(مقال وزع في يوليو الماضي بواسطة البريد الالكتروني علي عدد من مثقفينا )

الفقرة ادناه وردت في مداخلة بعنوان " الوعي الجماهيري " أدلي بها صاحب المقال في مارس 2016 وتشكل القاعدة التي تقوم عليها محاججته كما يلخصها عنوانه . " بالمعني المقصود من استخدام مصطلح جماهير ( القابلة لانواع الحراك المتعددة المنتجة لتقدم نحو الديموقراطيه ) هذه الجماهير غير موجودة حاليا ... لان التعريف البسيط لهذا المصطلح هو تشابه وتقارب المزاج والتطلعات والعمل المشترك بين السودانيين عبر انتماءاتهم الاولية في القبيلة والجهة والمجموعة الاثنية .. فطول فترة الاستبداد السلطوي واشتداد وطأته كسرت العمود الفقري لهذه القدرة وهو النظام التعليمي بتحويله الى اداة للشحن والتعبئة للاتجاه الفكري الواحد يمتنع فيه التعدد وحرية التفكير انعكاسا لانعدامهما في المجال العام كله ... وعندما اختلط ذلك في الشمولية الاخيرة بمادة دينية خام نصوصية وتراثية كثيفة هي بطبيعتها قابلة للامتصاص دون تفكير، كان التأثير ساحقا حقا علي العقل العام .. وبما ان اولويات الانظمة الشمولية غير منتجة تنمويا ( الجيش ، الامن ، الاعلام ) فأن تدهور ظروف المعيشة لدي الاغلبية شكل دفعة قوية في اتجاه التخلي عن التفكير العقلاني واللجوء الي الغيبيات الخالية من الروحانيات العميقة. ومثلما عدنا الى الاسلام بالطريق الخطأ فاصبح قوة تعطيل بدلا من الدفع التطويري عدنا الى القبيلة والاثنية بنفس الطريق فاصبحت حصونا ضد الانتقال الى الانتماء الوطني".

التداعي الاخطر لهذا الوضع هو تصدع الذاكرة والعقليه الجمعية ( السودانيه ) بنموذجها الابرز وهو ترسخ مطلب تقرير المصير في جبال النوبه والإشارات المماثله القادمة بقوه من دار فور . وفي هاتين المنطقتين وخارجهما تنداح دوائر التصدعات الاصغر الناجمة عن ضغوط المجاعة الصامتة والشامله مع فقدان امل المخرج، فنشاهد بعين الالم والحسره تحلل الوشائج الاجتماعية تدهورا او تصاعدا من القبلي- الجهوي الى العائلي بجرائمه البشعة بين افراد الاسرة الواحدة. يعني هذا إن المجال العام لم يعد حيزا للصراع السياسي والفكري المنتج، ،ناهيك عن ساحة التفاف حول خطاب وطني جامع عند الانعطافات الكبري ، وانما لصراع هويات وأثنيات وهموم تحت- وطنيه يحتشد بالتبسيطات والاختزالات وأحكام الابيض والاسود والاتهامات الجزافية. بعبارة أخري المجال العام اضحي بيئة طاردة للعمل السياسي الايجابي واحتلته الشعبوية التي تخاطب الغرائز والتعصبات.

حضور الصادق المهدي بفعاليته المعهوده في مثل هذا المناخ سيزيد الطين بله لانه سيستثير قائمة الانتقادات المعهودة ( السجل في الحكم، العلاقة مع النظام من خلال الابناء،طائفية- عائلية، المصالحات مع مايو والانقاذ، طول البقاء في قيادة الحزب الخ..) ولكن بتناول اجتراري غير موضوعي يختل فيه التوازن لمصلحة السلبي الذي لايقيم وزنا لمسافة التطور الشاسعة التي قطعتها قيادته،رغم الوضوح الصارخ لذلك بمقارنة سريعة مع الطرف الاخر الذي يجمعه به التصنيف التقليدي الرائج. يخسر الوعي العام، الهش أصلا، بشحنة الشعبوية الاضافية هذه ، وتتضاعف الخسارة المترتبة علي هذا التناول التجريحي بالنسبة للصادق المهدي لان عودته للداخل ستعني أيضا استهلاكا لوقته وانشغالاته الذهنية في خضم الاجتماعيات السودانيه المتفاقمة باستمرار نتيجة تجريف النظام الراهن لمجالات النشاط الترفيهي وغير الترفيهي.

من ناحية أخري عودة الصادق المهدي لن تفيد المعارضة بل ستضرها بتقصير قامته نتيجة التعامل المجاني العشوائي مع سجله فضلا عن أن التقدير المتواضع لصاحب هذه السطور يفيد بأن صيغة " نداء السودان " ،مثلها في ذلك مثل كافة صيغ المعارضة بما في ذلك الشبابيه وغير المنظمه، لاتعود قصوراتها الى قلة الجهود المبذولة ولاحسن النيه والاخلاص الوطني وراءها وإنما الى هشاشة القاعدة الشعبية التي تستند عليها نتيجة التصدعات المتزايده. تطاول أعمار أنظمتنا الشموليه وتقاصر أعمار الفترات ( الديموقراطية ) دليل علي الانحسار المتعاظم لمستوي الوعي العام مجسدا في عجزه عن مقاومة ثقافة الاستبداد وهو مايفسر حقيقة كون الانقاذ قادرة علي الجمع بين الماء والنار بين البقاء في السلطة وتطبيق سياسات كفيلة بتحشيد قوة لاقبل لها بمواجهتها، فالحقيقة هي إن هذه القوة غير موجودة بالمعني النشط والفعال. علي هذا الاساس فأن الايجابية النسبية لنداءالسودان بالمقارنة لكافة صيغ المعارضة الاخري، وهي كونها تضمن التأييد الاقليمي الافريقي والاوروبي والاممي ، لاتتحقق كاملة وخالية من الشوشرة وعرقلات النظام لحرية الحركه الا ببقاء الصادق في الخارج. حزب الامه لن يتأثر كثيرا نتيجة لذلك لان معطلات نشاطه عائدة، كما هو الحال مع بقية الاحزاب والمعارضات، الى ضعف الحيوية الجماهيرية كما أن وضع الصادق المهدي الامامي لطائفة الانصار قيادة روحية معنوية لاترتهن بحضوره الفيزيقي الشخصي. وعلي كل فأن الغياب نفسه لن يكون مفتوح النهايات زمنيا.

في المقال المرفق، وكتابات اخري اكثر تفصيلا، طرح صاحب هذا المقال مالديه من تخريجات حول كيفية إعادة تأسيس استراتيجية المعارضة بما يخدم هدف إعادة تأسيس الذاكرة الجمعية وترقية الوعي العام : عملية تحول/انتقال ديموقراطي طويلة المدي تبدأ بتسوية مع النظام مكونها الاهم انتخابات أولي نزيهة نسبيا. هذا ، للمفارقه، مايجعل العيوب المعلبة المنسوبة لقيادة الصادق المهدي وتتلخص في قربه من النظام وطائفيته، ميزات تؤهله لدوره القيادي فيها، ناهيك عن الحقيقة التي لايمكن إنكارها، مهما كان الخلاف حول تقييم مجمل سيرته السياسية، من أنه الاكثر تأهيلا من بين سياسيينا لادائه، علي الاقل بحكم وزنه الخاص المستمد من شرعيته وعلاقاته بالاوساط الاقليمية والدولية . وبما ان هناك امتناعا لتحقق هذا السيناريو، الوحيد الذي يجعل حضور الصادق المهدي في الداخل إيجابيا، فأن لبقائه في الخارج بالمقابل إيجابيات مؤكده إذ يمكنه توظيف هذا الوزن الخاص لخدمة المعارضه بتأمين استمرار وتعظيم التأييد الاقليمي وغير الاقليمي والاهم من ذلك، في تقديري، انه سيتمكن من التفرغ للنشاط الفكري وتوطيد مركزه في الدوائر الاقليمية والدولية في هذا المجال وغيره، مما ينعكس ايجابا علي صورة البلاد وأضيف: من حق الصادق المهدي أن تتاح له فرصة التفرغ لتحقيق ذاته كاملة في هذا المجال طالما تعذر استمراره في اداء دور سياسي مباشر.

21 يوليو 2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////