أبوذر على الأمين يس

 

النظرة العامة للطريقة التي تعامل بها المؤتمر الوطني ومناهج السلوك والتخطيط  والاعداد للإنتخابات القادمة، تجعلك أمام حزب هارب من الجميع وأمامهم؟!. كأنه لم يحكم ثمانية عشرة عاماً، ولم يركز طيلة سنوات حكمه تلك على (التمكين). وتتملكك الحيرة وأنت تشاهد المؤتمر الوطني وقد ملك السلطة وكل أدواتها، والمال وجرب كل أشكال استخداماته وتوظيفه، تحتار أمام كل ذلك كيف ينتهي به الحال أمام التحدي الإنتخابي الي التخدق في مثلث حمدي (دنقلا، سنار، الأبيض) ويترك كل الشرق، وكل الغرب وكل الجنوب، وكل الشمال ما فوق دنقلا. ثم ينتهي الرهان بالمؤتمر الوطني حتى ضمن (خدق حمدي) للإعداد الذي يعتمد ويقر كل الأساليب الفاسدة عمداً وقصداً وخطة. إن المشهد الإنتخابي الماثل الآن يقول بصوت جهير أن المؤتمر الوطني إنتهي كحزب له رسالة وطرح وأنصار يعتمدون الإقناع ويمشون بين الناس ببضاعة رائجة، يرجو القبول الطوعي لها.

 

ويبقى أن أخطر ما في (خدق حمدي) أو مثلثه الشهير، أنه لم يشمل أو يضم الشمال ما فوق دنقلا. وكأنه لا وجود له ضمن خارطة السودان. الأمر الذي يقدم مزيداً من التفسير لمشروعات بناء السدود هناك التي سينتج عنها اغراق كل الشمال، والتي يترتب عليها تهجير كل من تبقى من مواطنين هناك إلى (ما تحت دنقلا) أو إلى الصحراء، فأرض الشمال ستكون بحيرات تحفظ  فيها الماء لصالح مصر، وليس لسكان الشمالية، أو مواطني السودان، ولا حظ له من تلك السدود سوى الكهرباء. وهذا بيع بخس، لا يتوقع المؤتمر الوطني أن يجني من مواطني الشمال أي صوت أو رصيد انتخابي، وهو يمنحهم الصحراء لتكون سكناً بديلاً، ويقتلعهم من الوسط الذي نشأوا فيه، ويفرض عليهم هجر مهنة الزراعة كون المياه بعد إنشاء الخزانات الثلاث بالشمالية ستكون ملك حصري للمصريين. في الوقت الذي لا يقدم أي بدائل للمواطنيين هناك سوى وعود بأن كهرباء تلك السدود ستحول الشمال الى مدن صناعية، وهي وعود جوفاء خاصة أمام عجز المؤتمر الوطني عن التعويض العادل للمواطنين هناك، وعجزه الأكبر في التوافق والتراضي معهم حول وفي كل ما يجري بالشمال.

 

المفترض في (الخندق) أنه الملجأ الآمن، والخيار الأخير لضمان الحماية أو السلامة. لكن أن يكون (التخدق خطة) فهو لا يعدو أن يكون قمة الإنهزامية التي تصير وفقاً لها القبلة (دائماً للخلف) والخطوات في تراجع ، والتحديات فرٌ دائم لا يعرف الكر. ولكن هل خدق حمدي أو مثلثه يمثل منطقة أمان للمؤتمر الوطني أو حتى أرض تحفظ بذرته؟. كثير من الشواهد تقول غير ذلك!!. أهمها وأبلغها أثراً حتى ضمن المثلث الخدنق، الصراع الدائر ضمن المؤتمر الوطني، والذي ألمحنا إلى أشكال ظهوره وقدمنا أمثلة كثيرة، لعل أهمها أزمة (تعدد المرشحين) التي هي أقوى مظاهر تعدد المراكز القوى والصراع ضمن إطار المؤتمر الوطني. لكن المشهد العام ضمن إطار المثلث الخدنق، يقول أن أحداث النيل الأربيض وما جرى من نزع لأراضي المواطنين هناك لصالح مشاريع زراعة وتصنيع السكر، التي لا يتم وفقاً لها وضع أي اعتبار لمواطني المنطقة وأملاكهم وحقوقهم، وحتى البدائل المطروحة لمواطني المنطقة تفرض عليهم ولا يراعي فيها الأضرار الناجمة عن نمط عيشهم ولا وسائل كسبهم المرتبطة بارآضيهم المنزوعة تمثل أزمة كبرى أخرى، تتم لصالح شركات خاصة ويشارك فيها متنفذين بالدولة التي لم يهتم حزبها الحاكم المؤتمر الوطني  بل ولا يرى عيباً أن يكون الوزير هو نفسه المستثمر الذي يمتلك شركة أو شركات، أو يكون الوزير رئيس مجلس ادارة شركة خاصة أو بنك أو عضواً بمجلس ادارة شركة خاصة أو بنك. وكل ذلك ينقص ويغض الأمن الذي يجب أن يكون محله (الخندق) الذي هو الآن يعرف ب مثلث حمدي.

 

وتبقى أقوى مظاهر الفشل بل أقوى دوافعه كذلك بوار وفشل تكتيك (اختطاف الأحزاب) الذي كان واحداً من أقوى الأدوات التي افرد لها جهد عظيم ومال كثير. ذلك أن العمل الذي جرى بتركيز عالٍ على شق الأحزاب وضم المنشقين (لتحالف) ليس (مع) المؤتمر الوطني بل (ضمنه)، كل ذلك انتهي بتلك (الجيوب الحزبية) إلى أفراد يستمتعون بالنفوذ والمصالح بعيداً حتى عن القواعد التي انشقوا بها عن احزابهم الأولى، فتحولوا بذلك لافراد ليس مبقدورهم رفد أو زيادة شعبية المؤتمر الوطني، بل تحولوا الى هم يرفد بقوة ويغذي مشكلة (تعدد المرشحين) تلك التي أعيت كل خطط المناورة المرسومة لكسب الانتخابات القادمة.

 

ومن الأسلحة المشرعة والمشروعة حسب أعراف أهل المشروع الحضاري، والتي أجازتها الخطط السرية المتمثلة في (وثيقة الرؤية التنظيمية، و حراس) هي المال. وهي وسيلة جربت على أوسع نطاق وضمن حقل تجارب متعددة من أبرز أمثلته جامعة الخرطوم وانتخابات اتحاد طلابها الاخير التي كانت مجاله التجريبي الذي أثبت بما لا يدع للشك مجالاً أنه هو الآخر سلاح غير مضمون، خاصةً وأن تجربة جامعة الخرطوم تلك انتهت الي خسارة كبيرة للمؤتمر الوطني وبفارق كبير!!!. وهي تجربة توضح أن المؤتمر الوطني يعاني أكثر ما يعاني من أزمة (الكادر) كون كل المرتبطين به من عضوية لا هم لهم سوى المكاسب العينية والمادية المباشرة، فهي دافع الانضمام والبقاء بالمؤتمر الوطني. واذا ما اطلق المال لهم فالتفكير الاساسي والأولوية هي لشخوصهم وليس للمؤتمر الوطني، فهذا ما يبحثون عنه، بل ما جاءوا من أجله للمؤتمر الوطني وفوق ذلك هو ضامن بقاءهم به وضمنه. فاذا ما انساب المال لجلب الاصوات فإن أقل من ربع المرصود سيذهب في تحصيل وشراء الاصوات، أما الباقي سيبقى غنائم سهلة بيد عضوية المؤتمر الوطني التي لا تضمن شئ أمام بريق المال (الكاش)، بل هو ضمانة لا ينبقي التفريط فيها خاصة وأنها سبب ودافع الانتماء للمؤتمر الوطني أساساً. هذا ما يمكن ملاحظته وحصره ضمن آفات المؤتمر الوطني وداخل خندقة الخطة، أما خارج المؤتمر الوطني فهناك كثير من المؤثرات التي تؤكد بوار الخطة وضعف المخطط !!.

 

خارج إطار المؤتمر الوطني يمثل خندق حمدي الإطار الأقوى لوجود القوي السياسية التاريخية بل هو بالتحديد اطارها الحيوي ومنطقة تركز كادرها وانتشاره الفعال. وأقرب توقع أن خندق المؤتمر الوطني ومثلثه، سيشهد صراعاً انتخابياً  صاخباً، والأقرب ضمنه أن القسمة وعدم حصول حزب أو قوى أي كانت على كل أو أغلب المقاعد بعيد ومستبعد. لكن الأغرب أن يخطط المخطط لخندق لا تحضر فيه ولا ضمنه قوى أخرى قد تنازع المتخندق وتسحب كل أدوات السلامة التي لجاء باحثاً عنها ومتشبث بها في (خندق).

 كل هذه الاعتبارات تدعمها وتزيد من احتمالات خسارة المؤتمر الوطني وفي إطار خندق حمدي ذاته، التحديات الدولية التي تفرض عليه الكثير من المعارك التي تمس وزراء ومسئولين كبار فيه وتضعهم تحت تهديد الترحيل الى لاهاي وربما في عنفوان الاعداد للإنتخابات، هذا إذا أهملنا العقوبات التي (قد) تضعف سلاح (المال) الذي هو الآن أقوى الأسلحة غير مضمونة العواقب الانتخابية. ويبقى في الختام  أن التخندق في حد ذاته انهزام، واعلان مبكر لهزيمة قادمة لا محالة. ولكنه فوق ذلك يمثل عار كبير لحزب احتكر الفعل الجماهيري وانتهج سياسية التمكين لثمانية عشر عاماً ثم انتهي متخندقاً بمثلث حمدي.