أبو ذر علي الأمين ياسين

 الخلاف الذي علا بين المؤتمر الوطني وبقية القوى السياسية حول قانون الانتخابات وتحديداً حول نسب الـ 60% دوائر جغرافية و40%  نظام قوائم أو تمثيل نسبي، قدم قراءة أولية لخارطة الصراع الانتخابي الذي يقف فيه المؤتمر الوطني وحيداً ضد كل القوى السياسية دون أن يستبعد تحالفها مجتمعة أو متفرقة  ضمن أشكال أخرى لكنها جميعاً ضد المؤتمر الوطني. لكن حديث نافع على نافع نائب رئيس المؤتمر الوطني للشئون التنظيمية والسياسية بميدان المولد بالدويم الذي جزم فيه بالنصر في تلك الانتخابات، والذي أشار فيه بقوة لتمايز الصفوف مصنفاً معسكرين هما (القوى الوطنية) و آخر (معسكر متعلق بجالوت العصر) مطالبا الجماهير بالتوحد خلفه حتى يهزم ذلك الجالوت، لأن بيعتهم لله أو كما قال. وحديث نافع يشي بأن المؤتمر الوطني سيواجه كل القوى السياسية إذا قرأنا ذلك وفقاً لخلفية الجدل الدائر حول قانون الانتخابات الذي يتمسك فيه المؤتمر الوطني برأيه الذي تخالفه فيه كل القوى السياسية. ونافع  في خطابه بميدان المولد بالدويم (حسب صحيفة ألوان) قطع بأنهم قرآن يمشي بين الناس، وأن من يستطيع أن ينزع منهم الحكم فعليه أن يتقدم. وإشارته (لجالوت) تفيد بأنهم مستضعفون أمام خصومهم الذين وصفهم بالمتكبرين، موضحاً أن نقص القوة المادية لا يزعجهم وأنهم يملكون القوة الحقيقية ومفاتيح النصر، هذا الحديث دفع بأبعاد جديدة تحتاج إلى قراءة واستقصاء لخارطة المنافسة الانتخابية والخلفيات الدافعة لتلك التحالفات، وما تمثله من خيارات متعلقة بالتغيير الذي فرض نفسه كنتيجة حتمية لتوقيع اتفاقية السلام مع الحركة الشعبية. من جهتها تطرح الحركة الشعبية وتؤكد ثقتها في النصر الانتخابي على المؤتمر الوطني، بل وتمضي أكثر من ذلك لتتحدث عن تخوفها من لجوء المؤتمر الوطني للخيار العسكري في حالة فشله في الانتخابات مؤكدة على لسان إدوارد لينو (حسب صحيفة الإنتباهة عدد 2 مارس 2008م) حصولها على مؤشرات تؤكد البديل العسكري للمؤتمر الوطني.النتيجة التي تعكسها الأحاديث التي قدمناها آنفاً توضح أن الانتخابات القادمة ستكون ساحة للمنافسة (إذا جرت بصورة حرة وعادلة وديمقراطية) أو ساحة للصراع (إذا جرى التلاعب والتزوير فيها)، وهذا ما نلمسه من تأكيد وجزم نافع وإدوراد لينو بالفوز بالانتخابات القادمة كل من الموقع الذي ينظر منه، وعليه ستكون الانتخابات القادمة منافسة بين شركي الحكم الحاليين أو محور للصراع؛ تلك هي احتمالات المشهد الانتخابي القادم، وستكون مشاركة كل القوى السياسية بالساحة محكومة بهذه القوى تحديدا والأبعاد والمشروعات التي تمثلها، الأمر الذي يدفع إما إلى (السودان الجديد) أو السكون عند قامة (السودان القديم). الانتقال لساحة الأحداث على صعيد الاستعداد للانتخابات يقدم صورة تفسيرية أقوى (للمنافسة) أو (الصراع) الذي سنشهده مع تلك الانتخابات. وإذا كانت الحركة الشعبية تمثل (السودان الجديد) الذي يحمل هموم المهمشين وأهل الأطراف. فإن المؤتمر الوطني بلا شك سيمثل (السودان القديم) الذي يسيطر عليه أهل الوسط النيلي والقوى السياسية التي تمثلهم ؛ وعليه لا نرى رجاحة تفسير حديث نافع بالدويم بأن المؤتمر الوطني سيخوض الانتخابات منفرداً ضد القوى السياسية الأخرى جميعاً، بل الأحداث الجارية تقول عكس ذلك، وتشير إلى أن المؤتمر الوطني سيمثل قوى السودان القديم، ويعمل على تجميعها في تحالف يجب أن يكون هو (القوى الوطنية) وتكون بالنسبة له الحركة الشعبية ومن يتحالف معها هم (الجالوتيين المرتبطين بجالوت العصر)، ومؤشرات ذلك نلمسها في (التصنيف) الذي جعل نافع بموجبه القوى المتنافسة وطنية وسماها بـ (معسكر القوى الوطنية) وأخرى مرتبطة بالقوى الخارجية المسيطرة عالمياً، وسماها بـ (المعسكر المرتبط بجالوت العصر). أما حشد الأحزاب والقوى السياسية التي تمثل السودان القديم فتشير إليه التفاهمات والحوارات والاتفاقات الماضية مع حزب الأمة القومي، والاتحادي الديمقراطي محمد عثمان الميرغني، والمؤتمر الشعبي، والحزب الشيوعي، على اختلاف محصلاتها حتى الآن؛ لكنها توضح خاصة إذا أضفنا لها مشروع مثلث حمدي الذي يركز المؤتمر الوطني التنمية والصرف فيه على حساب باقي أنحاء السودان، توضح أن هذه القوى هي التي عنى بها نافع (معسكر القوى الوطنية) وهي القوى  التي لا تعرف طوال تاريخها وتجاربها في الحكم القصيرة والطويلة إلا مركز حكم واحد هو (الخرطوم) وأطراف خاضعة له وحكام معينين لهم، موقعهم الطبيعي في قمة الحكم. ومن المعروف أن التفاهم مع زعيم الحزب الاتحادي السيد محمد عثمان الميرغني بدأ مباشرة مع وبعد توقيع اتفاقية السلام، وبمبادرة ومباشرة أحد مهندسيه النائب الأول وقتها علي عثمان بجدة، وهذا مؤشر يوضح أن (الانتباهة) للخطر الذي يمثله اتفاق السلام على القوى التقليدية أو (معسكر القوى الوطنية) كان واضحاً في ذهن قيادات المؤتمر الوطني الصانعة لاتفاقية السلام ذاتها. أما حزب الأمة فاللقاءات الأخيرة بين زعيمه الصادق المهدي والتفاهمات التي وقعها أمينه العام د. عبد النبي مع مصطفى عثمان إسماعيل تؤكد أن اتجاهات التحالفات تحشد الأحزاب التقليدية الاتحادي الديمقراطي، والأمة القومي كضلعين أساسيين للتحالف الذي سيمثل على ما يبدو (معسكر القوى الوطنية)، خصوصاً وان تصريحات د. عبد النبي للصحف في أعقاب توقيع 6 مسودات اتفاق حول موضوعات متنوعة تذكر وبقوة بكلمات نافع على نافع بالدويم التي أشار فيها إلى (الارتباط بجالوت العصر) في إشارة للقوى الخارجية؛ إذ جاء في تصريحات د. عبد النبي  حول الموضوعات والاتفاقات التي وقع عليها هو ومصطفى عثمان أنها (ستمثل منصة مشتركة تجمع الصف الوطني لتفويت الفرصة على المتربصين الأجانب) بحسب ما نقلته عنه صحيفتا السوداني والأحداث. والحزب الاتحادي الديمقراطي وزعيمه الميرغني خسر تحالفه مع الحركة الشعبية ضمن التجمع الوطني فور توقيع اتفاقية السلام بعيداً عن التجمع وقواه، كما أن الصادق المهدي ظل معارضاً لاتفاق السلام الذي يري فيه مهدداً لأي مستقبل له في سودان ما بعد اتفاقية السلام. ويبدو أن كل ذلك يجمع اليوم بين تلك القوى ويوحدها ولو ضمن إطار المؤتمر الوطني الذي ظلت تعارضه طيلة السنوات الماضيةووفقاً لهذا السياق يكون المؤتمر الوطني هو ممثل القوى الوطنية ورمزها الذي يرغب في بقاء السودان القديم ومركزية الحكم فيه واحتكار السلطة والثروة لصالح مركز واحد تعارفت وتناوبت عليه هذه القوى تحديدا، ولا ترغب بل تخاف أي تغيير فيما تعارفت وتعودت عليه. هو ذات المركز الذي يقف حاكماً فيه المؤتمر الوطني الذي يحتكر التنمية لصالح ما بات يعرف بمثلث حمدي (المشروع الانتخابي)، الذي يتبناه وينفذه الآن المؤتمر الوطني باعتباره يمثل الخلفية الجماهيرية الداعمة له بحسب حساباته وخططه الانتخابية، التي تستوجب حصر تطوير البنيات الخدمية والتنموية والمشروعات الاقتصادية الكبرى ضمن إطار هذا المثلث الذي يشمل دنقلا، سنار، والابيض. بينما كل ما هو خارج مثلث حمدي يشكل خطراً بما في ذلك جنوب كردفان التي لم يشملها مثلث حمدي وكل دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والشرق وأقصى الشمال.وعليه كل المناطق خارج مثلث حمدي تمثل المعسكر الآخر الذي تمثله وتقف رمزاً له الحركة الشعبية المطالبة بقسمة عادلة لكل مناطق السودان وأهله في السلطة والثروة وغيرها، وتعمل على تحقيق مشاركة حقيقية وندية تعود على السودان بوحدة حقيقية وتنمية لا تُخصص منطقة و تُهمل أخرى، ناهيك عن توظيف عائدات كل مناطق السودان وكنوزها لصالح المركز الذي هو اليوم (مثلث حمدي). وكون هذه المناطق مناطق مهمشين ظلت خاضعة لأهل الوسط النيلي وتشكل اليوم التحدي أمامهم،  فهي وحتى يثبت العكس مرتبطة ومدعومة من الخارج  فهي وفقاً لهذا التوصيف تمثل ( المعسكر المرتبط بجالوت العصر) الذي تمثله الأمم المتحدة وأمريكا والعالم.ولكن حتى الارتباط بالخارج فيما يبدو (خشم بيوت) فدولة مثل مصر لا تحسب ضمن (جالوت العصر) ولا يبدو أن ذلك بسبب بعدها عن أمريكا أو عدم ارتباطها بها، بل لأن مصالح مصر في السودان ظلت مضمونه وسهلة التحقق عبر تاريخ العلاقات الأزلية مع قوى الوسط النيلي ولو كانت على حساب السودان وخصماً عليه. كما أن أي تغيير في خارطة السودان سيؤثر حتماً على وضع اتفاق مياه النيل وحصص مصر التي ما زالت تستفيد حتى من حصص السودان بل وتوظف أراضيه لتخزين المياه، وحماية مشروع سدها العالي من الأطماء بسدود تقام داخل السودان، ويشرد أهل المناطق التي تقام فيها لصالح بقاء أطول وتخزين أكبر للسد العالي، بدون مقابل توسع في الأراضي المزروعة التي قد تسحب حصة السودان غير المستغلة، والتي تستفيد منها مصر حتى اليوم. كل ذلك يدفع بمصر للدخول في بناء تحالف يضم قوى السودان التقليدية (السودان القديم) تحت عباءة المؤتمر الوطني باعتبار أن ذلك يضمن لها  بقاء السودان القديم وتسيّد واستلام أهل الوسط النيلي للحكم ولو جاء ذلك خصماً على السودان وأهله.مشهد الانتخابات القادمة سيعيد سيرة مكة في التغيير الذي حول العرب والجزيرة العربية إلى دولة عظمى قادت العالم. بعد أن كان أهلها غير محسوبين ولو في هامش هوامش المهمشين، وانطلق بهم وحولهم إلى قادة التغيير وأكبر دولة وحضارة بعد أن كانوا جاهلين حتى بالقراءة والكتابة. فمكة كانت المركز الذي يخضع له كل العرب الذين هم جميعاً لا شيء، ورغم ذلك لم تكن راغبة مع ظهور النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في التغيير الذي سيطرأ عليها، فقاومته وجندت له كل العرب من حولها، لكن كل ذلك عاد وغير مكة ودعمها بقوة دفعت بها من مركز صغير يضطهد المضطهدين من حوله إلى مركز انطلاق التغيير؛ ليس على العرب في جوارها فحسب بل في كل العالم من حولها. فإذا كانت قريش لا ترغب في تغيير سيادة أسر محدودة، فإن الخرطوم لا ترغب في تغيير ما عرفته وتعارفت عليه كونها مركز السودان أو (مكته)، وإذا كانت مكة تعتبر العرب من حولها هم سوق خاضع لها ينمي ثرواتها ولا يفرض عليها أي أعباء بالمقابل، فإن خرطوم المؤتمر الوطني تعتبر كل أطراف السودان سوق وقاعدة لتنمية ثرواتها ومركزها، ويجب أن يظلوا تحت رحمتها وفي خدمتها، ولو كان ذلك التغيير القادم سيعود على الجميع بالخير العميم كما كانت مكة في تاريخ الإسلام. ذلكم هو الذي يزعج (معسكر القوى الوطنية) خصوصاً وأن قاعدة ابن خلدون في التغيير الذي يقوده الهامش وتنهض به الأطراف، راكز في وعي (معسكر القوى الوطنية) و في لا وعيها، وقوى الهامش السوداني اليوم تمثل قوى التغيير الذي دفعت به اتفاقية السلام إلى قلب الخرطوم، لتطالب بالتغيير الذي يضمن لها المشاركة وبندية وعدل في السلطة والثروة والتنمية. لكن هذه المطالب تهدد بلا شك (معسكر القوى الوطنية) وتغيير مصالحهم التي اكتسبوها طوال العهود السابقة ولا يرجون لها تغييرا. لذلك يتكتلون اليوم ليظل السودان هو الخرطوم.. كل السودان في خدمتها ولو خصماً على إنسانه وحقوقه وتطوره.معركة الانتخابات القادمة ستكون جوهرية في رسم مستقبل السودان. إما أن يحدث التغيير الذي أصبح حتمياً، أو التمزق الكامل لتتحول الخرطوم إلى دولة نعرفها حتى الآن (بمثلث حمدي)، لكنها فوق ذلك لن تعرف الاستقرار فالتغيير السكاني حتى ضمن هذا المثلث يفرض تغييراً بذات المستوى والأبعاد داخله؛ بل إن أي إخلال ضمن الانتخابات القادمة سيحول نموذج كينيا بعد الانتخابات الأخيرة هناك إلى مشكلة صغيرة ومحدودة لا تستحق الوقوف عندها، فهل نحن واعين لحجم التحدي أم سننساق إلى هلاكنا بدعوى محاربة (الارتباط بجالوت العصر)، وهل يمثل المؤتمر الوطني داوود العصر!؟، نبي الله داوود كان رمزاً للعدل وعبداً أواباً لله.. ولكن هل المؤتمر الوطني الذي هو قرآن يمشي بين الناس بحسب حديث نافع بالدويم كذلك !؟ هل ظلم داوود أهله، هل قتل داوود الناس بقواته في بورتسودان  والحماداب وأمري ثم لم يحقق في الأمر، أم أخذ ثرواتهم وحرمهم من التنمية، وأشعل الحروب ليلهيهم عن مطالبتهم بحقهم والإقرار به. أبحثوا عن جالوت ستجدونه حاكماً فيكم لا يعرف إلا القوة ترهيباً وترغيباً ولو بالشراء.. فماله أكثر من مال قارون بل هو يرى ويتصرف وكأن ماله أكثر من مال الله.. واستغفر الله.