العافيه الديموقراطيه درجات ( 4 ): الازهري .. حامد كرزاي . .. Emmanuel Jal

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

+++++ الاتحاديون

هناك خصوصية معينه في ظاهرة التشرذم الحزبي السوداني كما نلمسها عند الاتحاديين تتمثل بالتساوي  في قامة الرموز التي يتمحور حولها كل قسم ما يعقد مهمة الترميم، وفي قول اخر إعادة التأسيس، بأكثر مما هي عليه عند الاحزاب الاخري. ومع ان القيام بهذه المهمه هو من مسئولية الاتحاديين انفسهم فأن في طبيعة الحركة الاتحاديه مايكاد يجعل ذلك واجبا وطنيا لاسيما بالنسبة لاولئك الذين ولدوا في بيئة ختمية- أتحاديه شأن غالبية اهل شمال الشمال. هؤلاء وغيرهم،  حتي اذا لم يكونوا منتمين للحركة الاتحادية، فهم بالتأكيد مدينون لها بتفتح بواكير وعيهم للحياة  العامه بأعتبار الحركة الاتحاديه في منشأها هي اولي صيغ مشروع التحديث السياسي السوداني كما يبدو جليا من حقيقة انها كانت حاضنة الحركات السياسية اليسارية والاسلامية التي جاءت بعدها، فضلا عن الحركة النقابيه. استجابة لدواعي من هذا النوع تخطر علي البال هذه التأملات حول شعار " تحرير لاتعمير".

 بصرف النظر عن الظروف التي رفعت فيه قيادة الحركة الاتحادية هذا الشعار فقد اضحي مدخلا مطروقا باستمرار  لنقد الحركة الاتحاديه من قبل كافة الاكاديميين والمفكرين السياسيين يحمل الازهري ورفاقه  مسئولية تفريغ الاستقلال والديموقراطيه من المحتوي الاقتصادي- الاجتماعي مافتح الطريق للانقلابات العسكريه. علي ان هناك مجالا للتشكيك القوي في صحة هذا النقد بأنعام النظر في حركة  التعمير الكبيرة الجارية أمام أعيننا هذه الايام.  علي ضوء كهرباء  التوربينات الاربعة الهادرة الان في سد مروي وعابرين علي الجسور العديده نصل الي سؤال جوهري حول معني مصطلح التعمير : هل يمكن الفصل بين التعمير المادي والمعنوي، بين تأمين غذاء الانسان وكسائه ومأواه وتعليمه وصحته، وتأمين حقه الطبيعي في الحريه؟ يقوم هذا السؤال علي افتراض صلة عضويه بين التنميه الاقتصادية والديموقراطيه بمعني ان استدامة الاولي مشروطة تماما بتوفر الثانيه.  فالمصنع ،مثلا، لايبقي دائرا اذا لم تجد سلعه من يشتريها لذلك فأن التوزيع العادل للدخل القومي كمصدر وحيد لتوليد القوة الشرائيه الكافيه جزء لايتجزأ من ديمومة دوران عجلة التنمية. ولكن التوزيع العادل للدخل القومي يبقي مستحيلا اذا لم يكن الانسان حرا وقادرا بذلك علي انتزاع نصيبه من هذا الدخل وحراسته بالتنظيم النقابي والحزبي في اطار نظام سياسي يرفع يد السلطة التنفيذية عن القضاء والاعلام والمجالس التشريعيه. وتاريخ الصراع بين الغرب والشرق حتي وقت قريب يقول لنا ان الانظمة التي توفر فيها هذا الشرط هي التي ظهر فيها من يقول بنهاية التاريخ عند نموذجها الليبرالي، مأخوذا بسكرة ظفرها الحاسم علي الانظمة التي انعدم فيها هذا الشرط.        

     الترويج المكثف والمستمر منذ الاستقلال، انطلاقا من نقد الشعار المنسوب للحركة الاتحاديه، لمفهوم التعمير الخاطئ الذي يحصره في الجانب المادي، ترتب عليه تكييف نظرة ووعي النخب وغير النخب بحيث اصبحت الشواخص المادية الملموسه هي المقياس الوحيد للتعمير. بذلك انفتح أحد أوسع الدروب لدخول الانظمة الدكتاتورية المتتابعه  لكونها الاقدر علي اجتراح هذا النوع من ( التعمير ) بحكم مركزية القرار فيها واستطالة أعمارها المتزايده من واحدة للاخري. والاخطر من ذلك ان المواطن العادي اضحي هو نفسه الصانع الاكبر لهذه الانظمه بعد ان تشكل ادراكه لحقوقه ومطالبه محبوسا في هذا المعني الجزئي لمفهوم التعمير معزولا عن العلاقه مع حقوقه السياسيه كشرط لازم لتنمية حقيقيه متصاعده. وهكذا فلا تكاد الديموقراطية تحضر بعد انتفاضه حتي يدفع الانشغال بالبحث فيها عن شواخص التعمير المادي العاجله الي نفض اليد عنها بالبرم واللامبالاه موجها بذلك دعوة مفتوحة للانقلاب التالي.

الضحية الاخري لانتشار هذا المفهوم القاصر لمعني التعمير كانت امكانية تطور الحركة الاتحاديه. فمنشؤها كحركة تحديث مرتبطه بطبقة وسطي فتيه وحيه وقتها كان معناه الصحيح انها حركة تعمير سياسي وأنها حققت  انجازات في هذا الحقل منذ تكوينها في الاربعينات بدورها القيادي في تأهيل العقل المديني النخبوي للتعامل مع  الديموقراطيه فكرا وتطبيقا وكانت بذلك المرشح الوحيد للمضي بالجمع بين الشقين المعنوي والمادي للتعمير بعد الاستقلال. غير ان الحركة الاتحاديه لم تنتبه لهذه الحقيقه وبقيت مهووسة بأنجاز " رفع العلم " مما اضعف اهتمامها بأرثها الاهم في التنمية الديموقراطيه، الوجه الاخر للتنمية الاقتصادية- الاجتماعيه، وهذا ماغلب نفوذ التيار التقليدي في تطورها اللاحق وتسبب في خصوصية متاعبها الحاليه. وهو امر ليس فيه عجب اذا ظل غير الاتحاديين من اهل العلم والثقافه والسياسه علي نفس الدرجه من عدم الانتباه موجهين نيران  نقدهم للمنطقة الخطأ في التاريخ الاتحادي فكانت النتيجة ان مازرعه هؤلاء من غفلة جماعية عن المفهوم السليم للتعمير حصده اهل الانقاذ هنيئا مريئا.  

+++ افغانستان  

العلاقة بين المعنوي والمادي في مفهوم التعمير هو ماتطرحه  علينا ايضا الانتخابات الافغانية التي جرت منذ ايام قليله. هنا، كما كان عليه الحال في العراق وماسيكون عليه في الصومال مع شريف شيخ احمد، تأتي الديموقراطية محمولة علي الدبابة والطائرة والمدافع الامريكية والغربية عموما، والملمح المكمل ان ذلك يحدث في مواجهة شرسة مع مقاومة محليه من اهدافها المعلنة تخريب العملية الانتخابيه.  أي ان الامر لايقتصر فقط علي ان حامل المشروع الديموقراطي اجنبي مسلح وراءه اجندة هيمنة عالميه وانما ان الحامل المحلي للمشروع المضاد لايتوقف عند البعد التحريري ففي كل هذه الحالات يتعدي رفض وجود الاجنبي الي فرض مشروع بديل لحمته وسداه فكر ديني قادم من اقصي كهوف التاريخ.   هل كُتب علينا خيار أبدي بين الاستعصاء الديموقراطي الذي يجعل شعوبنا ومستقبل اجيالنا أسير انظمة خالدة الاستبداد، والغزو الاجنبي كمخرج وحيد من هذا الاسر؟ تطالبنا هذه الانظمة بالتنازل عن حريتنا كأفراد مقابل وعد مغلظ بالتنمية واستقلال الارادة الوطنيه، بينما يطالبنا التدخل الاجنبي بأن نتنازل عن حريتنا كأوطان مقابل تأمين حريتنا كأفراد يَنتخبون ويُنتخبون، فأين المفر بين الرمضاء والنار؟     

+++ الانتخابات الرئاسيه

 في السودان كنا تفاءلنا عند توقيع اتفاقة نايفاشا بأن باب الخروج من حالة الاستعصاء الديموقراطي قد فتح ، حتي ولو مواربة. ولكن الامل ظل يشحب مع انتقال تنفيذ الاتفاقية من أزمة لاخري ماأستدعي تدخل جراح اجنبي إسمه سكوت قريشن، لانقاذ المريض. وبينما كانت احدي الافكار التي طرحت لانقاذ الوحدة الوطنية ترشيح السيد سلفا كير لرئاسة الجمهوريه، فأن الاقتراح المطروح هنا هو ترشيح شخصية جنوبية اخري إسمها " إمانويل جال ".  كثيرون قد يكونون سمعوا بهذا الشاب واستمعوا الي موسيقاه واغانيه ولكن الذين شاهدوه متحدثا علي المسرح أخذتهم قدرته المدهشة أيضا علي الحكي، علي رسم الاجواء بالكلمات ولغة الجسد وتعبيرات الوجه مع ذكاء سياسي المغزي في إحساسه ،وليس نظرته العقلانيه فقط، تجاه العرب والمسلمين. بهذه الخصائص يمكن لهذا المغني الشاب  تخطي الحواجز التي تقف امام تر شيح سلفا كير نابعة من حقيقة ان السوداني- السوداني بات فصيلة منقرضه بعد ان حل محله  السوداني- ( القبلي- الاثني- الجهوي ). ومن يقول بغير ذلك عليه ان يفسر لنا من اين جاء ويجئ المئات من هؤلاء المتعلمين الذين يشكلون وقودا وقيادات للحركات والتيارات الاثنية- الجهويه السياسيه القويه، وفي كل مكان وليس الجنوب ودار فور والشرق فقط.

إمانويل جال هو النموذج السوداني لمغنيي البوب ( pop singers   ( الذين يشعلون خيال شباب الدنيا كلها عبر كافة الحواجز حتي الايدولوجية الاسلاميه. وهذا مع وسائل الاتصال الانترنتيه والموبايليه ( رسائل نصيه، فيس بوك، يو توب وتويتر الخ .. الخ.. ) التي خدمت الصعود الاوبامي، يمكن ان يطلق حملة واسعة تدعو لترشيحه او تدعوه للترشيح  وذلك من باب إضفاء الحيوية علي المسارالانتخابي ذو الاتجاه المؤتمري الوطني الواحد. والاهم من ذلك ان هذه الحمله فرصة لأطلاق حركة مجتمع مدني تجتذب الاف الشباب الجنوبي والشمالي الي ساحة العمل العام، وحتي الي مشارفها السياسيه، التي عافوها طويلا.