عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الخريطة الحزبية السودانية متاهة، لكثرة في العدد ( اكثر من سبعين حتي الان ) وتشابه في الاسماء. هذا امر طبيعي علي غرابته وتفسيره وفق هذا المقال ان المجتمع السوداني افتقد المهارة  اللازمة لصناعة الاحزاب بسبب انعدام فرص التدريب. فالحزب ليس مجموعة اشخاص ينظمون انفسهم حول فكره او توجه معين وإنما أيضا تفاعل مفتوح بين مكونات المجموعة المعنية ومحيطها المحلي والخارجي يضعه في حالة اختبار مستمر لمدي صلاحية افكاره وتوجهاته للاستجابة الي احتياجات المجتمع. إذا رسب في هذا الاختبار اضمحل وانتهي تدريجيا وإذا نجح ثبت انطواؤه علي العنصر الاهم الذي يجعل من الحزب حزبا وهو هذه المقدرة علي التفاعل ومن ثم التطور. علي ذلك ، فأن السؤال- الاجابه هو : من اين لاحزابنا تنمية هذه المقدره وهي لاتكاد تخرج من مرحلة منع شمولي قاهر وتخريبي الا لتدخل في مرحلة اخري اكثر توفرا علي هذه الخصائص من سابقتها؟ من هنا استحال عندنا تاريخيا اشتغال مايمكن تسميته قانون الاختيار الطبيعي حيث تذهب بعض الاحزاب جفاء وتبقي الاخري التي تنفع الناس، فأختلط حابل العدد المحدود من الاحزاب التي تستحق هذه الصفه مع نابل الاغلبية التي لاتستحق سوي مزبلة التاريخ، وكانت المتاهه. مازاد الطين بله ان نفس الظروف التي منعت اشتغال قانون الاختيار منعت أشتغال قانون اخر وهو قانون التطور من خلال الانقسام كما هو الحال في كافة الخلايا والكائنات الحيه. من هنا كانت الانقسامات الحزبية استنساخا عدديا للاصل في الغالب الاعم من الحالات وليست تعبيرا عن نمو تيارات اصلاح حزبي تفلح في تطوير الاصل او تنشئ بديلا اكثر تطورا منه وان حمل بعض خصائصة الجينية.

ومن اهم القضايا المرتبطة بالاخيره قضية الانقطاع والتواصل لدي تيارات الاصلاح الحزبي: بأي معني وفي أية وجوه والي اي درجه هي انقطاع عن الاصل بحكم حاجتها لمخاطبة القضايا المستجده التي اقتضت قيامها، وامتداد له؟  ماهو مدي تأثير درجة الانقطاع أو التواصل علي نجاح تيارالاصلاح او التجديد الحزبي؟  يعالج المقال هذه القضيه كما تتمثل في واحد من اكثر الاحزاب السودانية مساهمة بتعقيد الخريطة الحزبية السودانيه وهو حزب البعث العربي الاشتراكي إذ توجد ثلاث نسخ منه علي الاقل هي بعث ( بغداد ) وبعث ( سوريا ) وبعث ( السودان ). 

في المجتمعات والاحزاب المفتقرة لتقاليد الانفتاح الديموقراطي يمكن القول كقاعدة عامه بأن الحجج والمواقف المتصارعه بين طرفي المحافظة والتجديد لاتكون الفيصل الاهم في تحديد موقف قواعد الحزب المعين وانما المشروعية المستمدة من الانتماء الي الاصل. والحال ان ( تطور ) التكوين الداخلي لحزب البعث العربي الاشتراكي نحو الانغلاق الشمولي، ضمن ظاهرة  شملت كافة حركات التغيير والتقدم  بمقاييس النصف الاول من القرن الماضي، ترافقت مع نشوء انظمة تطورت بنفس الاتجاه.  علي هذا الاساس اتخذت القاعدة العامة المذكورة الشكل التالي فيما يتعلق ب " حزب البعث السوداني " الذي طرح نفسه كممثل لحركة التجديد في حزب البعث العربي الاشتراكي ( العراقي ) : بعد فترة تخمر وتباينات وخلافات داخليه طويله وصلت ذروتها عام 95 كانت قوة الدفع الرئيسيه ترجح كفة تيار التجديد فيما يتعلق بالجاذبية للقواعد. علي الصعيد السوداني كان الموقف الذي اتخذه هذا التيار بضرورة استعادة عضوية حزب البعث في التجمع الوطني الديموقراطي كرتا رابحا في يده لان التجمع كان وقتها في أوج تألقه اثر التوحد الكامل للمعارضه وتوصلها لميثاق اسمرا. وعلي الصعيد القومي العراقي كان الطغيان المتزايد للعنصر الديني التقليدي في خطاب قيادة صدام حسين وسياسات الدوله والحزب وجنوحها نحو العشائرية والاسريه منذ اوائل التسعينات ينفخ في اشرعته ايضا.  ولعل الدليل الاهم علي قوة تيارالتجديد بتأثير هذين العاملين الرئيسيين حينئذ ان جميع أعضاء قيادة الحزب القطرية بالداخل بأستثناء واحد منهم كانوا مؤيدين لتوجهاته السياسيه عندما طرح الموضوع للنقاش في يوليو 95، وان اثنين من اعضاء القياده المقيمين في بغداد لم يكونا علي وفاق تام مع الاثنين الاخرين، كما اتضح فيما بعد. هكذا بدا ان تيار التجديد قد حسم الموقف لصالحه عندما ظهر الخلاف للعلن عام 1997 ونجح في عقد اجتماع موسع لكوادر الحزب في الداخل تبني مواقف قياداته فيما يتعلق بخطأ قيادة بغداد بكيفية معالجة الموضوع من النواحي الادارية والتنظيميه.

      علي ان التطورات اللاحقة اثبتت ان هذا لم يكن الكلمة النهائية فيما يتعلق بصراع المحافظة والتجديد ومن ثم مدي الجاذبية للقواعد لان الملامح الكاملة لتيار التجديد لم تكن قد اتضحت بعد وبالتالي حدود خروجه ( انقطاعه ) علي الاصل بتجاوز التنظيمي والاداري من القضايا الي نقد شامل لتجربة البعث نظاما وحزبا، عراقيا وسودانيا وعربيا.  ففي الاطر الحزبية التي تخلو من ثقافة ونظم الحوار الداخلي لاسباب ذاتية وموضوعيه يستحيل تبلور أطروحات تيارات التجديد بشكل متكامل ومتساوي لدي كافة اطرافه منذ البدايه لان الحرية شرط الحيوية الفكرية الضرورية لذلك.  وبحكم تعقيد الصيغة البعثيه نظرا لطبيعتها المركبة من مستويين قطري محلي  ( سوداني، عراقي، يمني، الخ.. الخ..)  وقومي عربي فأن التأثير السلبي لهذا العامل في مسيرة تيار التجديد والصراع بينه وبين تيار المحافظه كان مضاعفا.

     عبر مجموعة كتابات ونقاشات شفهيه بعد عام 97 تبلور قدر من الفهم المشترك لمجموعة القضايا التي شكلت قوام تيار التجديد. اهم هذه القضايا هي : أولوية الديموقراطيه ومترتبات ذلك في نقد النموذج العراقي، العلاقة بين العراقي والسوداني، مفهوم الوحده والقومية العربيتين في الاطارين السوداني وغير السوداني. البروز المتزايد للجوانب غير التنظيمية والادارية في توجهات تيار التجديد علي هذا النحو، كان معناه الاتضاح المتزايد للمسافة الفاصلة بينه وبين الاصل البعثي العربي وامتداده السوداني ممثلا في مجموعة القيادات اوالكوادر التي اختارت البقاء في المواقع القديمه. ومع هذا الاتضاح بدأت البلبلة وسط الاغلبيه التي التفت حول تيار التجديد في بداية الانقسام لان العقلية البعثية كانت قد فقدت قابليتها للتعاطي مع قضايا ذات طابع فكري وحواري لاسيما وانها لم تكن متبلورة تماما عند طرحها ابتداء لذلك لم يكن واردا أن يتغلب مستوي الاقتناع بأطروحات التجديد علي الولاء المتمكن لمشروعية الاصل. الي جانب  هذا العامل المتصل بجدة الاطروحات في اضعاف جاذبية تيار التجديد( حزب البعث السوداني)، كان هناك تأثير محاولته الشروع بممارسة غير معهودة بعثيا لأدارة العمل الحزبي مؤسسيا بشكل تتوازن فيه الحريه مع الحد الضروري  من الانضباط في مفارقة كبيرة للممارسات السابقة التي جعلته شبيها بالانضباط العسكري. كل ذلك في غمار معركة تحتية مع الاصل ( حزب البعث العربي الاشتراكي، العراق- السودان ) كانت اقسي جوانبها علي تيارالتجديد القطع الكامل لموارده اللوجستية والماليه في ظروف التدهور المعيشي الطاحن، حتي قبل ان يبرز للعلن ، مما أوصل البلبلة الي حالات انفضاض عن العلاقة البعثية من حيث هي لدي البعض والي تعميق الشعور بالحاجة الي احضان المألوف من الافكار والممارسات ومن ثم العودة الي الاصل لدي البعض الاخر، الذي اتخذ لدي بعضٍ ثالث شكل الانضمام الي حزب البعث العربي الاشتراكي سوريا- السودان.

بيد ان الوجه الاخر لتضاؤل الوزن الكمي لتيار التجديد بابتعاد العناصر المهزوزة الانتماء اليه عنه  كان توفير درجة اعلي من الاستقرار مكنته من المضي باستكمال بلورة ادواته الفكريه ومراجعته النقدية للتجربة السابقة عراقيا وسودانيا  وارتياد مجالات جديده، اي التركيز علي نقطة قوته الحقيقيه بالاستجابة لمتطلبات النمو المستقبلي ( انظر كتاب مراجعات نقديه للبعث السوداني، مركزالدراسات السودانيه، 2008 ). ولكنه كان علي موعد مع اقسي الاختبارات لاستقراره وإمكانية نضوجه فكريا وسياسيا وقابليته للنمو وذلك بسبب سقوط النظام العراقي بالغزو الامريكي- الغربي عام 2003.  فالخضم الجارف لموجة الاحتجاج والغضب وشعور الاهانه الدينية والقومية والوطنيه بشحنتها العاطفية الكاسحه، التي فجرها بصورة خاصه الاسلوب البربري لاعدام رمز النظام صدام حسين عام 2006، أبعد قضايا الخلاف الجوهرية مع الاصل من حقل اهتمامات البعثيين لاسيما وان الاخير لم يتوان عن استثمار هذه الموجة لأستدرار التعاطف البعثي لصالحه الي اقصي درجة ممكنه مستفيدا ايضا من الزخم الكبير الناتج عن تناغمه مع التيارات الدينيه ونظام الاسلاميين السودانيين تجاه هذه التطورات.

ماساعد تيار التجديد في الخروج من هذا الاختبار بأقل الخسائر الممكنه  استمرار تمسكه بأطروحة الحوار البعثي-  البعثي التي ميزت موقفه في الصراع مع تيار المحافظة منذ بدايته انعكاسا لقناعته الراسخة بأهمية الاحياء الديموقراطي للبعث واليسار عموما، بينما بقي الاخير مصرا دوما علي رفض الحوار انعكاسا للمميز الرئيسي للعقلية المحافظه وهو كونها موئل الحقيقة الوحيد والنهائي.  بمرور الوقت  وبرود العواطف والانفعالات، اضافة لتأثير الاحوال السودانية حيث تركزت قضية التحول الديموقراطي علي رأس اجندة العمل السياسي، إكتسبت هذه الاطروحة أهمية متزايده  وعادت كفة الميزان للرجحان لمصلحة استقرار تيار التجديد وجاذبية اطروحاته عموما.  وخلال شهور يونيو ويوليو واغسطس الماضيه شهدت دار " حزب البعث السوداني " سلسلة من اللقاءات الجماعية المفتوحة  حضرتها في المراحل الاخيرة كوادر منتمية الي الاصل في مخالفة لتعليمات قياداته. 

بعد ذلك امام تيار التجديد الديموقراطي البعثي السوداني فرصة كبري لحسم موقف كوادر وقواعد حزب البعث العربي الاشتراكي لصالحه نهائيا لانه، بعكس الانطباع السائد حتي  في الاوساط البعثية نفسها، يجسد تواصلا مع الجوهر الايجابي للتجربة البعثية العربيه بينما تيار المحافظة ( البعث العربي الاشتراكي الاصل العراقي- السوري ) يمثل نقيضا لها. فنشوء حزب البعث العربي الاشتراكي في المشرق العربي خلال ثلاثينيات القرن الماضي كان جزء من ظاهرة التحديث السياسي التي انبثقت وقتها متشربة مناخ الديموقراطيه والعلمانية المترسب عن مؤثرات عصر التنوير والنهضه كما وصلت الي هذه المنطقه عبر جسري القرب الجغرافي والثقافي ( المسيحي ) مع اوروبا، قبل واكثر من غيرها. الامارات الكبري لذلك ( بعض التفاصيل في مقال قادم ) واضحة في تكوين مؤسس البعث ميشيل يوسف عفلق الذاتي وفي دستور وتوجهات وممارسات الحزب نفسه حتي اوائل الستينيات عندما بدأ تطوره التدهوري متخليا عن هذا التراث. تركيز تيار التجديد علي استقصاء مسألة التواصل والانقطاع من هذه الزاويه لايفيد فقط في الصراع مع تيار المحافظة والتقليد وانما ،والاهم بما لايقاس، انه يستجيب بذلك لحاجة سودانية ماسه وهي مقاربة أزمة الديموقراطيه بطريقة فعالة لكونها في الاساس ازمة إحياء أرهاصات النهضة والتنوير المحليه، الحاضنة الوحيدة للتنمية الديموقراطية المستدامه.