أبوذر على الأمين

 

بعد أن أسس لمشروع المثلث الشهير خرج علينا عبد الرحيم حمدي متحدثاً عن التعداد السكاني الخامس، ليعيد انتاج (المركز) في ظل فدرالية نيفاشا، ليحصر حمدي الفدرالية بين شمال مطلق وجنوب يجب أن يبقى خارج التنمية والتاريخ. وشارحاً وموضحاً الأسس والقواعد (العالمية) لتوزيع الثروة. فبعد أن أعطي حمدي التعداد السكاني الخامس صفة التعداد السياسي قائلا " السمة الغالبة في التعداد الحالي الطابع السياسي المساعد في حسم بعض المسائل السياسية- قسمة السلطة والاقتصادية- قسمة الثروة، على أساس سكاني" بحسب صحيفة السوداني العدد رقم (877 – 23 ابريل 2008م). قدم لنا شرحاً توضيحياً (لمبدأ عالمي) معمول به في كل العالم فيما يلي توزيع الثروة. والذي هو عند حمدي يمثل القاعدة  والمنطق الذي سيحكم توزيع الثروة وفقاً لنتائج التعداد السكاني الجاري. ولكن كيف ذلك؟

 

يقول حمدي لصحيفة السوداني "...نظرياً مثلاً إذا اتضح أن الخرطوم الكبرى بها (40%) من سكان السودان فيجب أن تستحق (40%) من الثروة، ولو كانت هذه الثروة منتجة خارج الخرطوم لأن هؤلاء السكان جاءوا من ولايات السودان المختلفة واستقروا في الخرطوم التي تحتمل كل الخدمات الصحية والتعليمية والبنية الأساسية لـ(40%) من سكان السودان الذين استقروا فيها على أمل أن تصلهم ثروة مناطقهم من البترول أو ثروة حيوانية أو خدمات موانئ أو غيرها من الثروات. وتابع قائلاً هذا هو المنطق الذي يحكم توزيع الثروة في دارفور والجنوب، وهو مبدأ معمول به في كل دول العالم..." انتهي حديث حمدي.

 

إننا أمام اعادة لتأسيس المركزية بل وضمانها حكراً للخرطوم!. ذلك هو الذي يتبادر للفهم من هذا الحديث.أما خطورة ما يترتب على هذا الفهم لتقسيم الثروة هو أن التبرير له يتم تأسيسه أولاً على أنه (مبدأ عالمي)، في الوقت الذي نحتاج فيه لمعالجات (سودانية) تراعي واقع السودان الذي اختلت فيه التنمية والخدمات بسبب احتكار المركز لثروات كل السودان دون مراعاة لتاريخ طويل من اهمال توزيعها المتعادل بين أقاليمها. بل ونحتاج أكثر من أي وقت مضى لتركيز الثروات في (مناطق انتاجها) ليس مخالفة (للمبدأ العالمي) ولكن مراعاة لوضع سوداني الاخلال بالتنمية المتوازنة فيه كان السبب في نزوح السكان وهجرتهم للخرطوم، وليس لأن الخرطوم هي حقاً (جازبة) لسوداني الاطراف حتى تستحق أن نبرر بنزوح وهجرة الناس إليها لنؤسس لقاعدة تواصل بها الخرطوم ذات المنهج والنهج الذي قاد للازمات التي مازال يتوالي تفجرها وظهورها.ً

 

وثانياً يتضمن هذا الحديث قاعدة جهنمية للإخلال باتفاقية السلام ذاتها، كونها الآن هي الدستور الذي يحدد تفاصيل الحصص وتوزيعها من البترول بين الشمال والجنوب. والتاسيس على إعادة توزيع الثروات وفقاً لمبدأ حمدي لتوزيع الثروات فيه إخلال بهذه القواعد (الدستورية) على الاقل خلال (المرحلة الانتقالية) فلا يمكن أن يسلب حمدي لصالح الخرطوم حق الجنوب في ثرواته بدعوى أن من قدم من الجنوبين للخرطوم واستقر بها يستوجب وجوباً لازماً استقطاع ما يمثل اعدادهم من ثروات الجنوب لتقديم وتطوير الخدمات بالخرطوم!. ففي هذا اعادة لإنتاج الازمة بين الشمال والجنوب وتجديد لها وعودة بها الى ما قبل مربعها الاول. ذلك لأن هذا المسار سيبقى على الجنوب بلا خدمات ولا بنيات اساسية ولا تطور. وهو الآن واحد من الكروت التي تحركها دعاية المؤتمر الوطني ضد الحركة الشعبية وتصويرها فاشلة في كل شئ ناهيك عن تطوير الخدمات والبنيات الاساسية بالجنوب.

 

وبالطبع ينطبق كل ذلك على باقى أنحاء السودان وليس الجنوب ودارفور الذين ركز عليهما حمدي في شرحة لمبدأ توزيع الثروات قائلاً " هذا هو المنطق الذي يحكم توزيع الثروة في دارفور والجنوب". ولكن ولماذا (دارفور والجنوب)؟. هل لأن هذان الاقليمان هما المهددين (لمثلث حمدي)؟، أو بكلمات أوضح تفكيك المركز لصالح كل السودان!؟. أم ما الذي يجعل الخرطوم هي الأحق بالثروات وهي التي ظلت المستفيد الوحيد منها طوال الست عقود الماضية؟. إلا نواجه تحدي توزيع التنمية والخدمات والبنيات الاساسية في كل أقاليم السودان؟. أم أن هذا أمر تستحقة فقط الخرطوم؟. وهل سيكون ذلك مدخلاً لحل مشكلات السودان والتراضي بين كل أهله؟. أم حمدي ومن يمثله لا يرغب إلا في إعادة انتاج الازمات وتمزيق البلاد لصالح مثلثه الشهير؟.

 

الذي يبرز سؤ النية هو مغالطة حمدي في حديثه لصحيفة السوداني التي تشكك في عدد الجنوبيين وفقاً للتعداد الرابع (1993م) الذي حدد عدد الجنوبين 2.845.480 نسمة يمثلون وقتها 11.4% من سكان السودان ذلك أن حمدي قال "على الرغم من أن تعداد 1993 تم في ظروف الحرب التي كانت دائرة في الجنوب إلا أن الاختصاصيين تمكنوا من تعداد (63%) من محليات الجنوب الآمنة أو التي كانت تحت سيطرة القوات المسلحة بما فيها المدن الكبيرة مثل جوبا وواو وملكال، وكشف عن أن عدد المواطنين الجنوبيين الموجودين في الجنوب آنذاك والذي بلغ (750) ألف نسمة لأن الغالبية الساحقة التي لم يعرف عددها في ذلك الوقت رحلت إلى الشمال". فالرقم 750 نسمة لا يقترب حتى من الرقم الرسمي لتعداد 1993م، كما أنه واذا صح حديث حمدي بأن الجنوبين بالجنوب هم 750 فقط  فالارحج أنهم جاءوا الى الخرطوم لأن ذلك تحديداً ما يريد حمدي أستثماره في استقطاع ما يوازي  عددهم بالخرطوم من حصة الجنوب بحسب (المبدأ العالمي)، ولكن لما كان الاعتراف بأن أكثر من ملوني جنوبي بالخرطوم يعقد ذلك ربما، لجأ حمدي لمنطق يحفظ كل المصالح المنظورة له بعيداً عن اصحاب الحق فقال مشككاً " وشكك حمدي في أعداد المواطنين الجنوبيين الموجودين في الشمال، وقال إن اعداد المواطنين الجنوبيين في الشمال في حدود عشرات الآلاف وليس عشرات الملايين كما ألمح بعض المسؤولين". وهذا حديث يشي بأن الوجود الجنوبي بالشمال هو كسب (مطلق) للشمال، بل حجه له في مواجهة مطالب الجنوب والجنوبيين لا يترتب عليها سوى الايغال في تهميش الجنوب ذاته، ثم تهميش الجنوبيين بالشمال.

 إن حمدي الأن يمثل الشمال ولكنه حتى ضمن هذا الشمال يمثل مصالحه الحزبية التي سبق وعبر عنها بمشروع (مثلث حمدي) الذي هو مشروع (انتخابي) حتى إشعار آخر. لكن رؤيته التي قدمها لصحيفة السوداني تعكس قناعة بأن الأولية هي للخرطوم، فقط لأن أهل الاقاليم جاءوها لاجئين. أما مشاريع التنمية وتطوير الخدمات فستكون محصورة ضمن مثلثه الشهير ولكن هذه المرة ليس بدافع خطة انتخابية بل بإقرار عالمي ومبدأ عالمي. لكنا لم نمسع بالمبادئ العالمية التي توظفها حكومات تعرف إين الازمات وأين الاختلالات لتدعم موقفها وسلطتها على حساب بقاء التخلف والتهميش قاعدة للبلاد ومرتكز يتأسس عليه بقاء الحاكمين في مواقعهم ويرفد المستفيدين من خلفهم.