تحليل سياسي

 

ابوذر على الأمين ياسين

 

(نشر هذا المقال بصحيفة أجراس الحرية قبل أكثر من اسبوع من اجراءات أوكامبو الاخيرة)

  "أنا مهتم بالجرائم الحالية وبضرورة أن يدرك أولئك الذين يرتكبونها أنهم سيواجهون نفس مصير هارون، الآن أنا أقوم بالتركيز على هؤلاء الذين يرتكبون جرائم جديدة، هذا هو هدفي، هارون سيأتي ولن ينجو من فعلته إنهم يحمونه لبعض الوقت لكن ذلك لن يستمر طويلاً، لا بد أن يحاكم". هكذا تحدث أوكابو لقناة العربية مؤخراً، وحدثيه يؤكد وبقوة أن مسعاه سيتحقق لا محالة ولكن كيف وأين ما يزال هذا المستوى غير واضح، لكنه يمثل اطار القعل ورد الفعل بينه والحكومة السودانية. توجهات أوكامبو القاضية بتوجيه تهم جديدة لأشخاص جدد وعلى قمة السلطة، تثير بلبلة عظيمة للحكومة السودانية والمؤتمر الوطني الحاكم. ووصف البلبلة هذا ياتي على إثر رودود الفعل التي اتخذتها وتتخذها الحكومة السودانية تحت عنوان عريض ومعلن أنها لن تعترف بالمحكمة الدولية ولن تتعاون معها، تاسيساً على أنها لم تصادق على الاتفاق القاضي بإلتزام الدول تجاه هذه المحكمة. وفي هذا رفض غير مباشر ولكنه واضح لقرار مجلس الامن الذي فتح الملف ودفع به للمحكمة، وهو ما لا يعطي الحكومة والمؤتمر الوطني مساحة للمناورة ذات بال كون اجراءات المحكمة وتوسيع لأئحة الاسماء المعلنة لها أثر مباشر على حكومة السودان والمؤتمر الوطني الحاكم. لكن موقف الحكومة  يعكس رسالة إعلامية ذات هم وبعد داخلي يهدف لترسيخ قوة الحكومة وسيطرتها على مقاليد الأمور داخل السودان، هو بعد ما عاد ذو ألق بعد أحداث أمدرمان أو بعد غزو حركة العدل والمساواة للعاصمة، حيث أصبح منظر ومظهر الحكومة السودانية عالمياً أنها على درجة من الضعف غير متوقعة ولا منظورة، وأنها من الضعف للدرجة التي تقتضي مراجعات كثيرة لطريقة النظر لها والتعامل معها. وأول آثار هذه المراجعة عكسها الحوار السوداني الامريكي في جولته الثانية بالخرطوم، والذي تعلق من جانب واحد (هو الجانب الامريكي) بلا مبررات ولا مقدمات كما تفيد تصريحات المسؤولين السودانيين الكبار ومثال لهم مصطفي عثمان مستشار الرئيس للشئون الخارجية في آخر مقابلة له مع صحيفة الشرق الاوسط (عدد 21 ينيو 2008م. أما داخلياً فقد انهارت صورة النظام القابض الذي يستطيع فعل كل شئ وتجاوز كل القوانين السارية وربما القادمة. بل اصبح نظام الانقاذ يحتاج لحساب كل شئ قبل أن يمضي فيه شبراً، خاصة وأن غزو حركة العدل والمساواة أو احداث 10 مايو جاءت على اعقاب تجميد الحركة الشعبية مشاركتها ضمن حكومة الوحدة الوطنية على خلقية أن المؤتمر الوطني لا يضع اي اعتبار لا للشريك واللشراكة بينهما وما يحكمها من اتفاق وبنود، وكان ذلك ذو أثر واضح على تراجع قبضة الحكومة المطلقة التي كانت لا تبالي لشئ تفعله أياً كان وتجاه من كان. على صعيد ردود الفعل نلاحظ البلبلة في القرار الاخير الذي تناولته الصحف اليومية حول فتح بلاغ (جنائي) في مواجهة أوكامبو بارتكابه جريمة الارهاب. والبلاغ مفتوح بوزارة العدل وبواسطتها والذي يفيد مقتضاه أن اوكامبو سيمثل امام المحاكم السودانية متهماً بالارهاب، تماماً كما هي الموضة هذه الايام في مواجهة اعضاء حركة العدل والمساواة. لكن وزارة العدل لم توضح بعد ما إذا كان اوكامبو سيمثل أمام (محاكم خاصة) أم عادية ولا كيف ستيم القبض عليه هل بواسطة الانتربول، أم انتظار زيارته القادمة للخرطوم وإلقاء القبض عليه. وبالتأكيد لم تفكر وزارة العدل في أي صورة سترسمها هذه الاجراءات لها دولياً ولا وسط الأمم المتحدة ومجلس الامن، لكنها البلبلة والتوهان الكامل. كما أن التصريحات التي تناولت شخص أوكامبو تعكس تلك البلبلة بقوة أكبر حيث منح أوكامبو لقب (رامبو) كما جاء في مقابلة مع غازي صلاح الدين وعلى لسانه بصحيفة (الاحداث) مؤخراً، وشخصية رامبو السنمائية لم تعطيه يوماً صفة الارهابي بل المغامر المفتون والمتشدد بخدمة بلده أمركيا. وأقرب خلفية للقب رامبو تذكر بيوسف عبد الفتاح أحد ابرز الشخصيات في سني الانقاذ الأولى والذي انتهي به المصير مثل الكثيرين خارج هوامش السلطة بعد أن كان فاعلاً فيها وبإرادة اهل القرار الانقاذي وكامل تحكمهم، ولكن هل هذا يمكن أن يجري على أوكامبو؟، بمعني هل يمكن تدجين شخصية أوكامبو باضفاء خلفيات مألوفة للشعب السوداني والتعامل معه وفقاً لها؟. إن هذا يبدو غريباً ومستغرباً لكنه حتماً يعكس حجم البلبلة التي أدخل فيها أوكامبو الحكومة السودانية والمؤتمر الوطني.  وهناك خلفية أخرى تبناها سفير السودان بالأمم المتحدة عبد المحمود عبد الحليم وصف فيها أوكامبو ب(الارهابي) وهو وصف الهدف الاساسي منه حسب تصريح السفير السوداني بالامم المتحدة أن يوفر الخلفية لإبعاد أوكامبو عن ملف القضية كونه شرع في اختطاف الوزير هارون الذي كان ينوي السفر للسعودية لأداء فرضية الحج. ولكن ماهي الادوات والوسائل والقوي التي يمكن أن تخدم خط سفير السودان لدى الامم المتحدة وتنجز ابعاد أوكامبو عن ملف القضية؟، هذا غير واضح بل يوضح حجم البلبلة التي تعيشها حكومة الخرطوم بالطول والعرض داخلياً وخارجياً. كون اجراءات أوكامبو تغلق الافاق الدولية عن اي مسؤول ينشط على المستوى الدولي أو يدير العلاقات الخارجية للسودان، كونها تحجم حركتة وتحاصرة في الداخل السوداني كونه ووفقاً للقانون الدولي معرض للاعتقال في اي مكان وزمان وباي وسيلة ولو اعتبرتها حكومة السودان قرصنة أو ارهاب دولي. ولكن يبقى كل ذلك هو الشق الأقل اثراً على الحكومة والمؤتمر الوطني كونه متعلق بالخارج وبإجراءات المحكمة الدولية ومدى إلزامها للدول الاخري بالقبض على المتهمين وتسليمهم. ويبقى الأمر المقلق للحكومة والمؤتمر الوطني هو المتعلق بآثارها الداخلية المباشرة على الوضع الحالي والذي سيترتب على الانتخابات القادمة!!. أكبر هم ومشكلة يمثلها أوكامبو هي أن أي اسم يظهر على لائحته يعني فقدان المؤتمر الوطني لأحد رموزه وربما مرشحيه الاساسيين في الانتخابات القادمة. وهو الخطر الذي يعكسه توجه اوكامبو المعلن أنه سيضيف اسماء اخرى على لائحته تتضمن اسماء قيادات عليا. وكلما صعد أوكامبو إلى أعلي كلما أخرج شخصيات أساسية خارج ميدان السياسية. وميدان السياسية يشهد منذ (المفاصلة) وانشقاق الحركة الاسلامية الى وطني وشعبي، يشهد (دافوري) غير خاضع لقوانين اللعب النظيف ولا يقوده (حكم) من دين أو أخلاق، توظف فيه السلطة وادواتها باقصى من حدودها القصوى بغرض اخراج آخرين عن ميدان اللعب السياسي جملة وتفصيلاً. ولكن دخول أوكامبو عبر ملف دارفور وجرائم الحرب يعرض شخصيات كبيرة ونافذة للخروج خارج ميدان السياسية تماماً. كون أي اسم يمثل مجرد ظهوره على لائحة أوكامبو أن صاحبه مجرد (كرد بايظ) لا يمكن المراهنة عليه ضمن أي وضع سياسي قادم. وبذلك يكون خصماً على الوضع والوزن السياسي للمؤتمر الوطني الذي يعاني من مشكلة مرشحين كبيرة تجري معالجتها عبر ادخال نظام التمثيل النسبي لتقليل الضرر وتوسيع مساحة التحكم في نتائج الانتخابات وقبل ذلك اسماء المرشحين. لكن أوكامبو يضر بكل ذلك. كونه يمثل تهديد كبير يضع المؤتمر الوطني تحت لا فتة الحزب صاحب الرموز المطلوبة دولياً، والمتهمة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية. وهي صورة ستكون جزء من حملة اعلامية قوية ضد مرشحي المؤتمر الوطني التي ستبعد لائحة أوكامبو رموزة ولاعبية الكبار، وستتسب وفوق ذلك بتقليل رصيد كسب المرشحين الاخرين، وكل هذا يفيد أن كل من يرد اسمه ضمن لائحة اوكامبو لا مجال إلا لإبعادة عن لائحة المرشحين وتحويله إلى خارج المعلب تماماً، بل لن يحظى حتى بمقد بين مقاعد المتفرجين كونه سيكون صاحب مقعد محجوز بمحكمة لاهاي. ولكن اين هي حدود أو سقف أوكامبو؟. يقول اوكامبو " لا لم أهاجم الحكومة السودانية على الإطلاق، أنا أقوم بالتحقيق فيما يفعله أعضاء في الحكومة." ويضيف اوكامبو " الحكومة السودانية عليها التزامات قانونية ولا يمكنني أن أتخيل أن تقوم الحكومة السودانية بنفسها بالتستر على الجرائم، لذلك آمل أن يكون هذا تصرفاً فردياً من بعض أعضاء الحكومة، وهذا ما يدفعني للأمل بأن تفي الحكومة السودانية بتعهداتها القانونية، لأننا في عالم اليوم نلتزم الحكومات أو تلتزم الحكومات الوطنية بحماية مواطنيها، وما نسعى لإثباته هو وقوع هجمات ضد أربعة ملايين مواطن سوادني، ولا يمكن تخيل أن تكون العملية برمتها مخططة من قبل الحكومة السودانية بأسرها، آمل أن يكون بعض أعضاء الحكومة مسؤولين عن ذلك وهذا هو ما يشعرني بالقلق وما يدفعني إلى الاعتقاد بأن عدم تنفيذ الحكومة لأمر الاعتقال يعد مؤشراً سيئاً للغاية، وسأقوم بمراجعة ذلك وسأتأكد إذا ما كان هارون الآن مسؤولاً عن المرحلة التالية، لكن بطبيعة الحال سأتأكد إذا ما كان هناك جهات أعلى في الحكومة متورطة في هذه الجرائم". انتهي الاقتباس عن أوكامبو –  حديث أوكامبو ونفيه أنه يهاجم الحكومة السودانية، وأنه يستهدف (أعضاء) فيها، وأنه لا يمكن أن تقوم الحكومة السودانية كلها بهذه الجرائم، وأن الذي يحدث بدارفور تصرفاً فردياً من بعض اعضاء الحكومة السودانية. كل ذلك يشئ بأن لأوكامبو سقف وحدود. وأن أجراءاته تتطلب كذلك وجود لحكومة تكمل مهمته وتتعامل معه وتسلم المتهمين. وهذا يعني مباشرة بأن لائحة أوكامبو لن تشمل كل الحكومة أو القيادات النافذة فيها. بل ستستهدف من بين أولائك من كانت له علاقة مباشرة بما يجري بدارفور. وهذا بعد آخر للبلبلة التي تزعج الحكومة والمؤتمر الوطني، كون الذين هم في مرمى الاستهداف من السهل تحديدهم ورسم خارطة المرشحين للآئحة أوكامبو كون الذين يباشرون المهام بدارفور معروفون داخلياً وخارجياً. لكنها كذلك تدفع بالصراع بين ووسط الحكومة وداخل المؤتمر الوطني. وكل هذا يربك الكثير من الحسابات والخطط والترتيبات التي تتعاطي مع الملفات الساخنة داخلياً والماثلة حالياً بالصورة التي تتطلب من كل قيادي أن يحسب حساب موقعه القادم ضمن اللاعبين الاساسيين أم من بين الذين سيقوم زملائهم من القادة الرموز الاخرين بتسليمهم لأوكامبو، وكيف سيدير ملف معركة حمايته، وما سقف الضمانات التي يمكن أن يطمئن إليها طالما أن هناك من هم غير مستهدفين ضمن القيادات العليا.  إن أوكامبو اصبح هاجس عالي الحضور ضمن الاجندة اليومية للحكومة والمؤتمر الوطني، وهو عندها أخطر من خليل أبراهيم وحركة العدل والمساواة. بل إن أوكامبو أصبح أحد أبر مهددات بقاء الحكومة ذاتها وربما هذا هو البعد الذي دفع إلى إعتبارة (إرهابي) كونه يقود نشاط (ضد الدولة) ويهدد نظام الحكم ودستور البلاد الذي لا تحترمه الانقاذ ولا تعتد به بل لا تعتبره اساس شرعيتها إلا اذا كان هناك مهدد حقيقي لكامل وضعها يمكن وضعه تحت طائلة (تقويض دستور البلاد). ولا يبدو في الافق أن هناك فكاك من أوكابمو والمحكمة الدولية، وأن المفر منها سينتهي إليها حتماً. ولكن هل هذه هي القراءة الوحدية لإجراءات أوكامبو؟. يقني أن لها آثار أكبر وأخطر، وأن الوقوف على ذلك يرسم شكل المستقبل القريب لوضع الحكم في السودان، وأنه يحتاج إلى سبر وتمحيص ودراسة تضع ملامحه أمام القوى السياسية، فتحسب وتتحسب له.