موضوع خوض الانتخابات من عدمه الذي أثاره ( بدون ألقاب ) السر سيد احمد وعقب عليه مطولا كل من النور حمد والباقر العفيف، اجتذب الي ساحة النقاش عددا خر من مثقفينا ( صديق الزيلعي، صديق محيسي، ضو البيت وغيرهم )، ينم عن قدر كبير من الخزين الثقافي والمعرفي ومقدرة موازية علي التعبير السلس عنها. يعتبر هذا، في حد ذاته، إنجازا ملموسا غض النظر عن النتائج النهائيه، وإن كان يصعب مهمة استيعابه وتاليا تقديم تعليق مستوف عليه. الاغلبية الساحقة من ذوي الاستعداد الطبيعي والدافع الذاتي للتطور نحو مثقفين نوعيين يضارعون مجايليهم اقليميا ودوليا نشأوا تحت ضغوط انغلاقات شمولية متتابعة جعلت الوصول الى ابسط مصادر الثقافة، ناهيك عن التواصل الحر مع اقرانهم داخليا اومع المجالات النظيرة في الخارج، نضالا يوميا. الحيوية الاستثنائية للنقاش المفتوح حول جدوي المشاركة في الانتخابات، ومن اهم إشاراتها اختلاف المواقف حولها بين منتمين الى تجربة سياسية-فكرية واحده، يشكل اختراقا ما للظروف المعرقلة لاستيلاد مثقفين من الدرجة الرفيعة مما يحفز علي المساهمة حسب المقدرة، كما هو حال هذه السطور .

التطور السياسي الحديث في السودان انتهي الى تحكم مديد لسلطة انحدر مستوي أدائها من العجز عن الانجاز الحقيقي الى تهديد البقاءالمجرد للبلاد، دون نشوء مقاومة ذات وزن. وفق إدعاء هذه المداخلة في هذا قول كثير عن خلل الرؤية الحاكمة لاستراتيجية المعارضة. فالمفترض إزاء هذا المآل ان رد الفعل المعارض يزداد قوة بمقدار ازدياد دواعيه في درجة عجز النظام، بيد إن الذي يحدث مشهودا امامنا هو العكس : المعارضة تزداد ضعفا، يبدو تجليه الاهم واليومي في التزايد التفتتي لاطرافها، بمقدار مايعجز النظام حتي عن الحفاظ علي وحدته ناهيك عن الوفاء بالحد الادني لمسئولياته كسلطة حاكمة. ظاهرة التناسب العكسي هذه تزداد وضوحا علي خلفية ان هذه الاطراف لاتختلف علي الهدف وهو إسقاط النظام وإن بصياغات مختلفه اختلاف الوسائل بين سياسية او انتفاضية او عسكريه، علما بأن اختلاف الوسائل كان قابلا للتغلب عليه، حتي لو افترضنا جدلا انه سبب الضعف، بالاستفادة من التجارب، لاسيما وإنه اختلاف نسبي. الفشل في هذا دليل في حد ذاته علي ان التدهور الكمي للمعارضه ناتج عن تدهور نوعي،لان احد مؤشرات الاخير القدرة علي الاستفادة من الدروس.

إذا صح الزعم بوجود هذه الظاهرة فان مناقشة موضوع الايجابي والسلبي في دخول الانتخابات سيكون في افضل الاحوال ذو فائدة محدودة،كما سأوضح لاحقا، لانه بمثابة تفرع من أصل يتعين إستقصاء أسبابه تمهيدا لمعالجته وإلا فأن المعارضة تغدو شريكا كاملا للنظام في المآل الكارثي لسياساته بمساهمتها المباشرة في استمرار قبضته علي السلطه رغم تصدعاته الداخليه، غض النظر عن النوايا.

بداية الاستقصاء : فكرة مؤداها أن سياسات الانظمة الشمولية، في العالم غير الغربي والمسلم- العربي خاصة، تخلق ظروفا تضعف تيارات المقاومة الفعلية ضده، لكون هذه الانظمة ، في العمق، ناتج شيوع ثقافة الاستبداد الموروث والمكتسب. القاعدة العامة هي ان انظمة البعد الواحد الدكتاتورية الطويلة العمر تنشأ في مجتمعات لم تتعرض لعملية تحديث تنويري الافق يهز هياكلها التحتية والفوقية بما يكسر القوالب التي يتشكل فيها عقل الانسان علي نمط غير بعيد عن اسلافه . من هنا فان الترياق الاكثر فعالية ضد هذه الثقافة والانظمة التي تعيش عليها، هو تنمية قدرة الفرد علي التفكير الاستقلالي والانفكاك التدريجي من اسر علاقات القرابه والنظرة التقليدية لشئون الحياه . دلائل ذلك بوجهيه واضحة سودانيا في أن ابريل 85 كانت اقل ( ثورية ) من اكتوبر 64. فبينما ظلت قوي اكتوبر تصنع انتصارات متتاليه لفترة في انتخابات الدوائر العامة والنقابات والمجال الادبي والفني ،حتي بعد استيلاء الاحزاب الكبيرة انتخابيا علي سلطة الدوله، سنلاحظ ان حركة الاسلام السياسي المتحالفة مع الدكتاتورية المايوية هي التي استمرت تصنع (الانتصارات ) بعد ابريل 85 : اختراق مؤسسات الانتفاضة التشريعية والتنفيذيه الانتقاليه ثم الهيمنه علي المجال العام الاعلامي، والى حدود كبيرة ، السياسي ايضا كما اوضحت نتائج انتخابات 86. وجاء إختطافها لسلطة الدولة منذ عام 89 ليمكنها من تعميق نفوذها السياسي والايديولوجي مما يتجلي اثره واضحا في احتفاظها بالسلطة لثلاثة عقود تظل علي افق مفتوح، إشارة قاطعة الى تضعضع قدرة المجتمع علي مقاومة بنية الاستبداد المتمنكة في ثقافته التقليدية في غياب جهد معارض مدروس ومنهجي. فالشمولية الاشمل من سابقتيها لنظام الانقاذ، هي في واقع الامر، ناتج عملية انخفاض في منسوب الوعي الديموقراطي المضاد لثقافة الاستبداد في المجتمع شرع يترسب مع دكتاتورية 58 متفاقما بمعدلات متزايدة مع دكتاتوريتي مايو ويونيو، أي علي مدي أكثر من نصف قرن علي الاقل، وناتج ايضا عن عدم التزام المعارضة باستراتيجية قائمة ،هدفا ووسائل، علي تنمية وتعظيم الوعي الديموقراطي بمختلف تجلياته : التركيز علي الفيل وليس ظله مهما ترامي واتسع، علي المنبع وليس الجدول مهما فاض ودمر، علي السبب وليس النتيجة ،حتي لو اصبحت سببا فيما بعد.

فات الوقت الذي كان ممكنا فيه اعتبار إسقاط النظام هدفا، حتي لو قبلنا جدلا إن ذلك كان الخيار الاصوب منذ البداية النوفمبريه، لكونه يتجاهل المنبت المجتمعي للانقلاب. فالخلل في ميزان القوي لمصلحة النظام ، معززا بثقل شعورالمعارضه بالمسئولية عن تفادي احتمالات انهيار الاوضاع الكلي ،بعكس النظام الذي تسبب فيها، بلغ حدا من الرجحان ضدها بما يجعل المعركة المباشرة معه خاسرة سلفا وليس من دليل أقوي علي ذلك من تعددها اشكالا ووسائل وتضحيات متواصلة طوال عقود ثلاثة، مما حدا بالاطراف الاقليمية والدولية ان ترتب امور مصالحها المباشرة والجيوبولتيكية معه.

هناك في تجارب العالم من حولنا مايدلنا علي الاستراتيجية الصائبة للعمل المعارض تتمشي في الوقت نفسه مع الفهم الصحيح لعلة وجوده الاصليه : كافة تجارب التحول/ الانتقال الديموقراطي في العالم المعاصر ( أمريكا اللاتينيه ،اوروبا الشرقيه، اسيا، افريقيا وتونس نموذج الربيع العربي الوحيد الناجح ) قامت علي صيغة للنظام الدكتاتوري مكان فيها يتفاوت مقداره من تجربة الى اخري حسب وضع ميزان القوي، وانتهت جميعا بمرور الوقت الي تأسيس نظام ديموقراطي مستقر لامكان للاستبداد وتجلياته السياسية والثقافية فيهه إلا عابرا وهامشيا.في السودان تقديري ان حالة توازن القوي الراهنة لاتسمح، في بداية عملية الانتقال / التحول، إلا بصيغة للنظام مكان رئيسي فيها مصحوبة بتنازلات من جانبه تحقق انتخابات نزيهة الى حد او اخر، ستنتهي الى نفس المطاف ولكن ربما علي مدي زمني أطول واعتمادا علي ضمان التزام النظام بوعوده.

سجل النظام بهذا الصدد يثير تشكيكا مشروعا حول مدي نجاح الفكره، يعالجها هذا المنحي في التفكير علي النحو التالي : لابد من تحوير في استراتيجية المعارضة يعوض عن ضعف التجاوب الداخلي معها الناجم عن تراكم أخطاء استراتيجيتها السابقة، بالاتجاه نحو كسب تأييد دول الخليج والصين لهذه الصيغة الجديده. هذه الاطراف علاقتها مع النظام قريبة لمفهوم التحالف معه مما يجعله اكثر استعدادا للتجاوب مع نصائحها/ مطالبها بينما توفر الصيغة المعروضة من قبل المعارضة عليها ضمانا اكبر لحماية استثماراتها السياسية والاقتصادية نتيجة استقرار اوضاع البلاد ودون انتقاص كبير من نفوذ حليفها. عكس هذا العلاقة مع الغرب التي تقتصر جهود المعارضة لكسبها الي جانبها حاليا:تأييده للصيغة مضمون ولكن بالنظر لمناخ تخلف الوعي العام السائد حاليا بخلطته الدينية- الوطنية الزائفة، أي محاولة للضغط علي النظام لتقديم التنازل المطلوب سيستغلها لتقوية موقفه بتصوير نفسه كحامل لواء الحرب ضد الكفر والاستعمار/ الاستكبار.
وجهة التفكير هذه تلتقي مع النور حمد والسر سيد احمد في عدم جدوي التعويل علي ثورة شعبيه لاسقاط النظام. ومع انها تقبل مقترح خوض الانتخابات الذي يطرحانه مع اخرين ، إلا أنها تفترق عنهم فيما يتعلق بمستوي التوقعات لان محور الوجهة القائم علي انخفاض مستوي الوعي العام ،يعني ضعف إمكانية افتراع بارادايم جديد بتوظيف عملية الدخول للعمل مع الجماهير ونيل تفويض منها. فالافتراض الذي تسنده الوقائع حسب هذا المقال، هو الضعف الشديد في الحيوية الجماهيرية إذ لو توفر هذا الشرط لما اصبحت الانتخابات الوسيلة الوحيده لان الاستراتيجية الراهنة للمعارضة القائمة علي اوللة إسقاط النظام كانت نجحت بما لايستدعي البحث عن مخارج اخري. والحال إنه في ظل الواقع القائم أقصي مايمكن لتطبيق المقترح ان ينجزه هو تنشيط الجو السياسي ووضع قيادات المعارضة أمام الابعاد الكاملة لمسئوليتها: إعادة تأسيس جذرية افقها ديموقراطية مستدامة ولكن بأقدام مغروسة في واقع تشح فيه حاليا القوي المؤهلة لاداء هذه المهمة .
16 يوليو 2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.