تحليل سياسي

 

أبوذر على الأمين ياسين

 أعلنت الولايات المتحدة أنها ستواجه أي محاولة لإستخدام المادة 16 من نظام المحكمة الجنائية الدولية لتعطيل سير القضية التي أثارها المدعي العام  في مواجهة الرئيس السوداني بالفيتو. وجاء الاعلان الامريكي أثناء مشاركة أكبر وفد سوداني بقيادة نائب الرئيس على عثمان لأمريكا للمشاركة ضمن اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، مما يعني مباشرة فشل الوفد في أحراز أي تقدم أو اختراق لإجراءات المحكمة الجنائية الدولية، وكانت الصحف قد نقلت عن الوفد أنه سيجرى (60 لقاء) على هامش تلك الاجتماعات، وإن كان الاعلان الامريكي باستخدام الفيتو قد قطع الطريق على تسجيل أي نجاح للوفد إلا أنه لم يستبن بعد ما اذا كان الوفد قد فشل فشلاً كاملاً أم أنه يرجو أن تتحقق بعض النتائج التي سعى إليها في مقبل الأيام، ولكن تبقى كل نتائج الحملة الدبلوماسية التي اطلقت منذ إعلان المدعي العام تقديم قضيته أمام قضاء المحكمة تدور حول محور واحد هو (التأجيل وفقاً للمادة 16 من النظام الأساسي للمحكمة) إلا أن تلك الحملة لم تحرز تقدماً يذكر حتى حول موضوع التأجيل. والسؤال هو أمام كل الجهود والوفود والرحلات المكوكية لماذا لم يتم تحقيق أي تقدم بإتجاه مواجهة المدعي العام أوكامبو الذي أدخل سابقة خطيرة تتعلق بتوجيه اتهام لرئيس دولة أثناء رئاسته وهي السابقة التي تحفز الكثير من الدول لدعم موقف الحكومة والرئيس السوداني؟!.بحسب افادات مصادر مطلعة حول الحملة الدبلوماسية السودانية هناك أكثر من تغيير لرئاسة الوفود المتوجهة خاصة للدول صاحبة المواقف المتشددة (فرنسا، بريطانيا، والولايات المتحدة) وتلك ذات التأثير الكبير ضمن مجلس الأمن الدولي (الاتحاد السوفيتي والصين) وهو مؤشر بحسب تلك المصادر لصراع الاجنحة ضمن المؤتمر الوطني، بل هو بحسب تقدير تلك المصادر سبب فشل الدبلوماسية السودانية في تحقيق أي نحاج يذكر. والاشارة الضمنية هنا تفيد بأن هناك صراع محتدم ضمن المؤتمر الوطني والحكومة يعمل كل وفد على افشال جهود الوفود الاخري أو مجموعة ضد مجموعة أخرى ضمن ذات الوفد، على اعتبار أن أي تقدم في ايجاد حل لتوجيه اتهام للرئيس يضر بدابيرها القاضية بوراثته أو استمراره، كما أن أي انفراج أو حلول للأزمة الداخلية خاصة فيما يلي دافور هو سلاح ضد الطرف الآخر ورصيد قبول داخلي وخارجي للوريث القادم. على هذه الخلفيات كيف نقرأ اتجاهات التغيير القادم؟.معضلة التغيير القادم ضمن نظام الحكم الحالي  أياً كان مصدره تتمثل في أن موقع الرئاسة يمثل أقوى عوامل الحماية للرئيس البشير، وأن أي تطورات قد تفضي إلى ابعاده تعني ضمن ما تعني أنه معرض لكل شئ، وهذا في حد ذاته يمثل دافع للمؤيدين للرئيس وأؤلائك الذين يرتبون لوراثته. كما أن أي عمل مكشوف ضد الرئيس أو يدفع ويدعم موقف المحكمة الجنائية الدولية مباشرة سيكون سبب عزل مبكر للطرف الذي يسعى لذلك!، لهذا أحد الاطراف يجب أن يعمل ضمن الاطار العام الداعم للتوجه المؤيد للرئيس ضد اجراءات المحكمة الجنائية الدولية في الوقت الذي يوظف كل الامكانات لإفشال تلك المساعي على أعتبار أن اتهام الرئيس يعني سقوط الدولة وجهاز الحكم في يده بما أنه البديل الأوحد والاحتمال الوحيد. وعليه كل طرف يحاول توظيف مساعيه وتجنيد كل قواه بإتجاه هدفه الذي يضمن له البقاء بالسلطة كل حسب اعتباراته ورؤيته. لكن الخطورة تتمثل في أن بقاء الرئيس يعني اعلى درجات التصعيد السياسي والعسكري ضد المجتمع الدولي والذي ستترتب عليه بحسب تصريحات كبار المسؤولين نهاية اتفاق السلام مع الحركة الشعبية، ونهاية اتفاق ابوجا وأي اتفاق قادم بدارفور، وفوق كل ذلك التأكيد على النظام العسكري الديكتاتوري وتقويته في المركز. وبسبب الصراع الداخلي هذا ضمن الحكومة والمؤتمر الوطني، لا أحد يحسب ردود الفعل المحلية والدولية لتلك التهديدات التصعيدية،  فكل ردود الفعل وماسيترتب عليها خارج اطار الحساب والأولويات، ورغم كل ذلك تبقى كل الاتحمالات صعبة وبها درجات من التعقيد وجملة من المخاطر!.القوى السياسية تبقى كم مهمل بلا وزن ولا دور بل بلا اعتبار خاصة بعد تراجع الصراع وانحصاره ضمن الحكومة والمؤتمر الوطني. لكن القوى السياسية تعرف أن البلد تحكم وتدار بهجاز الأمن وليس عبر مؤسسات الدولة ووزاراتها ووزرائها كما هو متعارف عليه. بالمقابل تصنف القوى السياسية الجيش كقوة داعمة وموالية للرئيس، بخلاف جهاز الأمن الذي له ولاء للقيادات الاسلامية المعروفه وخاصة علي عثمان الذي دعم موقفه بعد المؤتمر الاخير للحركة الاسلامية وصار أمينها العام المجمع عليه ضمن تلك الحركة. وتقرأ تلك القوى السياسية البعيدة عن الفعل والتأثير ضمن مجريات أزمة مذكرة مدعي المحكمة الجنائية الدولية وتعتبر  أن التغيير له باب واحد هو الحكومة ذاتها وحزبها، واحتمالان؟!.الإحتمال الاقرب والأقوى بحسب تلك القوى السياسية أن يتم انقلاب داخلي (ثورة تصحيحية) عبر جهاز الأمن!!. وتستند تلك القوى على جملة مؤشرات تدفعها لهذه القرأة، أهمها أن جهاز الأمن لا يشبه أي جهاز أمن في أي دولة من دول العالم، فهو جهاز كامل السلطات له حق الاعتقال والمحاكمة والمصادرة بدون الرجوع إلى أي جهة مرجعية ويشرون لحوادث كثيرة أخرها مصادرة ممتلكات شركة ألوان الشهيرة. كما أن جهاز الأمن تحول في الفترة الاخيرة لجهاز له قوة ضاربه المكشوف منها قوامه عشر ألف مقاتل تم استعراضها ضمن احتفال مشهور مشهود (من مدني الى الخرطوم)، وكانت تلك القوات هي سيدة التصدي لقوات حركة العدل والمساواة التي اقتحمت أمدرمان في العاشر من مايو الماضي. كما أن جهاز الأمن أكبر جهاز له شركات ناشطة تضمن له التمويل خارج المصارف المتعارف عليها في أي دولة، و لذلك  هو جهاز عبارة عن دولة داخل دولة.أما (الثور التصحيحية) المحتملة، بحسب تلك القوى السياسية، خلفيتها أن الاتهام الموجه للرئيس يعني أنه لا مجال ولا فرصة أخرى بكل الحسابات والاحتمالات أمام الرئيس، وعليه يجب ضمان تغييره قبل شروع المحكمة الدولية في أي أجراء كون ذلك سيعقد الاوضاع الداخلية أمام أي تغيير أياً كان. ولكن في حالة الانقلاب أو الثورة التصحيحية سيبقى هامش لمعالجة الاوضاع وقفل ملف المحكمة الدولية نهائياً. وتعتبر القوى السياسية أن التوجهات الحالية التي تتبناها بعض الجهات الحكومية القاضية بمحاكمات داخلية مراقبة عالمياً، وتغيير القانون الجنائي بادخال مواد المحكمة الجنائية الدولية ضمنه هي ترتيب لعقد محاكمة كل الاسماء التي أعلنتها المحكمة الدولية والتي اضيف إليها الرئيس مؤخراً. مما يعني أن البديل القادم والذي ترجح القوى السياسية أنه على عثمان النائب الثاني الحالي للرئيس كونه الوحيد الذي له أمكانية القدوم والقبول ضمن الحكومة والقوى الدولية. ويشير البعض ضمن القوى السياسية لطريقة على عثمان في التعامل مع مثل هذه الملفات والقضايا ضاربين المثل بحادثة محاولة اغتيال حسني مبارك العام 1995م، والتي حرص بحسب تلك القوى السياسية  على تصفية كل العناصر التي شاركت ضمنها أو تملك حولها قدر كبير من المعلومات بما يحمي كل أثر قوي لتعقبه من أي طرف أو جهة كانت. وبناءاً على ذلك فإن السبيل الوحيد أمام الوريث القادم  لغفل ملف الاتهام الدولي هو محاكمة الاسماء المعلنة من قبل المحكمة الدولية واعدامها إن لم يتم تصفيتها اذا تعذرت تلك المحاكمة. وهو السبيل الوحيد لضامن عدم فتح ملف المتورطين في ملف دارفور أياً كان عددهم المتبقى ضمن أضابير المحكمة الجنائية الدولية، كون الثورة التصحيحية ستعجل بكل الحلول المطلوبة وتستجيب لكل الشروط بلا تحفظ لتضمن النفاد من المحاكمة الدولية من جهة والبقاء والاحتفاظ بالسلطة والدولة من جهة أخريأما الاحتمال الثاني والذي هو الاضعف  بحسب تلك القوى السياسية هو أن يقدم الرئيس على تغيرات جوهرية تدفع بحل داخلي حقيقي ينهي مشكلة دارفور ويرتب لإنتخابات نزيهية  ويدفع بتغيرات تمهد لتغيير كبيرة وحقيقي باتجاه حريات كاملة وتداول سلمي للسلطة. وهنا  لا تقدم القوى السياسية حيثيات ذات اعتبار سوى احتمال ترى أنه الاضعف وروداً أمام مجريات الاحداث حالياً. خاصة وأنه بحسب تلك القوى السياسية لا توجد جهة داخلية أياً كانت تستطيع أن تقدم ضمانات  أو بدائل لما ستقدم عليه المحكمة الجنائية الدولية تجاه الرئيس. وهذا يعني عدم ضمان أي حل تجاه شخصه اذا ما ضعف أو تخلي عن سلطته، لكن الرئيس هو الوحيد الذي بحسب تلك القوى السياسية الذي يستطيع أن يدفع بمخرج حقيقي ويرسم مستقبل مشرق للبلاد  اذا تبنى هذا الشكل من المعالجة.الذي قد يرسم له صورة غير المعروفة عنه وتضعه في مصاف الابطال والرموز القومية.ضمن كل السيناريوهات القادمة للتغيير ترى القوى السياسية أن موقع الحركة الشعبية واتفاقية السلام لن يمس بأي قدر من التغيير. ذلك أن الازمة والمشكلة لاتمثل الحركة الشعبية طرف فيها بأي قدر، أضف لذلك أن الازمة السياسية عقبتها وأزمتها هي الحكومة و حزبها  وليس الحركة الشعبية. وتتجه تقديرات القوى السياسية لإستبعاد أي دور للحركة الشعبية ضمن التغيير القادم خاصة وأنه سيكون عبارة عن تفاعلات وصراعات داخلية تخص المؤتمر الوطني  ونصيبه من المشاركة ضمن حكومة الوحدة الوطنية.بالنسبة للقوى السياسية أي تأثير حاسم في التغيير القادم نفسه أو في اتجاهاته  من خارج الحكومة والمؤتمر الوطني سيكون لحركات دارفور المسلحة، وهنا ترى القوى السياسية أن الاحتمالات مفتوحة أمام أي الاحتمالين لإستصحاب الحركات المسلحة ضمن الترتيب للتغيير القادم خاصة وأنه لايمكن تجاهلها أو تجاوزها مهما كان شكل التغيير أو مصدره. وترى القوى السياسية أن إحتمالات الانفتاح نحو الديمقراطية سيكون تحدي كبيراً أمام ما هو قادم، وترى أنه لا أمل في تغيير ديمقراطي حقيقي أذا جاء على عثمان على رأس السلطة فليس للرجل اعتقاد في الديمقراطية أو احترام للقوى السياسية. وستكون توجهاته مركزية صارمة، وأن مؤشرات ذلك بالنسبة للقوى السياسية مساعي على عثمان للترتيب مع الحركة الشعبية لتحالف يُحكم قبضته على الحكم ويتقاسم السيطرة بيحث يكون الجنوب للحركة والشمال للمؤتمر الوطني. وقفل الباب أمام أي قوى أخرى ولو عبر الانتخاب المباشر.وترى القوى السياسية أن الاحتمالات أعلى وأقوى أمام على عثمان، كون ملف وعدد المتهمين أمام المحكمة الجنائية الدولية سيتم اغلاقه تماماً اذا ما تم تسليم أو محاكمة أحمد هارون وعلى كوشيب والرئيس البشير داخلياً أو خارجياً. وأن أحد الخيارين لابد أن يكون ووفقاً لشروط ورقابة خارجية في حالة المحاكمة الداخلية. وأن أزمة المحكمة الدولية سوف لن تنجلي إلا بأحد هذين الخيارين. لكن الصراع وادارته داخلياً وخارجياً هو الآن ضمن الحكومة والمؤتمر الوطني بل هو حكراً لهما!!.