عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

  

وفقاً لنتائج الاحصاء السكاني الاخير والذي بلغ 39.1 مليون نسمة، يمثل كل سكان الجنوب ودارفور 30% من مجموع السكان – حسب الأرقام التي نشرتها صحيفة الصحافة 13 ابريل الماضي. اذ بلغ عدد سكان دارفور 7.5 مليون، بينما بلغ سكان الجنوب 8.2 مليون ، ويمثلون مجتمعين 30% من مجموع السكان، وهذا يعني أن قاعدة المؤتمر الوطني للمنافسة الانتخابية تتأسس على 70% من السكان وهي ذات النسبة التي  ستكون له في قسمة الثروة خاصة وأن الانتخابات ستكون هي اداة تقسيم السلطة التي يعول عليها المؤتمر الوطني كثيراً، كما أن اعداده واستعداده لن يترك تلك ال 30% لتذهب صافية لدرافور والجنوب، خاصة في جنوب دارفور ذات الكثافة السكانية التي تساوي وحدها ان لم تتجاوز ولايتي شمال وغرب دارفور. ولما كان الجنوب ودارفور هما مصدر الخطر الاقوى فإن الترتيب للإنتخابات وتاسيس قواعد قسمة السلطة والثروة تقضي من المؤتمر الوطني وضع الخطط لمواجهة المخاطر التي يمثل مصدرها الجنوب ودارفور.

 

هناك خلفيات تشكل رؤية وخطط المؤتمر الوطني لتكريس وضعه بل وتدعيمه عبر آلية الانتخابات التي أصبحت  تحدي لا مجال للخروج منه رغم المماطلة وشد الزمن وابتكار وخلق الازمات!. خاصة وأن المؤتمر الوطني ينظر للإنتخابات على أنها مهدد لم تتعرض له قبلاً، وأن بقاءها واستمرارها يقتضي كسبها بأي اسلوب ووسيلة. وقد وضع المؤتمر الوطني لذلك الخطط تلو الخطط، وكل المؤشرات تشير إلى أن المؤتمر الوطني يعول على وضعه الحالي الذي يكرس له سيطرة كاملة غير مسموح وفقاً لها أن يتنازل عن أي مكسب هو له الان ولو عن طريق الحوار والمساومات السياسية، بل يمضي المؤتمر الوطني في تخطيطه للإنتخابات لأبعد من ذلك، لإعادة تعديل وضعه الذي اضرت به كثيراً اتفاقية السلام الشامل مع الحركة الشعبية، ووفقاً لتلك الخطط فإن الانتخابات ذاتها يجب أن ترسخ وتوسع سيطرة المؤتمر الوطني وليس العكس. هذا ما تشير له كلمات نافع على نافع  بمنبر السياسات الذي أطلقته أخيراً جامعة الخرطوم، والذي يراهن فيه نافع على الانتخابات، اذ يرى أن مسألة القوانين المثارة من قبل القوى السياسية مجرد ذرائع وأنهم (بلحقو أي زول الميس) وعليه ستكون الانتخابات هي نظام قسمة السلطة والثروة. كما أن نافع لا يرى غير الانتخابات خياراً أمام القوى السياسية الاخرى، ذلك أنه رفض مقترح الحكومة الانتقالية أوالقومية، وأنهم لن يسلموا السلطة للآخرين (بعد كل الذي فعلوه)، وأن الذين يعولون على الحكومة القومية واهمون، كونهم يعولون –بحسب نافع- على انهيار النظام قبل الانتخابات بقرار الجنائية الدولية. يمثل هذه الخلفية المرتكز الأول الذي يؤسس لروية المؤتمر الوطني الذي لا يرى بديلا له على الساحة ولو عبر وسيلة الانتخابات، وأنه لن يتخلى عن السلطة مهما كان ولو عبر الانتخابات. وقد اختتم نافع حديثه بقوله " ... والذين يتكلمون عن حكومة قومية لن تتحقق والمؤتمر الوطنى قادر على مواجهتها بالحسني وبغير الحسني". وهذا يعني أن السلطة ذاتها هي الوسيلة الاهم في البقاء والاستمرار، وأن التنازل أو التخلي عنها يمثل مهدد للمؤتمر الوطني وسيواجه نتيجة ذلك خسارة كبيرة لا جدال فيها. فالبقاء بالسلطة وتوظيفها كاداة هو أهم مرتكز لضمان وترسيخ البقاء والاستمرار وأكثر من ذلك تتيح فرصة أحكام القبضة وتوسيعها ولو عبر الانتخابات.

 

أما المرتكز الثاني الذي تؤسس عليه رؤية المؤتمر الوطني وتنبني عليه ثقته العالية في الكسب الكاسح للإنتخابات، نجده في الخبرات السابقة التي راكمها خلال الانتخابات التي جرت خلال العقدين السابقين، ونقف عليها من خلال وثائقة الشهيرة التي تناولت خططه واعداده للإنتخابات المنصوص عليها ضمن اتفاقية السلام الشامل.

 

وأهم تجربة هنا هي تجربة أول أنتخابات رئاسية خاضها الرئيس البشير!!!، اذ واجه المؤتمر الوطني وقتها خطر فشل تجربة الانتخابات وانفضاح ضعفه وهوان مرشحه وقائد ثورته!!. ذلك أن المنافسين للبشير وقتها لم يكونوا من الشخصيات البارزة التي قد تعلي من المنافسة وتدفع جماهير كثيرة للمشاركة ضمن تلك الانتخابات. وانتهت عبقرية المؤتمر الوطني وقتها لتوفير مشاركة كبيرة ضمن تلك الانتخابات إلى دمجها مع انتخابات المجلس الوطني، ليقوم المتنافسون بالدوائر الجفرافية بدور تحريك الجماهير نحو مراكز الاقتراع، كما قاموا باعطاء ذات رموز المنافسة ضمن انتخابات الرئاسة للمرشحين والمتنافسين ضمن انتخابات المجلس الوطني. نجح ذلك في تحريك الجماهير، لكنه من جهة أخرى وبسبب وحدة الرموز الانتخابية جعل أكبر نسبة أصوات تذهب لصاحب الرمز الانشط ضمن المتنافسين على مقاعد المجلس الوطني لصاحب ذات الرمز ضمن مرشحي الرئاسة. ولم تكن تلك مشكلة فكل المطلوب هو ضمان مشاركة أكبر ما أمكن من الجماهير، أما نتيجة انتخابات الرئاسة فمعروفة وقد أنتهت كما أعلنت، لكن هناك حالات اوضحت بما لا يدع مجالاً للشك أن مرشحي رئاسة غير البشير نالوا اصوات أعلى منه فقط بسبب أن رمز المرشح الفائز بالدائرة كان هو ذاته رمز مرشح انتخابات الرئاسة، خاصة وان بعض المرشحين ضمن قائمة انتخابات الرئاسة فازوا في دوائر لم يصلوها قط لا قبل ولا بعد الانتخابات، وربما لم يصلوها طوال حياتهم أو يفكروا حتى في الذهاب إليها.

 

وذاك التكتيك وقتها بات يمثل اليوم استراتجية ضمان فوز المؤتمر الوطني الكاسح!!!، فقد نجح في تمرير برامج انتخابي متزامن، تتم فيه وفي ذات الوقت انتخابات الرئاسة، وانتخابات المجلس الوطني، وولات الولايات، ومجالس الولايات...إلخ، قد مر وقبل ذلك المخطط من كل القوى السياسية بما فيها الحركة الشعبية الشريك. وهذا بالنسبة للمؤتمر الوطني يوفر الزخم الجماهيري المطلوب الذي لن يسمح لأحد بالاحتجاج على اي نتيجة، وفي نفس الوقت يوفر انسب مناخ لإعمال مهارات التزوير التي يصعب تعقبها وإثباتها خاصة وأن بقاء المؤتمر الوطني بالسلطة لحظة اجراء الانتخابات يوفر له امكانيات لن تتوفر لأي جهة أخرى غيره في لجان الانتخابات وفنييها الذين سيباشرون الاعمال المتعلقة بالانتخابات من الاداريين والمعلمين وغيرهم الذين ستشرف الدولة مباشرة على تحدديهم وتعيينهم، على الاقل هذا ما يتضح من خطة المؤتمر الوطني الانتخابية المعروفة ب (وثيقة الرؤية التنظيمية). كما يوضح ولحد كبير لماذا يراهن نافع على الانتخابات، ويرفض وبقوة حتى فكرة الحكومة الانتقالية أو القومية. لكن المؤتمر الوطني يتحسب في تخطيطه للإنتخابات القادمة لجملة مخاطر من داخله ومن حوله؟.

 

أهم المشكلات التي ستواجه المؤتمر الوطني بحسب خطة (الرؤية التنظيمية) هي – تعدد المرشحين- ذلك أن وثيقة الرؤية التنظيمية تناولت هذه القضية باعتبارها من أخطر المهددات التي ستواجهة المؤتمر الوطني، وانتهي الترتيب لتجاوزها وفقاً لثلاث محاور، الأول بعدم التعويل على (الاخوان) أو اعضاء الحركة الاسلامية القدامي ولا على القادمين، بل العمل على استقطاب الرموز والاقطاب الاجتماعية البارزة وسط مجتمعاتها وقبائلها ليكونوا هم مرشحي المؤتمر الوطني مضموني الفوز (أو لن يثير فوزهم أي تهمة بالتزوير - أو يضعفها اذا تمت اثاراها)، أما الثاني ففصلت فيه وثيقة أخرى (حراس) التي وفقاً لها كون المؤتمر الوطني (اللجنة العليا للتكافل) وجعل مهمتها الاساسية تفعيل مقترح (توحيد أهل القبلة) مع التركيز على استقطاب الاسلاميين (المتعففين) أو الذين هجروا الحركة الاسلامية وابتعدوا بعد الانشقاق الاخير ولم تستثني الخطة حتى المنتمين للمؤتمر الشعبي وأهل الطرق الصوفية وخصصت لإنطلاقتها ميزانية بلغت 35.500.000.000 مليار (دينار – وقتها) وكل ذلك لضمان حيدت هؤلاء وعدم تشويشهم عليها، والعمل على رفع مشاركتهم ودعمهم لمرشحي المؤتمر الوطني. كما أقتضت خطة المؤتمر الوطني لمواجهة تحدي الانتخابات تحديد مجال يكون مركز و (مرتكز) نشاطها الانتخابي تضمن فيه الفوز الكامل إن لم يكن الكاسح وهو ما عبرت عنه خطة حمدي الشهيرة القاضية بتركيز الحملة الانتخابية على مثلث (دنقلا – سنار – الابيض) والنشاط الانتخابي هنا يقوم على تركيز التنمية وتوفير فرص العمل وغيرها من الخدمات لضمان الفوز في أكبر منطقة ثقل سكاني بالسودان تشمل الخرطوم والجزيرة وسنار والقضارف والنيل الابيض و شمال كردفان. لكن ما تزال هناك مخاطر تواجه المؤتمر الوطني تتمثل في الهامش الذي يشمل الجنوب ودارفور على وجه التحديد مضاف إليها جبال النوبة وجنوب النيل الازرق، والشرق. فيكف سيتعامل المؤتمر الوطني مع هذه المناطق لضمان فوزه الكاسح أو على الأقل اضعاف أثر هذه المناطق على وضعه في السلطة؟.

 

هنا نأتي على آلية التعداد السكاني، كونه مثل الانتخابات منصوص عليه ضمن اتفاقية السلام الشامل، ولا مجال للتغاضي عنه أو أهماله، كما أنه ستؤسس عليه حصص السلطة والثروة لكل السودان وليس الشمال والجنوب فقط. هنا وكما تابعتم أعمل المؤتمر الوطني كرت ابعاد (الدين والقبيلة) عن استمارة الاحصاء!، وهو اجراء لم يتم ضمن كل التعدادات التي سبقت. صحيح أن ذلك أثار أزمة، لكنه كإجراء مر وانفذ رغم ذلك!!. لكن إلى ماذا يرمي ابعاد الدين والقبيلة عن استمارة التعداد؟، وماذا يروم المؤتمر الوطني من وراء ذلك؟.

 

قدم المؤتمر الوطني تبريراً لإسقاط الدين والقبيلة عن استمارة التعداد على أساس أنه توجه عالمي كما أنه يعزز النعرات والعصبيات الدينية والقبيلة التي كانت السبب والخلفية للكثير من الصراعات في القارة الافريقية الامر الذي حدى بالمنظمات الافريقية والعالمية لإسقاط الدين والقبيلة عن استمارة التعداد لتلافي ذلك. وهذا التبرير مردود من عدة وجوه أبرزها أن مشاكل السودان الاساسية انما تستند إلى خلفية دينية وقبيلة وبتفعيل وتخطيط حكومي ظاهر كان اسقاط الدين والقبيلة جزء منه لضمان تمرير خطط المؤتمر الوطني الانتخابية. كما أن الحكومة السودانية والمؤتمر الوطني تحديداً على علم بأن كل القضايا والازمات الماثلة خلفياتها دينية وقبيلة وتتعلق كلها بقضايا التهميش والاهمال وتركيز التنمية في وسط البلاد وتوظيف مداخيل مناطق السودان الاخرى لذلك. ومهما تكن التبريرات فقد فضحها عبد الرحيم حمدي أشهر مهندسي الخطط الانتخابية للمؤتمر الوطني الذي قدم في لقاء له مع السوداني العدد رقم (877 – 23 ابريل 2008م) توضيحات للقواعد العالمية لتوزيع السلطة والثروة وفقاً للتعداد السكاني الذي اقر حمدي بصفته وخلفيته السياسية، يقول حمدي لصحيفة السوداني "...نظرياً مثلاً إذا اتضح أن الخرطوم الكبرى بها (40%) من سكان السودان فيجب أن تستحق (40%) من الثروة، ولو كانت هذه الثروة منتجة خارج الخرطوم لأن هؤلاء السكان جاءوا من ولايات السودان المختلفة واستقروا في الخرطوم التي تحتمل كل الخدمات الصحية والتعليمية والبنية الأساسية لـ(40%) من سكان السودان الذين استقروا فيها على أمل أن تصلهم ثروة مناطقهم من البترول أو ثروة حيوانية أو خدمات موانئ أو غيرها من الثروات.- وتابع قائلاً- هذا هو المنطق الذي يحكم توزيع الثروة في دارفور والجنوب، وهو مبدأ معمول به في كل دول العالم..." انتهي حديث حمدي. الملاحظة الرئيس هنا هي أن المبادئ والقواعد العالمية هي التي تؤسس للتعامل مع الأزمة السودانية وليس واقع الاختلالات التي أفرزتها سياسات الحكومة والمؤتمر الوطني!!، كما أنها توظف لدعم وضع المؤتمر الوطني وضمان استمراريته في استغلال الاخرين، وهكذا يعيد حمدي إعادة تاسيس المركز وتدعيم المركزية التي أفرزت كل الأزمات وغذتها طوال تاريخ السودان الحديث. لكن وجهة نظر حمدي بها ابعاد خطيرة كونها تتعامل مع كل النازحين إلى الخرطوم بإعتبارهم خرطوميين أو بالاحرى شماليين غض النظر عن مكان إنتمائهم، وهو البعد الاخر الذي يفضح اسقاط الدين والقبيلة عن استمارة الاحصاء خاصة اذا عرفنا أن أحد المسؤولين قال ضمن حيثيات تبرير اسقاط الدين والعرق عن استمارة الاحصاء أن كل من هو بالشمال شمالي وإن كان جنوبياً، وكل شمالي بالجنوب جنوبي، وعلى هذا تترتب الكثير من الحقوق منها على سبيل المثال أن شمالي الجنوب الذين هم جنوبيين بحسب توصيف الدريري محمد أحمد يحق لهم بعد التعداد السكاني بالمشاركة في الاستفتاء على تقرير المصير الذي حصرته الاتفاقية على الجنوبيين فقط، وهذا تكتيك يتجاوز الانتخابات وترتيباتها. كل ذلك يفضح الخلفيات التي دفعت بالحكومة والمؤتمر الوطني لإسقاط الدين والعرق عن استمارة الاحصاء. ولكن ماذا تقدم وتخدم خطوة اسقاط الدين والعرق مباشرة للمؤتمر الوطني؟.

 

أول الخدمات التي تدعم خطط المؤتر الوطني الانتخابية هي إضعاف أثر الهامش والابقاء على النظام القديم الذي يسيطر عليه الشماليين فاعلاً وراسخاً!!؟. ذلك أن نتائج الاحصاء السكاني ستكون على درجة من التعقيد يصعب استدراكها كونه لا تتوفر وفقاً لتلك النتائج أي خلفية لتحديد من هو جنوبي أو غيره، كما لا تستطيع أن تتعرف على الديانات الاخرى وحجم معتنقيها، وبذلك يتمكن المؤتمر الوطني من رسم ما يريد لغالب او كل سكان السودان. ولعله بات واضحاً الان كيف تم ذلك اذاء الجنوبيين بالشمال الذين حصرهم التعداد الاخير في 500 الف نسمة، لكن كيف تم تحديد هذا العدد فمن الصعب معرفة ذلك خاصة وأنه لا توجد ضمن استمارة التعداد اشارة تمكن من مراجعة الامر فلا وجود لا لقبيلة أو ديانة، كما أن القاعدة التي قدم لها حمدي وصرح بها الدريري والتي تعتبر كل شمالي بالجنوب جنوبي، وكل جنوبي بالشمال شمالي لا تجعل مرجعية (المكان) الولاية أو غيرها مؤشر حاسم للوقوف على حجم الجنوبيين بالشمال أو أهل الغرب بولايات الوسط بما فيها الخرطوم. وهكذا يعيد المركز تدعيم مركيزته وضمان ديمومتها، خاصة وأن كل النازحين من بقاع السودان المختلفة سيكونون دعماً للمركز وقاعدة حق الخصم من اقاليمهم وولاياتهم بحسب معايير حمدي العالمية. وعليه لن يخدم ذلك خطط المؤتمر الوطني الانتخابية فحسب بل يتعدى ذلك ليدعم القواعد التي تعيد انتاج ذات المركز والمركزية التي أفرزت كل ازمات السودان الحالية بل ويضمن (حق) الاستمرار في اهمال واستنزاف أطراف البلاد وشعوبها، وبذلك يكون المؤتمر الوطني والحكومة قد أعادت انتاج قواعد عملها ووجودها عبر آليه الانتخابات ذاتها.

 

ومن الطرائف التي تقدم بلا (انتباهة) وتفضح النوايا ما أوده اسحاق أحمد فضل الله بصحيفة الانتباهة (الاثنين 4 مايو 2009م)، فبالرغم من أن الاحصاء السكاني أوضح أن عدد الجنوبيين بالشمال 500 الف نسمة إلا أن اسحاق الذي يكتب وفقاً لخط الحكومة ومعلوماتها يقول عن لحظة الانفصال ما يلي: " ... ان الانفصال يعني ان يرسل اليها الشمال –يقصد الولايات الجنوبية- ثلاثة ملايين من الجنوبيين صبيحة اليوم التالي مباشرة لاعلان الانفصال"، وليس اسحاق هو المصدر الوحيد الذي قد يشكك في صحة عدد الجنوبيين بالشمال لكن دراسات أخرى قديمة ومشهورة تدعم الشك وبقوة ومنها دراسة الحزام الاسود حول الخرطوم للدكتور حسن المكي التي وصف فيها التغييرات التي غيرت واقع مجتمع ولاية الخرطوم. وكل ذلك يفضح ويوضح أن كل شئ خاضح للتوظيف وليس للمعايير العالمية ولا الاحصاءات العلمية.

 

ووفقاً لكل ذلك لن يهم الحكومة والمؤتمر الوطني أن أزمات البلاد إنما نتجت عن أهمال تنمية الاطراف وتهميش الاثينات الاخرى غير أهل الوسط، بل ذلك عند الحكومة والمؤتمر الوطني يمثل تهديد مباشر لوجودهم واستمرايتهم كقادة وزعماء محتكرين لحق حكم وسيادة البلاد.

 

من الواضح أن المعايير توظف فقط لصالح المركز الحكومة والمؤتمر الوطني، ذلك أن حساب كل من هو بالشمال شمالي وكل من بالجنوب جنوبي بغض النظر للعرق والدين ومكان أصل الانتماء، فهؤلاء يحسبون انتخابياً لصالح جهة تركز وجودهم فلا يشكلون خطراً على الشماليين مهما كانوا، لكنهم من جهة أخرى لا يعاملون عند توزيع الثروة وفقاً (لمكان) انتماءهم الاصلى أو حتى على خلفية اعتبار الاسباب التي دفعت بهم للهجرة والنزوح للشمال أوالخرطوم. بل رغم كل شئ يتم توظيفهم لتدعيم حق الخرطوم بالخصم من مناطقهم وولاياتهم باعتبار أنهم يمثلون عبء عليها يجب أن تغطيه ولاياتهم الاصلية بحسب توضيحات وشرح حمدي للمبدأ العالمي لتوزيع السلطة والثروة.

 

وهكذا يعاد انتاج المركز وتهميش الهامش فلا يشهد تنمية ولا مجال لإعتبار أن ذلك واحداً من اسباب الأزمات التي نعيشها والتي تحتاج منا إلى توجه الانظار والخطط للنهوض بالهامش بل وتخصيص ميزانيات خاصة وإن جاءت خصماً على المركز لمواجهة ذلك. الواضح أنه لا مجال أو تفكير على هذه الخلفية، فقط المفكر فيه والمدعوم بالتخطيط هو إعادة انتاج المركز وترسيخ المركزية وكل ما هو خلاف ذلك يمثل تهديد خطير للمؤتمر الوطني والحكومة والشمال.

 ونختم بأن خطط المؤتمر الوطني الانتخابية وبعد كل هذا الاعداد والاستعداد تتخوف من خطر واحد هو (تحالف كل القوى السياسية) ضدها انتخابياً. وهو ما سمته ترميزاً وفقاً لوثيقة الرؤية التنظيمية – بتحالف دائرة الصحافة- الشهير. ذلك أن كل خطط المؤتمر الوطني تعتمد على مشاركة القوى السياسية في الانتخابات القادمة على اعتبار أن ذلك يعطي المؤتمر الوطني الخليفية الاقوى لإعادة شرعيته انتخابياً وفقاً للخطط التي أعدها وينوي انفاذها عبر توظيف تلك الانتخابات في إعادة ترسيخ وجوده وتفرده واحتكاره للسلطة. لكن كل ذلك يتهدده أولاً أي تشكيك من قبل تحالف جامع لمجريات الانتخابات، والاخطر من هذا هو مقاطعة ذلك التحالف للإنتخابات، الأمر الذي سيذهب بريح الشرعية الانتخابية غض النظر للفوذ (السكوتي) المترتب على مقاطعة القوى السياسية المتحالفة. وهذا ما سيذهب بكل خطط المؤتمر الوطني الانتخابية بعدما اضر بها أوكامبو ضرراً بالغاً خاصة على الصعيد الداخلي للمؤتمر الوطني.