عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
تخيل أوكامبو محبوساً في سجلات بلاغات شرطة الخرطوم شمال!!؟، وأن ذلك أقوى سلاح بيد الحكومة لتواجه وترد على قرار محكمة الجنايات الأخير. المنهج مألوف ويعبر عن عجز الحكومة في مواجه احد معارضيها (المحليين)، فلتجأ إلى نشر إعلان مدفوع القيمة مدعوم بالصور والاسماء بالصحف عن مطاردة شرطة الانتربول الدولية للأسماء المذكورة بالاعلان، ثم لاشئ بعد ذلك. ولعله من المعلوم أن شرطة الانتربول الدولية لاتتعامل ولا تطارد السياسيين، لكن الحكومة وفي كل الاعلانات التي نشرت لم تكن تكترث أو تهتم لدلالة هذا البعد الذي ستحتاج إلية هذه الايام لإقناع العامة والخاصة بأن الموضوع سياسي وليس قضية قانونية. لكنه كذلك يعكس ويعبر عن منهج في التعامل مع الخصوم بات من المحفوظات التي لن يطلب منك احداً (تسميعها) اذ لا عقاب يترتب على ذلك. ذلك هو جوهر العقلية الحكومية التي تتعاطي التعامل السياسي وفق منهج محفوظ لا مجال فيه لأكثر أو أبعد منه فكل أدوات الاشتغال السياسي هي داخلية ولا اعتبار او وجود للآخر الخارجي وإن دلف إليك مباشرة ومن باب المدخل المشرع للداخلين.
كما أن نتائج الجهد الخارجي المبذول عاد بلا نتائج إن لم يكن قد قدم دعماً غير منظور ولا متوقع لترسيخ خط محكمة الجنايات الدولية من جهة ورسم وتجذير صورة الحكومة السودانية بين المجتمع الدولي. ذلك أن أول الأخطاء والادوار التي اطلع بها خط الحكومة الخارجي في مواجه محكمة الجنايات الدولية تركز حول تفعيل المادة (16) من قانون المحكمة (المتعلقة بالتأجيل لعام قابل للتجديد) وذلك قبل صدور قراراها بمدة طويلة تحسب بالشهور، وفي ذلك أقرار غير مباشر بكل ما ذهبت إليه المحكمة ولن يخدم خط الحكومة ودبلوماسيتها دولياً بل عكس ذلك يدعم خط المحكمة ومناصريها وبقوة. كما يعكس مدى التخبط الذي تعيشه الحكومة والمتلخص في أن المطالبة بالتأجيل تعني ضمن ما تعني اعتراف بالمحكمة وبما تقوم به، وهذا بعد آخر خدمته الدبلوماسية السودانية من حيث لاتحتسب ولم تجد له اذناً صاغية أو مستجيب يرحج غلبة خطها كونه ينطوي على ابعاد لم تكن مدروسة منها الاعتراف بالمحكمة والتعامل معها كشرط لتعيل المادة (16) ذاتها. ويبقى السؤال ما الذي يفسر هذا المنحى في مواجه الخرطوم لمحكمة الجنايات الدولية؟.
ضمن استعدادها لمجابهة محكمة الجنايات الدولية استنفدت الحكومة كل فرص وأسلحة التهديد والتي توجهت للمجتمع الدولي منظمات وسفارات بما يوحى باستعداد الحكومة لإفراغ السودان من كل منشط أو مؤسسة دولية أو أي اتفاقات ذات بعد أو طرف دولي، ومن جهة أخرى بزيادة جرعات التهديد لدرجة (تقطيع الاوصال) في مواجهة الداخل. وكان ذلك يعنى تأسيس كل السياسيات والردود الافعال بتركيز قبضة النظام بالداخل لدرجة إلغاء كل أعتبار أو موقف للشركاء والذين هم جزاءاً من النظام بحكم الاتفاقات الموقعه ولم يهمل ذلك التهديد ارسال الاشارات للشركاء. وكان هدف هذه السياسة هو إظهار الداخل السوداني موحداً في مواجهة المحكمة حكومة وشعب وشركاء وقد نجحت هذه السياسة حتى الآن  في ابراز موقف داعم للحكومة بلا شائبة معارضة ولو على هامش الهامش. لكن ذلك لا يعكس الحقيقة تماماً!!؟. ذلك أن مواقف الشركاء فارقت الموقف المعلن والمسنود من المؤتمر الوطني وحكومته، لتبقى أدوات السلطة والقهر هي الادوات التي ترسم لوحة لإجماع شعبي واسع لكنه مصنوع طالما كانت الحكومة تهدد الآخرين بتقطيع الاوصال في حال مساندة أو تأييد قرارات محكمة الجنايات الدولية، وتمنع أي تعبير أو حتى إبراز مواقف الشركاء والقوى السياسية الاخرى من محكمة الجنايات وضرورة التعامل مع المجتمع الدولي على صفحات الصحف اليومية عبر الرقابة اللصيقة والمباشرة للصحف. بل ذهبت الحكومة لأكثر من ذلك لإبراز الاجماع الشعبي عبر صناعة المظاهرات والمسيرات المساندة (للرئيس) ثم تعلن وقبل أيام بأنه وفي يوم كذا ستكون هناك مظاهرة (عفوية) ضد محكمة الجنايات الدولية ونصرة البشير. هكذا صنع السند الشعبي في كل مكان توجه فيه البشير لمخاطبة الجماهير وأصبحت كل بنود الصرف الحكومي مجيرة لصناعة الاجماع والالتفاف الشعبي حول الرئيس.
وعلى ذات منهج المظاهرات المصنوعة والاجماع الشعبي درجت الحكومة على صناعة لوحة (ديمقراطية) يسمح ضمنها للقوى السياسية باقامة مؤتمراتها وقد شهدت الاشهر الاخيرة الماضية قيام مؤتمرات ثلاث احزاب هي الشيوعي والبعث والامة، ولكنها ديمقراطية تخضع لذات شروط وظروف عمل الصحافة (الحرة) اذ تسمح لك الحكومة باصدار صحيفة لكن صيحفتك لن يكون لك حق اصدارها للقراء قبل تصحيح الرقيب وتحديد المسموع والممنوع، لتخرج من بعد شكلاً فارغاً يرسم ملامح ديمقراطية وحريات رأي بلا مضمون حقيقي. كما أن الاحزاب والقوى السياسية لايسمع لها رأي أو يبرز لها موقف في القضايا الخطيرة إلا (في حضرة الرئيس) شكلا مبتكراً وجديد للرقابة على القوى السياسية التي ليس لها أن تجاري أو تجامل أو تمنتع (عن التعليق). و على ذا السياق يمكن أن نحسب اطلاق سراع الترابي الذي ادخل السجن لتأييده للعدالة الدولية كما اسس وبرر لها هو، لتكون شارة ديمقراطية وتسامح (بعد العقاب)!!؟، لكن الحقيقة تبقى أن الترابي معادلة أخرى شديدة التعقيد وقد يترتب عليها ما هو أخطر مما يترتب على محكمة الجنايات الدولية اثراً ومباشرة!.
ليس هناك ما يفيد المؤتمر الوطني وحكومته. ذلك أنه (وبعد) صدور قرار محكمة الجنايات الدولية لن يكون مفيداً اذا وقف كل شعب السودان وقواه السياسية ضد المحكمة ومع البشير، أو وقفوا معها مؤيدين. ذلك أن معادلة الدخول للتعامل مع أزمة المحكمة يمكن في (الاعتراف بها) وأن الخارج هو ميدان المعركة وليس الداخل، تلك هي الاشارة التي ألمح إليها على عثمان في مؤتمره الصحفي الاخير ولكن بعد أن أكد وبقوة عدم الاعتراف بالمحكمة أو التعامل معها. وهكذا سيظل الطريق للتعاطي مع أزمة المحكمة أزمة مركبة لها طرفان وخاسر وحيد وفق أي معادلة واقعية أو متخيلة. وهذا مسار يؤكد الخسارة داخلياً وخارجياً مهما كانت حجم الاجماع السياسي والشعبي حول الرئيس أو مع المحكمة.
ورغم كل شئ يبقى أنه لم تلح في الافق بعد بوادر حل ما... ذلك أن معادلة الداخل لها طرف وحيد لا يعترف إلا بما يرى، والاغرب أنه لا يقبل في التعامل مع الخارج إلا بذات المنهج رؤيته وفقط رؤيته وما يقدم ودون ذلك فالترق كل الدماء. حفظنا الله وإياكم من عمى البصيرة والبصر.