تحليل سياسي

 

أبوذر على الأمين ياسين

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

ما المثير في تصريحات أحمد ابراهيم الطاهر المعلنة نهاية أجل المجلس الوطني الشهر الجاري؟، خاصة وأن الإعلان جاء عقب اجتماعة لمجلس الولايات، كما أن أجل المجلس معلوم أنه نهاية ديسمبر الجاري. لاشي سوى أن هناك (حوار جاري بين شريكي الحكم حول هذا الأمر) وما كان ينبقي لمثل ذلك الاعلان أن يخرج قبل نهاية حوار طرفي الحكومة القومية وصاحبي أكبر الكتل البرلمانية بالمجلس الوطني ومجلس الولايات، ذلك هو الأمر الذي فجر رد فعل الحركة الشعبية التي وجدت نفسها رغم الشراكة تجر إلى أمر واقع سيفرض عليها حتماً، خاصة وأن ظلال ما ستنتهي إليه المحكمة الجنائية الدولية هو الذي يؤسس لما يجري الآن، والذي يوضح أن المؤتمر الوطني والحكومة رغم الصراع والتنازع حول التعاطي مع المحكمة الدولية، أو عجز المؤتمر الوطني عن أبدال البشير يجعل حل البرلمان هو الوضع الأمثل لطرفي الصراع أولائك الذين يقودون التصعيد ومواجهة المجتمع الدولي، أو أؤلاء الذين يرون أن يتنحى البشير خدمة للبلاد وتجنباً للتعقيدات التي ستبرز حتماً بعد أعلان المحكمة الدولية الذي ينتظر نهاية عطلة الميلاد وبداية السنة الميلادية الجديدة.

 

صحيح أن الطاهر في اعلانه ذاك قال أنه " ..حتى الآن لم تطرأ تعديلات تمهد لتمديد الدورة الحالية" مؤكداً في شبه مغالطة أن نهاية الدورة لايعني انتهاء أجل البرلمان. وأن القوانين المتصلة بالحريات (الامن الوطني، والصحافة، والاستفتاء) مازلت اللجان تعكف على مناقشتها مطالباً القوى السياسية بابداء الجدية والاتفاق على الحد الادني وصولاً للإجماع حول تلك القوانين ليكون ذلك وكأنه (الشرط) الذي يجعل " ..المجلس الوطني ومجلس الولايات سيظلان خاضعين للاستدعاء حال اتفاق القوى السياسية على هذه القوانين" بحسب كلمات الطاهر. لكن قمة الإثارة والشك تدفع بها تصريحات غازي صلاح الدين رئيس الهيئة البرلمانية للمؤتمر الوطني الذي منطلقاً من صفته هذه قال لصحيفة الصحافة "... ان حزبه وحده من يملك حق المبادرة بقوانين للبرلمان اعتماداً على اغلبيته" وهذا يعني أن دور كل القوى السياسية بما فيها الشريك الحركة الشعبية يجب أن تنزل عند رغبات المؤتمر الوطني ولا يتعلق الامر بحد أدني أو ابداء جدية كما طالب الطاهر بل تعني الجدية والحد الادني مجارات المؤتمر الوطني فيما يري. ولتأكيد ذلك أوضح وبجلاء غازي للصحافة أن "..هذا البرلمان اصلا معين ،وليس منتخبا مما يؤثر على طبيعته ..،واضاف...هنالك حق مكفول للبرلمان وفقاً للدستور بابتدار مبادرات خاصة يمكن ان تحدث حولها اتفاقات سياسية،ولا يستطيع ان يلجأ لهذا الاجراء سوى المؤتمر الوطني الذي يملك الاغلبية" ورغم رجوع غازي أو تراجعه بأن المؤتمر الوطني قرر منذ البداية عدم اللجوء لذلك والسعي لاتفاق سياسي مع القوى السياسية حول القوانين، إلا أن الاشارة للحق الدستوري والأغلبية بعد التأكيد عليها لا تترك مساحة لمتفائل بأن الأمر يتعلق بتوافق أو اجماع حول القوانين، بل هناك ما يستدعي مثل هذا الترتيب أمام تعقيدات ما سيفرزه إعلان قضاة المحكمة الجنائية الدولية الوشيك!!.

 

كما أن الأوضاع المرتبطة بالقوانين لم تتغير منذ قرارات رمضان، حيث ظل دستور 1998م والقوانين المرتبطة به غير مفعلة وغير معمول بها. بل ظلت حالة الطوارئ التي أعقبت تلك الاحداث هي التي تتسيد الوضع وتسيره، ولم تتغير هذه الأوضاع بعد توقيع اتفاقية السلام برغم من أعلان رفع حالة الطوارئ التي انحصرت فقط على النقاط الليلة على كباري ومداخل العاصمة، ذلك ما تشير إليه وتؤكده كثيراً من الاحداث وما أقدمت الحكومة عليه حتى بلا خلفية أوغطا من القوانيين الحالية غير المتوافقة مع الدستور.

 

واقع الأمر أن المؤتمر الوطني دخل في أزمة خاصة به كنتيجة مباشرة لإحتمال صدور قرار توقيف الرئيس البشير من قبل محكمة الجنايات الدولية، وأن ذلك أثار كثيراً من الصراع داخل المؤتمر الوطني، وأن الطرفين لا يمكن لهما ترتيب الأوضاع وفقاً لخيار المواجهة الذي يتبناه الرئيس البشير، أو لخيار التعامل مع المحكمة الدولية الذي يتبناه جناح آخر إلا بغياب البرلمان وفتح الآفاق للمراسيم الرئاسية لتفعل ما تشاء من تعطيل للدستور والقوانيين والمؤسسات وربما أعلان رئاسي بإلغاء اتفاقيات نيفاشا وأبوجا وغيرها، خاصة وأن الجناح التصعيدي سيستهدف أول ما يستهدف القوات والمنظمات الدولية الناشطة وفقاً لإتفاق مع الأمم المتحدة بالبلاد. خاصة وأن هذا الوضع هو الأمثل لكلا طرفي الصراع داخل المؤتمر الوطني.

 الأمر يتعلق اذاً بالمؤتمر الوطني خصوصاً وتحديداً. ذلك كونه حزب الأغلبية الحاسمة على كافة المستويات الرئاسة ومجلس الوزراء والبرلمان. كما أن أزمة المحكمة الدولية تتعلق به وحده ولن تتأثر بها الحركة الشعبية إن لم تستفد منها كما الاخرين، وإن الشعور المسيطر داخل المؤتمر الوطني هو أنه المستهدف الوحيد من كل ذلك. هذا ما تؤكده تصريحات نافع على نافع (للصحافة: العدد رقم 5558 )  التي رأي فيها أن الغرب هدفه هو اسقاط النظام وأن القوى السياسية عليها أن تتوحد لإيقاف مخططات الغرب التي تحاك ضد البلاد عبر الأمم المتحدة لينتهي نافع بتحذير النقابات والاتحادات من خطر المزايدة على الدولة وطالبهم بعدم السماح لأي جهة بتمرير اجندتها عبرهم.

ومن كل ذلك ترتسم حدود وأدوار القوى السياسية بما فيها الحركة الشعبية كونها غير مستهدفة وأن الآتي لن يمسها، وأن المؤتمر الوطني هو صاحب الجمرة وهو (الواطيها) وعليه لا مجال إلا للمؤتمر الوطني في الفترة القادمة مهما كانت ردود الفعل التي ستفسر على أنها محاولة لإستغلال الأزمة وتوظيفها في إتجاه الأجندة الغربية بغض النظر عن الطرف أو المطالب ومدي موضوعيتها وإن إرتبطت بإستحقاقات انتخابية أو دستورية.

 

وبالنظر لكل ذلك سيتم النظر للحركة الشعبية بأنها غير معنية وبالتالي كل المطلوب منها هو اسناد المؤتمر الوطني ولا مجال للحياد هنا وكذلك القوى السياسية الأخرى التي سيتم التعامل معها وفقاً لهذه القاعدة. فالكل يجب أن يكون مؤتمر وطني وإلا فهو مع الغرب والاجندة الغربية التي تستدعي الردع القوى المباشر، لا يكفي أن المؤتمر الوطني هو من خلق الأزمة وهو من يتحمل تبعاتها، فالأمر يمس رأس الدولة ورمزها وبالتالي لا مجال إلا لدعمه ونصرته وليس للقوانين أو الانتخابات أو غيرها.

 مهما أكدت الحركة الشعبية ثقتها في إجازة كافة القوانين وضمان التحول الديمقراطي وقيام الانتخابات في مواعيدها ومهما وجهت من إنتقادات، فإن الأمر هذه المرة مختلف وسيتم توظيف حتى ردود الفعل لتخدم المؤتمر الوطني ولو لتبرير إلغاء إتفاق نيفاشا. وسينقلب الحصار والعقوبات حصار وعقوبات على القوى الداخلية كيفما اتفق فلا يهم أن يجوع الشعب أو يموت أو تعصف به أزمة اقتصادية جراء الحصار أو العقوبات المهم هو أن لا تموت الحكومة أو تضايق ولو كان ذلك على حساب الشعب وخصماً عليه فالكل يجب أن يتحمل تبعات مؤآمرات الغرب إلا المؤتمر الوطني والحكومة.

فهل فعلاُ تمثل تصريحات أحمد ابراهيم الطاهر رئيس البرلمان نفسه كما ذهب لذلك ياسر عرمان رئيس الهيئة البرلمانية للحركة الشعبية، وكيف ننظر إذا لتصريحات غازي ونافع!!؟. إن ما يجري لا يمثل الطاهر ولا يستطيع الطاهر أن ينفرد بهكذا قرارات الأمر مرتب ومطلوب لمواجهة محنة محكمة الجنايات الدولية القادمة التي لن يكون لأحد حق دستوري أو قانوني، سيكون الحق فقط للمؤتمر الوطني ولو تطلب إلغاء الاتفاقات كأحد الأسلحة التي سيتم استهداف المرجفين والخونة والجالوتيين ومروجي  المشروعات الغربية التي تستهدف تغيير النظام وذلك سقف دونه تراق كل الدماء.

 وداخل المؤتمر الوطني هناك شق آخر واقف على خطورة الأوضاع وخيارات التصعيد ومواجهة المجتمع الدولي. لكنه عاجز بل فاشل في تحقيق أي تغيير أو تصحيح، لكنه هو الآخر من المهم له أن يغيب البرلمان وأن يُحكم الفضاء بالمراسيم الرئاسية كونه هو الآخر يحتاج لترتيب الاوضاع التي تضمن له البقاء والإفلات من العقاب وتوفر له بعض الحماية بعد التضحية بالرئيس عبر الاستقالة أو الاقالة. وعليه ما من مجال لإستمرار المجلس الوطني ولا مساحة لصرف الجهد والانصراف عن القضية الأهم (المحكمة الجنائية الدولية) وحتى ذلك الحين لا مجال إلا للأقوياء أصحاب الأغلبية الذين لا يعجزهم أو يُقعدهم دستور أو قانون منذ الرابع من رمضان الشهير.

ملحوظة:

 كتب هذا المقال قبل اعلان المحكمة ادانة البشير... وكما العادة منعته الرقابة الامنية عن الصدور باجراس الحرية.