الوطني للرئاسة بل هو المرشح (الوحيد) وأن عمره فقط كمرشح (3سنوات وزيادة) ، نكون أمام بُعد مضاف للصراع القادم على الرئاسة يجرى على ساحة المؤتمر الوطني بصورة ما؟!! ، ويبقى المؤكد الوحيد هنا أن أدوات ورجالات التحكم بيد البشير وأن اللعب إنما يتم على قواعده وقوانينه التي تبدوا عليها ظلل كثيرة وكثيفة من العسكرية وكأنها تنشد تحت شعار القوات المسلحة (الحارس مالنا ودمنا) وربما عرشنا.

لكن النظر الي مجريات الأحداث يبرز جلياً أن القوات المسلحة ذاتها أضحت مسرح مفتوح للصراع وتغيرها مطلب غالب كلياً أو جزئياً مما يجعل رهان خوض معركة انتخابات الرئاسة عليها فقط مخاطرة تستوجب اعادة الحساب خاصة بعد ما جري ضمنها مع قدوم الانقاذ.

التغيير القادم اذن يقتضي بعد ضرب واضعاف الحركة الاسلامية في شخص رمزها وزعيمها وتفتيتها، حسم وضعية المؤسسة العسكرية المعتبرة جزء أصيل من هذه الحركة ودعامة بقائها واستمرارها ، خاصة بعد افراغها وابعاد كادرها من المنتمين الى قوى سياسية أخرى ومن ذوي الميول لبعض القوى وحتى من الذين لهم عداء للصاعدين للسلطة عبرها. كما أن حادثة محاولة اغتيال الرئيس المصرى حسني مبارك وفرت كرت ضغط وتوظيف الرجل الثاني فيها لتحقيق الخطة عبر مرحلتيها ، المنجزة بابعاد رمز وزعيم الحركة واضعافها بشقها. ولكن يبدوا أن الشق الثاني الذي يستهدف المؤسسة العسكرية تعثر بسبب الاعتماد الكامل عليها في انجاز شقها وتفتيتها وابعاد زعيمها، لتقف صخرة يجب تفتيتها كجزء من المشروع المرسوم اصلاً ، الضامن لصعود علي عثمان كشخصية مدنية كاملة الارتهان الأمر الذي يضمن تحديد المسارات والخيارات تلويحاً وتوظيفاً لملف حسني مبارك لصالح الأجنبي.

كما أن شق وتفتيت الحركة الاسلامية ترتب عليه من جهة أخرى إضعاف فرص دعم صعود علي عثمان . كما ترتب عن منهجه وطريقته في التعامل مع القوى السياسية والمدنية وحرصه على القهر والتسلط مزيداً من اضعاف فرص صعوده كبديل للقيادة العسكرية الحالية كونه لا ايمان له بالديمقراطية وأن طريقته تتطلب أداة عسكرية لمنع وقهر واخضاع الخصوم لتوفير اطار للحكم لا يعرف ولا يعترف بالتنافس بل يعتمد منهجاً فردياً يقوم في كماله على التسليم والخضوع. مما يعني أن التبديل لن يكون تغييراً إلا في المظهر المدني للرئيس الجديد لتتم اعادة انتاج ذات المنهج والآليات لتكون هذه المرة تحت امرة رئيس مدني.

لكن مصالح شركاء السلام في الداخل لا سبيل لإنفاذها وتطبيقها إلا يتغيير يمس رئاسة الدولة. كما أن القوى الدولية والأمريكان منهم خاصة ، لاضمان لإستعادة واستمرار مصالحهم إلا بتغيير رئاسة الدولة. عليه تستوجب المعالجة الارتكاز على اتفاقية السلام كأساس للتغيير القادم الذي يضمن التغيير في أبعادة المطلوبة كلها سواءً مست الرئاسة أو المؤسسة العسكرية أو القوى الحزبية والمدنية لضمان دورانها في فلك مرسوم محدد ومشروط بالاتفاقية التي أصبحت دستوراً بحصصها غير القابلة لتغيير فيما يبدو حتى بعد التحول (الديمقراطي) المنشود. فمعادلة الشمال الجنوب تقتضي درجة من المصاحبة بينهما وفقاً لتلك الحصص يضمن شروط وظروف لتحول فيه دور وحضور للجنوب أكبر من حقه ، ويتطلب ضمان عدم تطبيق نموذجه على أي جهة أخرى من جهات السودان على اعتبار أن ذلك من دواعي الانتقال وشروطه.

ولما كانت الانتخابات تمثل نقلة مفصلية ضمن سياق اتفاق السلام ، فإنها تستوجب (ضمان) تغيير الرئاسة لتكون بدورها ضمان للانتقال لدرجة ومرحلة من الديمقراطية بها مساحة للمشاركة والمنافسه دونما اخلال باتفاق السلام ولا بحصصه. وتبرز المعضلة في أن المؤتمر الوطني حدد (استباقاً) مرشحه (الوحيد) للرئاسة الذي هو الرئيس الحالي ، وهذا لا يعد تغييراً ولا انتقالاً لمرحلة أخرى ديمقراطية، بل يقتضي سياق التغيير وفقاً للخلفيات التي رسمناها تغييراً في الرئاسة ذاتها والبعد عن مظهرها وجوهرها العسكري. وبما أن ذلك لن يكون متاحاً والبشير مرشحاً فان تحرك شركاء نيفاشا يعد ضروري وحاسم وهو ما تشير إليه هذه الايام الاحاديث المتواترة عن ابعاد وتهميش صانعي السلام ، وتعداد وابراز مناقب رئدها علي عثمان.

لكنها كذلك تحتاج لاجتياز جملة صعوبات يفرضها واقع المؤسسة العسكرية من جهة ، وعدم المقبولية وسط الاسلاميين وبين القوى السياسية لعلي عثمان كبديل. الأمر الذي يتطلب تدخلات دولية يتم عبرها ممارسة الضغط واستخدام وتحريك الملفات الدولية لابعاد البشير عن الترشح خاصة وأنه الآن المرشح (المعلن) للمؤتمر الوطني. والذي يبدوا خلافاً لما صرح به للبي بي سي أنه لا يرغب ولكنه سينفذ رغبة المؤتمر الوطني. والواضح أن القاعدة (الدبلوماسية) التي بنى عليها تصرحيه ذاك هي في الأصل مقلوبة ، والمشهور والمعروف عنها أن (الشعب يمل القادة طويلي الحكم.. لكن القادة طولي الحكم بالذات لا يملون أبداً) اذ تصبح الرئاسة جزء لا يتجزاء من شخصيتهم ، وتتقوى رغبتهم في الاستمرار في الحكم كلما توفرت لهم امكانيات البقاء بها بصورة مشروعة أو غير مشروعة.

والذي يبدو في الافق الآن أننا سنشهد معركة رئاسية أقوى حدة من كل المعارك السابقة ، لن يكون المؤتمر الوطني رغم احتكاره للسلطة الفاعل الحاضر الوحيد ضمنها ، لكنها تشي بنهاية رئاسة البشير ... وربما بداية رئاسة على عثمان والله أعلم