عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 نعيش حالة الانهيار الشامل!، نظامنا السياسي استنفد كل طاقاته ومهاراته في الصراع بين القوى السياسية، وبلا حدود لدرجة ادخال المؤسسة العسكرية ضمن تلك الصراعات، هذا هو واقع الحال منذ الاستقلال. الآن يعيش الجميع شعور وجوب وضرورة المعالجة الشاملة، والتي تتطلب ليس نسيان القديم والماضي، بل الوقوف عنده طويلاً، وابدأ الاستعداد والنية الصادقة لتجاوزه نحو آفاق أرحب للجميع.قد يبدو مدهشاً اليوم أمام مشهد أزمة المحكمة الجنائية انحناء القوى السياسية التاريخية وتماهيها مع النظام!. رغم تاريخ الصراع الطويل العامر بالافعال وردود الافعال. لكن تفسير ذلك أن هذه القوى السياسية التاريخية كانت تمثل (كل) خارطة السياسة وهي والقوى التي آلت لها الأمور بعد الاستقلال، ويبدو أن الواقع الذي عاشته جعلها تعتقد أنها كل مسرح السياسة، وأن السلطة منذ ذلك الحين آلت لها بل لايحق لأي قوى أخرى أن تحلم مجرد حلم بأن تقود البلاد أو تتحول إلى لاعب رئيس وذو وزن على ميدان اللعب السياسي. ونتيجية ذلك تفشي الاحساس بالتهميش والاهمال لدرجة حمل السلاح والوقوف في وجه المركز الذي ظلت تلك القوى التاريحية تستحوز عليه لدرجة حصر ملكيته عندها، بل لدرجة اعتبار كل مطالب بحق مهدد خطير يخل باوضاعها يستحق ويستدعي ردعه وبالقوة بلا اعتبار لتكلفة ذلك أو آثاره. هكذا ظل الوضع، سياسة لا تعرف الاستقرار، واحزاب تتصارع بلا حدود أو قيود، وكل منها يكيل المؤآمرات ضد الآخر وبلا سقوف لحد سفك الدماء. لكن كل ذلك لا يشكل أزمة طالما كانت هذه القوى هي محور وكل تشكيلة المعلب. لكن أن يلج للمعلب من هم كانوا خارجه وخاضعين له فإن ذلك يمثل كبيرة من الكبائر وأقوى إشارات نهاية الدنيا والقيامة.الآن المؤتمر الوطني بغض النظر أو الموقف منه، يمثل جماع هذه القوى!!؟، فعلى الأقل هو ينتمي لها ومارس اللعب السياسي على ملاعبها ردحاً طويلا إلى جنبها، وبادلها العداء والتآمر. لكن المؤتمر الوطني فوق ذلك مثل جماع خبراتها وكل تراكماتها التي عادت لتوظف ضد جميع القوى المسجلة أو المعتبرة منذ الاستقلال من اللاعبين الرئيسين على ميدان السياسية. والآن التغييرات التي تفرض نفسها وبقوة على الساحة السياسية تشكل كذلك خطراً ليس على المؤتمر الوطني ولكن على جميع القوى السياسية التاريخية المتعارف عليها والمعترفة ببعضها البعض. الجميع الآن تتزلزل الأرض من تحتهم، والكل يشعر بالخطر، وأن أمجادهم التي اضاعوها في الصراع بينهم بلا جدوى أو حدود عادت وبالا عليهم أجمعين، وكل ذلك يستدعي عدم التعجل في انهاء أوضاع المؤتمر الوطني، لأن في ذلك ليس نهايته وحده، بل نهاية جميع التاريخيين وكل ورثة الاستعمار. ذلكم هو تفسير المواقف الخانعة لكل القوى السياسية التاريخية التي أشعلت كل الاحداث السياسية عبر تاريخ البلاد منذ الاستقلال.هذا ما يفسر المواقف المعلنة لهذه القوى السياسية التي تعتبر أن أزمة السودان الآن واحدة، وتضر بها كثيراً الحلول الثنائية استهدفت أحدهم أو جاءت مع من هم من المعتبرين لاعبين جدد على مسرح السياسية السودانية، وهذا موقف متقدم يجب الانطلاق منه والتأسيس عليه. فقد باتت هذه الاحزاب والقوى التاريخية تدرك أن أزمة المؤتمر الوطني هي الآن أزمتها، وأن ذلك يدفعهم لطرح الحلول والمعالجات حتى لا تجرفهم مواقف المؤتمر الوطني وتعنته بعيداً فيتحولوا لمتفرجين على الملعب السياسة الذي تسيدوا اللعب فيه ولم يسمحوا ليغيرهم باللعب ضمنه رغم شخونه اللعب وعدم خضوعه لقانون أو تحكيم.والمعالجة المطلوبة تتأسس أولاً على عدم تحديد من يعلب ومن لا يعلب. فقد كان هذا واحداً من الظواهر التي أسست لقدوم المؤتمر الوطني أو للدكتاتورية القابضة  التي لا تعترف إلا بمن تبعها عمياناً إلى يوم الدين (فذلك كان هو المصير المحتوم والمآل الحتمي لما كان وصار، وكان من الممكن أن تكون أي قوى أخرى غير المؤتمر الوطني)، وشكلت منهجه في التعامل مع الآخرين أياً كانوا. ويستدعي ذلك أعتماد وترسيخ مبدأ (الحرية) التي تسمح للكل باللعب على ملعب السياسة، بلا شروط أو قيود، هكذا حرية مطلقة يؤمن فيها من يؤمن ويكفر من يكفر ليس بالاحزاب والقوى السياسية بل حتى بالله (العلي القدير) الذي ارسى هذه القاعدة  ليتعامل وفقاً لها خلقه أجمعين تجاهه آمنوا به أو كفروا. وإذا كان من قيود يمكن رسمها أو تحديدها على من يُقبل على اللعب على ملعب السياسية فجب أن تكون تلك القيود من صنع اللاعبين أنفسهم وبرضى جماهير الشعب وقبوله، وهذا يضعنا أمام القاعدة والمبدأ الثاني بإتجاه المعالجة والذي يقتضي إعتماد وترسيخ (الديمقراطية) نظاماً يحكم الكل ويخضع له الكل ويتم تعديله وتطويره بمشاركة الكل.  ديمقراطية تسمح لكل المتناقضات الحالية بالمشاركة وتأسيس قواعدها وبناء قواعد مؤيديها دينة كانت أو رافضة للدين جملة وتفصيلا، او اقليمية أو رافضة للإقليمية جملة وتفصلا. فالكل يجب أن يعمل وفقاً للديمقراطية وسط الشعب ويدعو بما شاء والشعب هو الذي يختار ويبدل بعد التجريب والمراقبة. لكن أن نفرض ذلك بقوة القانون أو الدستور فنعزل من يتبنى الدين ونبعده وفقاً لذلك خارج الملعب، فإننا بذلك نكون قد أعدنا ذات ما كنا نرفضه ونعاني من آثاره اليوم. فبالديمقراطية يعمل الكل وسط الشعب ويدعو لمشروعه أو برامجه، ثم يعود ويحتكم للشعب مع الآخرين قبله أو رفضه. وعليه لا ينبغي لنا ان نؤسس ديمقراطية هشة وضعيفة تحمي نفسها بوضع قانون يمنع آخرين ويفتح فرص أمام آخرين، ولكن ديمقراطية تتيح للجميع العمل والاحتكام لخيار الشعب آخيراً وليس آخرا، هكذا نكون قد وضعنا الجميع أمام أمتحان الشعب وخياراته وليس خيارات مجموعة تفرضها بالقوة أو بدثار من دستور أو قانون. الكل مطلوب منه أن يثبت نفسه وسط الشعب وبدفع منه، وليس بالقوة أو التآمر أو حماية القانون.ونحتاج ضمن تلك المعالجة إلى ترسخ قاعدة (العدل) قيمة تحكم الجميع. يؤسس عليها القضاء الذي يخضع له الجميع في استقلال تام وكامل، وبلا حصانات لمسؤول اياً كان موقعه أو مركزه، قضاء يخضع له الكل ويحتكم. ولكن العدل قيمة أكبر وأشمل من القضاء تقتضي منا أن نتعامل مع الثروات البلاد السياسية والاقتصادية وغيرها وفقاً ليميزان يعطي كل ذي حق حقه، وفوق ذلك يأخذ ممن هم في ظرف أفضل لصالح آخرين دونه حتى تستقيم أوضاع البلاد والعباد على حال واحد من التنمية والخدمات. وكذلك تكون لهم حظوظهم من السلطة والمشاركة التي تسمح لهم بانفاذ ومراقبة أوضاع مناطقهم وتحصيل رضى أهلها وإدماجهم ضمن جماهير الوطن وصلاً وإتصال بلا إهمال أو تهميش. على أن تكون قسمة الثروات والسلطات قاعدة تهتم بالانسان من حيث هو انسان وليس كما هي الان حق للبعض وخصماً على البعض وإن تسبب ذلك في موتهم جمعياً أو ابقاءهم على تخلفهم . وهذا هو السبيل الوحيد للقضاء على الجهوية والنعرات الانفصالية والتوجه نحو سودان واحد وقوي، وليس بحماية الدستور أو القانون الذي يمنع قيام تنظيمات سياسية اقليمية، على الأقل ليس في ظرفنا الراهن.وضمن المعالجة المطلوبة يجب أن تكون موارد البلاد محل اهتمام الجميع، كونها تمثل مرتكزأ للجميع للإنطلاق والتطور، كما أنها فوق ذلك مسؤولية من يتولى السلطة وعليه أن يعي أن هذه الموارد من حق الجيمع التمتع بها ولا تخول له سلطته أن يحتكرها أو أن يميز البعض بأن يعطيهم أمتيازاً ويحرم منه الاخرين فقط لأنه هو من آلت له السلطة والآخرين عليهم أن ينتظروا دورهم وقدموهم للسلطة، تلك كانت واحدة من أكبر أزماتنا التي ولدت عدم العدل وأشعلت الجهوية والقبلية وأوصلتها إلى محطة تقسيم البلاد وتفكيكها. فالموارد حق للكل وأن الحكومة موجودة لتحمي لا لتظلم وتميز. كما أن الانسان يمثل أهم مورد مهمل بهذه البلاد منذ الاستقلال وحتى هذه اللحظة، وستوجب المعالجة القادمة تقديمه كأولوية تضمن لها الراعية الوافية الكافية، تيسر له سبل تطوير قدراته ورفع مهاراته، واحترام حقوقه كاملة غير منقوصة، وأن لا يكون محل حرب السلطة والحكومة ولو عبر الجبايات التي لا تجعل له هامشاً من عيش كريم ناهيك عن أن تدفع به نحو تطوير امكاناته وانعاكسها خيراً على الاخرين.ضمن هذا السياق جاءت الكثير من المبادرات ولكنا نحص منها (مبادرة الفرصة الاخيرة) التي تاسست على هذه الخلفية طامعة في أن تجد مدخلاً للمعالجة والحل. ومبادرة هدفها الجميع لأنها تؤمن بأنه ما من جدوى لعزل أحد والبناء على غيابه أو تغييبه. كما أن ظرف البلاد أكثر من حرج للدرجة التي تفرض على الجميع حصر جهودهم في استشراف المخرج والمعالجة الناجعة لحالنا الان ومآلاته الصعبة. فخلاصات التجربة السياسية منذ الاستقلال كانت مكلفة، والاصرار عليها أكثر وأعلى تكلفة، وعليه يجب أن نتواضع على قيم تهدي المسير وتنير السبيل يستوى عندها الناس ويتأهبوا نحو منطلق جديد تتاح فيه لهم كل الفرص على آفاقها وعلى الكل أن يعمل على مكانته وينتظر محصلة كسبة وحكم الشعب فيه.إن ما ندعو إليه هنا ليس هو الاجماع الذي يجمع من نرضى عنهم أو من نعلم أنهم لن يأتوا إلا وهم ضعفاء بل أجماع حقيقي يشارك في صنعه الجميع ويتقبل نتائجه الجميع فقط أنهى عهد الاجماع السكوتي أو اجماع الساكتين قسراً. وعلينا الآن أن نتهيأ للننطلق في الآفاق.