تحليل سياسي

   

أبوذر على الأمين ياسين

  

سار همس بالمدينة، ثم تصاعد لأيام، وسط دهشة عميقة حيرتها التوجهات و الاستعدادات العالية للتخلص من كل شخص أياً كان إذا مثل أو أصبح عائقاً أمام المستفيدين من الإنقاذ، والذين يفرضون رؤيتهم وينفذون نزواتهم حتى ضد الشعب، ثم لا يتورعون في التخلص من كل ذلك بالتضحية بواحد منهم وإن كان الرئيس. كان الهمس يدور حول تداول نافذين بالمؤتمر الوطني وشروعهم في البحث عن بديل للرئيس البشير!؟. ورغم انتشار الهمس إلا أنه لم يكن عند الكثيرين أكثر من أوهام لا يدعمها الخط ألتصعيدي المستميت لحماية البشير والذي لا يبالي باستخدام حتى سلاح إلغاء اتفاقية السلام وأبوجا وربما حتى انسحاب السودان من منظمة الأمم المتحدة. لكن حدثان أضفيا على ذلك الهمس قيمة للدرجة التي تستحق الانخراط في البحث عن بديل للرئيس البشير مع المؤتمر الوطني وكيف سيقود ذلك؟، والى أين سينتهي؟، وهل بالمؤتمر الوطني مساحة لبديل بكل رموزه المعروفة؟.

  

الحدثان تعلق أولهما بتصريحات الرئيس السينغالي عبد الله واد الذي استبعد تأمين بلاده لجوء آمن للرئيس البشير وجاء في تفاصيل افادته استبعاد "... تأمين بلاده الموقعة معاهدة إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، اللجوءَ لنظيره البشير المهدد بمذكرة توقيف دولية بتهمة ارتكاب ابادة. وذكرت وكالة الأنباء السنغالية الرسمية ان الرئيس واد، الذي يزور الولايات المتحدة، رفض الخميس احتمال تأمين اللجوء في بلاده للبشير الذي يمكن ان يعتقل فيها لأن السنغال وقعت معاهدة روما الدولية لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وان «البشير لن يأتي إلى السنغال. ولقد اتصل بي وتحدث عن التهديد بتوجيه الاتهام اليه، وقلت له ان السنغال وقعت معاهدة روما. وبموجب هذه المعاهدة لا يمكننا ان نكون استثناء" حسب الشرق الأوسط.

  

تعلق الحدث الثاني بتخلف الرئيس البشير عن المشاركة في قمة الشراكة الذكية المنعقدة بالعاصمة الزامبية لوساكا، وهي أول مرة يتخلف الرئيس البشير عن مشاركة دولية خارجية. ورغم نفي مصادر مطلعة (للشرق الأوسط) بأن لا صلة لتخلف الرئيس البشير عن المشاركة تلك بمذكرة المحكمة الجنائية الدولية، إلا انها تقف مؤشراً بأن الرئيس بات يخشى أن يجد نفسه يواجه ذات المصير الذي واجهه جعفر النميري الذي خرج لأمريكا ثم عزل ثم لم يعد للبلاد إلا بعد سنوات. خاصة وأن ظاهرة عزل الرؤساء ابان مشاركاتهم الخارجية اضحت ظاهرة (افريقية خالصة) اذا تذكرنا مصير الرئيس الموريتاني ولد طائع الذي ما يزال يتمتع بالبقاء خارج بلاده .

  

ولكن من هم البدلاء؟، وهل سيأتي البديل من داخل المؤتمر الوطني؟. نطرح هذه الاسئلة على خلفية أول لائحة اتهام سلمها مجلس الأمن للمدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية وقال أنها تحتوي على 52 أسم بينهم بعض المنتمين للحركات المسلحة بدارفور. صحيح أن للرقم 52 دلالة عظيمة للانقاذ خاصة بعد اتفاقية السلام إذا اضفت إليه (علامة النسبة المئوية) 52%. كما أنه يضيق مساحة البدلاء وسط الرموز والقادة بالحكومة والمؤتمر الوطني، على اعتبار أن المؤتمر الوطني يمثل مساحة أوسع للخروج من ضيق الخيارات ضمن الحكومة. كما أن لائحة ال 52 متهم هذه تجعل حتى خيارات المحاكمة الداخلية على اعتبار أنها البديل المنقذ من ملاحقة محكمة الجنايات الدولية وبالاً على المؤتمر الوطني. ذلك لأن مجرد توجيه الاتهام يعنى أنك خارج اللعب والتوازنات السياسية، بل يجعلك بلا مستقبل سياسي، كما أن الاتهام يجرد كل متهم من حق الترشيح للإنتخابات القادمة. وعلى ذلك فإن المحنة التي دخلها المؤتمر الوطني باصرار ومكابرة اينعت وحان وقت قطاف ثمراتها روؤساً كاملة الايناع بما جنت أيدهم. ولكن من اين نبدأ قراءة حظوظ البدلاء ممن سيخلفون البشير على راس الدولة بحسب مسعى المؤتمر الوطني ومجاراة له.

  

لنبدأ بمؤسسة الرئاسة. هنا نحن أمام مرشح واحد هو علي عثمان محمد طه النائب الثاني للرئيس، ذلك لأنه أولاً ابرز رموز الانقاذ والمؤتمر الوطني والحكومة. كما أن ترتيبات اتفاقية السلام لإبدال الرئيس تجعل منه القادم (الأكيد) لكرسي الرئاسة، وذات الترتيبات تستبعد سلفاكير النائب الأول للرئيس ذلك أن اتفاقية السلام جعلته نائباً ثاني ثابت طيلة الفترة الانتقالية، كما أنه لا ينتمي للمؤتمر الوطني. ولعلي عثمان وضع فريد فهو خيار قوى خارجية سعى لها حثيثاً وكان سعيه ذاك سبباً في إثارة الكثير من الصراع معه لدرجة تهميشه شبه الكامل في الفترة التي سبقت طلب اوكامبو الاخير، فهو مرجح اذاً كأقوى خيار بديل للرئيس من المؤتمر الوطني ومن القوى الدولية التي ظلت تري وتترسخ قناعتها أن الرئيس البشير هو المعوق لكل التسويات التي يمكن أن تسمح ببقاء النظام وتضمن استمراره، كما أن أهمية استمرار نظام الانقاذ بالنسبة لهذه القوى الدولية يقتضي إبدال الرئيس بعلي عثمان تحديداً ولا أحد سواه.

  

لكن علي عثمان أقوى (المتهمين) في قضية دارفور، بل هو المتهم بأنه من أطلق حملة الابادة الجماعية هناك بدراية وقصد، وأن دوره كان الأصل ومتجاوز حتى للرئيس، فهو اذاً المتهم الأول والأكبر. واتهام على عثمان من القوة والرجاحة للدرجة التي لاتسمح له أن يكون بديلاً للبشير كون قدومه لمقعد الرئيس قد يجعل البلاد تدخل من جديد في مسلسل اتهام الرئيس مرة أخرى من قبل محكمة الجنايات الدولية، ويعاد ذات السيناريو من جديد. يوضح ذلك بعض ما جاء بكتاب (دارفور تاريخ حرب وإبادة) الذي نشر في 2006م لكل من جولي فلينت وألكس دي فال. اذ جاء في الكتاب ما يلي: " مع حلول العام 2000م برز على عثمان بوصفه الشخصية المحورية في النظام...وبالنسبة إلى موسى هلال زعيم الجنجويد اليوم فإن على عثمان هو بطل السودان....عندما طفر التمرد في دارفور خلال 2002م، كانت سياسة الخرطوم حيال دارفور فاترة الهمة وغير متماسكة، تدفع بها زمرة الأمن في اتجاه ويسحبها في اتجاه آخر مسؤولون عسكريون وحكوميون أكثر جدية. وكافح أكثر سياسيي السودان دهاءً علي عثمان طه للسيطرة على الحلبة، لكن أهتمامه كان ينصب على مكان آخر: على الجنوب وعلى العلاقات المتحسنة ولكن المهتزة في الوقت نفسه مع الولايات المتحدة الأميركية. وفي الوقت الحرج اتخذ نائب الرئيس خياره: لندع الحرب تأخذ مجراها.".

  

ويواصل الكتاب سرد الوقائع ".. برز حاكم شمال دارفور الجنرال إبراهيم سليمان من بين السياسين الذين يسوقون للتفاوض. وحاول الجنرال سليمان وهو رئيس سابق للأركان، ومن البرتي، الإهتمام بمظالم المتمردين من خلال المؤتمرات القبلية والاتصالات الهادئة مع زعامة التمرد. كان يعتقد أن مطالب المتمردين قابلة للتفاوض. فجيش تحرير السودان لم يكن انفصالياً، فهم كانوا يريدون العفو الشامل والاعتراف بهم كحركة سياسية، وتعهداً بتنفيذ مشاريع الانماء في دارفور، وسلطات مستقلة ضمن نظام فيدرالي، وهو أمر طرحته الحكومة بعد ذلك ب18 شهراً للمناقشة في أول عرض سياسي لها لوقف الحرب. ولكن هلال كان أمراً مختلفاً: فالجنرال سليمان كان يعتبره مجرماً بالولادة. ومع توليه منصبه في شباط/فبراير 2001م استدعى الجنرال زعيم المليشيا وحذره:( إذا قررت قتلك فسأقتلك ولن يحدث لي شئ) واكتفى هلال بالابتسام. وفي آب/ أغسطس 2002م اوقف الجنزال سليمان موسى هلال و23 آخرين من (مثيري الشغب) وارسلهم إلى سجن على بعد الف ميل- في بورسودان- لإخراجهم من دارفور وترك الأمور تهدأ. وبعد أربعة أشهر نُقل هلال إلى الإقامة الجبرية في الخرطوم، بعد تدخل شخصي من على عثمان...واوضح على عثمان لدى زيارته للفاشر في تشرين الثاني/نوفمبر 2002م أن الحل العسكري خيار مطروح وسيكون من دون رحمة وحذر من أن دارفور (ستعاد سنوات كثيرة إلى الوراء) اذا حذا المتمردون حذو الجيش الشعبي لتحرير السودان وسينتج عن ذلك دمار شامل.". انتهى الاقتباس عن كتاب (دارفور تاريخ حرب وابادة).

  

هناك الكثير من الوقائع والتفاصيل التي احتواها الكتاب وتداولتها مصادر أخرى كثيرة ومتعددة، وكلها تقول بأن على عثمان لا يصلح أن يكون بديلاً للبشير كون ما صار مع البشير حتماً سيصير مع على عثمان وستطلبه محكمة الجنايات الدولية ضمن آخرين كانت قد شملتهم لائحة ال 52 متهم التي سلمها مجلس الأمن لمحكمة لاهاي وسربتها احدى الصحف السعودية وقتها. وعليه يجب على المؤتمر الوطني البحث عن بديل آخر ولكن من يكون!!؟، جل من هم بالحكومة من الوزراء ووزراء الدولة ضمن تلك اللائحة اللعينة، وكل من له مسؤولية مباشرة بدارفور مرشح قوي ضمن تلك اللائحة. والخروج عن الاسماء الرموز الكبيرة يخلق مشكلة أخرى تحتاج حسابات أخرى لمدي القبول داخل المؤتمر الوطني وباختصار الأمر على درجة من التعقيد بحيث يفرض بقاء المؤتمر الوطني كحزب حاكم وله وجود على الساحة السياسية لكن قيادة الدولة الأرجح أنها ستأتي من خارجه أو من بين الذين انضموا للمؤتمر الوطني من غير الاسلاميين. و ذلك يفرض تغييراً ليس في مواقع الوزراء والحاكمين بل يعيد النظر في كل لائحة المرشحين للانتخابات القادمة كونها ستتاثر ولدرجة كبيرة بلائحة ال52 تلك طالما بدأ أن المدعي العام قد نفذ إليها من علٍ.

  

يبقى هناك احتمال واحد قد يخدم قدوم على عثمان كبديل للبشير ولكن وفقاً لاتفاق مع أطراف دولية لتمرير صفقة تتم بموجبها محاكمات داخلية تسمح بترضية المجتمع الدولي من جهة وتخفيض سقف المستهدفين ضمن لائحة ال52 تلك بحيث لا تشمل الرئيس وعلى عثمان تحديداً. لكن تلك الصفقة تقتضي ذهاب الرئيس البشير وقدوم على عثمان الذي بدوره سيكون من أول وأهم واجباته ابعاد كل الرموز والاسماء التي لا ترغب دول مثل امريكا وفرنسا وبريطانيا في التعامل معها، وهي الاسماء التي عرفت بالتشدد والمشاترة السياسية في تعاطيها مع القضايا الداخلية وتخريبها للعلاقات والتعامل مع المؤسسات الدولية والدول الكبرى. وهذا التوجه تعكسه تصريحات على عثمان الاخيرة بالقاهرة والتي تحدث ضمنها عن (عدم الافلات من العقاب) وأن كل من له دور فيما حدث في دارفور سيقدم لمحاكمات داخلية برقابة دولية. لكنها حتماً لا تشمله بما أنها خياره الذي يسعى للترتيب له بالدفع بالرئيس ككبش محرقة تنجيه من لاهاي لكنها توقف مسيرته السياسية كرئيس وكمرشح للانتخابات الرئاسية القادمة عن المؤتمر الوطني، و بكلمة واحدة تنهي مستقبله السياسي مع احتفاظه بكل الإرث التاريخي لما حدث بدارفور شخصياً. ولكن يبقى حتى هذا الخيار خصماً على المؤتمر الوطني كونه سيخسر كل الترتيبات التي انجزها خلال العامين الماضيين استعداداً للإنتخابات القادمة كونه سيواجه حينها أزمة مرشحين كبيرة . ومن جهة أخري سيكون السودان بلد خاضع وتابع ذليل كون الرئيس البديل جاء وفقاً لصفقة تبقيه رهينة للقوى الدولية تماماً كما حدث مع محاولة اغتيال الرئيس المصري عام 1995م التي جعلت الحكومة رهينة قوى اقليمية تفعل ما تشاء وتأخذ من ارض السودان ما تشاء والحكومة تلتزم الصمت الذي هو ثمن الارتهان.

  

هناك اسماء كثيرة يجري تداولها بحسب الهمس الساري، منها غازي صلاح الدين العتباني وآخرين، ولكن مهما تكن الاسماء التي يتم تداول ترشيحها فإنها انما تعكس الازمة التي اصرت الانقاذ وبكل ما اوتيت من امكانات بالدفع بها تجاه التصعيد. وكيف أن الانقاذ رفضت كل الفرص التي كان بإمكانها استغلالها بتقديم بعض التنازلات لتكسب هي البقاء والاستمرار في صدارة القوى السياسية، لكنها رفضت كل ذلك واصرت على التصعيد بعنجهة ومكابرة تجني الآن ثمارها المُرة. بل بلغ بها ذلك الوضع حد الانهيار ذلك أن كل تنازل تقدمه الأن هو خصم عليها وحدها كما أنه لا يترتب عليه أي مكسب لها ولو محدود أو مرحلي. والوضع العالمي يحمل ذات ملامح الوضع الداخلي بل هو أشد سوءاً على الانقاذ. ذلك أن النظام كله اصبح الآن مدان عالمياً، ولا ينظر إليه إلا بإعتباره النظام الوحيد الذي يُعمل القتل والابادة في شعبه وبتخطيط وتنفيذ الدولة والمتنفذين فيها. وبلغت درجة عدم القبول العالمية لحكومة السودان ان تطالب دولة تشاد الجارة حكومة السودان بأن تأخذ في الاعتبار وهي تندفع إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية معها بعد أن قطعتها من طرف واحد أنها أحدي الدول المطالبة بملاحقة البشير في حالة طلبه من قبل محكمة الجنايات الدولية.

  لايبدو أن هناك مخرج من الأزمة الحالية يمكن معالجته عبر إحلال رئيس بديل للبشير اذا كان البديل فقط مؤتمر وطني، ذلك أن الازمة الآن تتجاوز الحكومة لتشمل حتى المؤتمر الوطني ذاته الذي شلته أزمة أوكامبو بالكامل وضيقت كل مساحات الحركة أمامه كنتيجية مباشرة للمكابرة وعدم التعاطي السياسي الموضوعي والمباشر مع القضايا والتعقيدات التي افرزتها سياساته وسياسييه. وبما أن المؤتمر الوطني بعد اتفاقية السلام الشامل ليس الطرف الوحيد الممثل للسودان والحاكم فيه فإن الإتجاه تجاه الحركة الشعبية لطرح بديل للبشير يبقى خياراً متاح تدعمه الكثير من الحيثيات، اهمها على الاطلاق القبول الكبير للحركة الشعبية وسط الشعب والقوى السياسية السودانية، كون الحركة الشعبية ظلت تحافظ على علاقات مع القوى السياسية بل دخلت معها في كثير من الترتيبات التي تتطلع للتغيير والتحول الديمقراطي. اضف لذلك أن قدوم بديل للبشير من بين قيادات الحركة الشعبية يضمن لها ويعمل على تطمينها بأن اتفاقية السلام باقية بكل بنودها ومستحقاتها وأنها ستكون المباشر الأول لإنقاذها. ولكن أهمية اختيار بديل للبشير من بين قيادات الحركة الشعبية يكمن في ان الحركة أفضل من يضع حلاً لأزمة دارفور كونها ليست طرف فيه، كما أنها ظلت على علاقات بالحركات المسلحة هناك ولها اتصالات بها وقدمت مقترحات ومجهودات كثيرة وكبيرة لبلوغ حل مرضي لتلك الحركات. أما المؤتمر الوطني فلم يبقى له سوى التسليم والتسلم، وانتظار الانتخابات التي سيستقبلها وهو بلا مرشحين خاصة اذا استمر أوكامبو في إطلاق طلبات القبض على باقي ال 52 متهم، اما نسبة ال 52% فلا يبدو لي أنها ستعين المؤتمر الوطني في قادم ايامه أمام المعركة العالمية التي اطلقها اوكامبو.