أثناء مفاوضات السلام بين الحكومة والحركة الشعبية العام 2004م، انطلقت حملة اعتقالات واسعة وسط عناصر المؤتمر الشعبي. ولما لم تكن هناك مقدمات أو أي إرهاصات تستدعي تلك الحملة الواسعة، فقد كانت مثار دهشة كبيرة، دفعتني وآخرين لمحاولة استجلاء الأمر باللجوء إلى أحد عناصر جهاز الأمن (من الرتب الكبيرة)، وبعد طلب الستر المعتاد في تلك الأوقات، أطلق الرجل ضحكة داوية!، عرفنا فيما بعد أن دافعها هو استغرابه أكثر منا في حملة الاعتقالات تلك!!، ثم أوضح لنا أن النائب الأول للرئيس وقتها علي عثمان محمد طه والذي يباشر المفاوضات هناك بكينيا هاتف الرجل الأول بجهاز الآمن قائلاً " أنا هنا يبدو أنني افاوض المؤتمر الشعبي وليس الحركة الشعبية... يجب عليك وفوراً اعتقالهم جميعاً".

لقد وجد علي عثمان نفسه أمام ذات الموقف وبكل تفاصيله التي دفعت بقرار حل المجلس الوطني وإعلان حالة الطوارئ التي عرفت بقرارات الرابع من رمضان، والتي أفضت إلى شق الحركة الإسلامية إلى وطني وشعبي. فقد حملت حيثيات تفاصيل اتفاقية قسمة السلطة اعتماد حق الولايات في اختيار واليها بالانتخاب المباشر من شعب الولاية، ومضت باقي التفاصيل المتعلقة بتلك القسمة في أغلبها في ذات الاتجاه الذي دفع الرئيس ونائبه الأول وقتها لقطع الطريق أمام مشروع الحركة المتجهة إلى إطلاق الحريات واعتماد المنافسة الديمقراطية الحرة بين كل قوى السودان أنى كان ما تدعو إليه، وقد اكتملت ترتيبات واستعدادات المؤتمر الوطني (قبل الانشقاق) ليتحول من خانة الحزب الواحد إلى حزب منافس ضمن قوى وأحزاب أخرى سيفسح لها المجال واسعاً وفقاً لقانون التوالي السياسي وقتها. وقد حرصت مجموعة علي عثمان على تصوير الصراع على أنه صراع حول السلطة، يتعلق وبالتحديد بمقعد الرئيس الذي يسعي إليه حثيثاً امين عام المؤتمر الوطني ورمز الحركة الإسلامية حسن الترابي كما تصورُه وروجوه.

وكانت الحكومة قد أزعجها وأربك حساباتها تماماً إقدام المؤتمر الشعبي على توقيع مذكرة تفاهم مع الحركة الشعبية بجنيف. للدرجة التي اعتبرت فيه توقيع مذكرة التفاهم محض (خيانة وطنية) دفعت بها ووفقاً لها إلى اعتقال الأمين العام للمؤتمر الشعبي، وهو الاعتقال الذي امتد لعامين تقريباً وكان أبلغ تعبيراً عن مدى الإرباك الذي وقعت فيه الحكومة وحزبها المؤتمر الوطني. وليس خافياً ما مثلته مذكرة التفاهم بين الشعبي والشعبية من دفع للحوار الذي انتهي بتوقيع اتفاقية السلام، ومن حمل للحكومة للمضي والقبول بكل ما كانت ترفض وبقوة لدرجة التضحية بمشروع الحركة الذي دفع بالحركة الاسلامية لاستعجال الانقلاب والاستلام العسكري للسلطة في يونيو 1989م.

جاء إعلان عبدالله دينق نيال مرشحاً للرئاسة عن المؤتمر الشعبي، يحمل أكثر من مفاجأة للحكومة وحزبها المؤتمر الوطني!؟. فقد استقرت ورسخت في أذهان الحكومة والمؤتمر الوطني أن المؤتمر الشعبي لا يعدوا أن يكون لافته، يسجي بها رمز الحركة الإسلامية وقته مع بضع ممن بقي حوله، لكنه لا شئ، أما المؤكد والمؤكد جداً أنهم بلا شعبية، خاصة بعد نجاح الحكومة وأجهزة أمنها في التضييق عليه، ومنع التمويل عنه حتى وإن كان مصدره من هم أعضاء به، وقد أحكمت ذلك عناصر الأمن لدرجة الاطمئنان التام أن المؤتمر الشعبي لن يستطيع أن يتجاوز حالة دار يلتقي فيها بعض الناس مع استمرار العجز الدائم حتى عن سداد مبلغ الإيجار لتلك الدار. وعلى ذلك لم تتوقع أكثر تقديرات الحكومة والمؤتمر الوطني تفاؤلاً أن يكون للمؤتمر الشعبي مرشحاً للرئاسة حتى!، ناهيك عن أن يكون ذلك المرشح عنوان يحمل الكثير مما لا يتوقعه المؤتمر الوطني وحكومته، أو أن يكون مصدرها المؤتمر الشعبي!!؟. بل لم يتوقع المؤتمر الوطني وحكومته ووفقاً لكل الحسابات أن يجد المؤتمر الشعبي من يطرحهم مرشحين ضمن كل الولايات ودوائر المجلس الوطني، ومجالس الولايات. فالمؤتمر الشعبي عندهم خلاء وفضاء للتأمل والتأسي ليس إلا. لكن الذي حدث أن المؤتمر الشعبي ظهر بغير ذلك المظهر!. وطرح مرشحيه على كافة المستويات، بل لم يترك مكاناً خالياً إلا وفقاً لترتيب وتنسيق تم أو جار مع القوي السياسية الأخرى. و كان كل ذلك من قبيل المفاجآت التي غفلت عنها الحكومة وأجهزة أمنها وحتى حزبها (العملاق)، ليصبح مصدر تندر وسخرية وتلاوم بالحكومة وحزبها المؤتمر الوطني على التفريط الذي وقع، والذي جعل حتى مظهر المؤتمر الشعبي الانتخابي وهو يطرح مرشحيه على كافة الدوائر بلا ضجيج أو احتجاج أو تعدد في المرشحين كما هو حال الحزب العملاق ليس في مناصب الولاة، بل حتى في أصغر دائرة بمجلس ولاية حيث يحتدم الصراع ويتكاثر المرشحين الذين هم جميعاً مؤتمر وطني. كل ذلك وقد نجح المؤتمر الشعبي ومنذ المفاصلة ليس في تجسير العلاقات مع القوى السياسية، بل في التماهي معها والتوجه في معيتها لترسيخ (مبدأ) الحرية، واعتماد إطلاق الحريات والديمقراطية أساس للنشاط والحياة السياسية.

لكن مفاجآت المؤتمر الشعبي مضت لأبعد من ذلك!!؟، فترشيح عبد الله دينق نيال مثل نقلة جوهرية في القيادة يبرز فيها جيل جديد ودماء جديدة، بل أكثر من ذلك حمل رمزية فيها كل أزمات السودان التي تستوجب المعالجة التامة وضمانها الأتم. بل حمل ترشيح المؤتمر الشعبي لعبد الله دينق روح التحدي والاقتحام الذي لا يستسلم للنهايات المفروضة، بل يمضي قدماً سعياً حثيثاً لتمام وكمال وحدة السودان. فكون عبد الله دينق من الجنوب، وأنه حتى في حالة فوزه لا يمكن أن يستمر رئيساً وفقاً لترتيبات الاتفاقية لموقع الرئاسة في حالة انفصال الجنوب كونه ينتمي للجنوب، إلا أن رسالة المؤتمر الشعبي المتمثلة في ترشيح دينق تقول أننا لن نركن لذلك، وأن دواعي الاصرار والعمل على الوحدة لن تكون حدودها في تقرير المصير وإن كان ذلك خيار أهل الجنوب الذي يستوجب الاحترام وكامل الالتزام، لكنا ومنذ الآن وبهذا الترشيح نعلن موقفنا الراهن، ومسارنا في المستقبل الذي لا يرضى القعود دون تحقيق الوحدة المؤسسة على رضي الجميع ووفقاً للأسس التي يرون ويتوافقون عليها وإن طال الزمن. وأن ذلك هو مسارنا ووجهتنا فزنا بالرئاسة أو خسرناها.

كل ذلك والمؤتمر الوطني ما يزال وبترشيحه للبشير، يمثل الجمود، ليس في الأشخاص الذين ظلوا طيلة العقدين الماضيين قابعين بالمراكز العليا محتكرين لها، بل في الإصرار عليهم فهم كل الماضي والحاضر والمستقبل. بل لا يتورعون أن يكون الوطن ثمناً لبقائهم واستمرارهم وإن كان بتمزقه، ويجب أن يخضع كل الشعب ويصوت لهم، وإن أبى فبالتزوير، أو تعكير الانتخابات وافتعال الاضطرابات قبل نهايتها أو بعدها، وأخيراً برفض التنازل وتسليم السلطة في حالة فوز آخر غير البشير. ليس في طرح مرشحي المؤتمر الوطني من جديد سوى إسكات المنفلتين بشي من بندول أو وعود أو تعويضات أخرى.

تلك هي بعض الملامح التي تعكس خلفيات الترشيح أبعادها البرامجية التي غابت عن الساحة، لكن تبقى حظوظ الربح والخسارة تحسب بالأرقام (الأصوات) فكيف يبدو المشهد، ومن هو من يجب أن يحسب في عداد المنافسة، ومن مِن المرشحين بعيد عنها. ذلك ما سنختم به هذه السلسلة إنشاء الله في مقال قادم.

Abuthar Ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]