أندية الرياضة واحزاب السياسة في السودان-1954-1958

د. عبد السلام نور الدين       

"ا"

  العلية السحرية  , الهلامية ، حسن التخلص ، والتفكير بالرغبات

يبدو ان حزب الأمة الذي أصيب بهزيمة ساحقة في اول انتخابات برلمانية  1954- قد أعد ما استطاع  على كل المستويات  لمنازلة وهزيمة غريمه الوطني الاتحادي في الانتخابات البرلمانية الثانية 1958- ففوجيء تجار الوطني الاتحادي سيما في كردفان ودارفور بسيارات الجيب الامريكية الصغيرة سريعة الحركة  ذات الكفاءة العالية في تسلق التلال وخوض الرمال والمناورة عبر المضايق الثابته في مزالق الاودية والترع " والفول" والمستنقعات الشيء الذي لا يتيسر للأندروفرالبريطاني او الشاحنات الضخمة التي تتوفر لدى فئة تجار الاقاليم الغربية وعلى واجهاتها نقش بخط مزوق : حزب الأمة رمز القوة .

ولما كان  لتجار الوطني الاتحادي من كردفان ودارفور في ذلك الزمان  النفوذ المالي الواسع  والهيمنة على اسواق الحبوب  الزيتيه والمحاصيل ، والصمغ العربي والجلود والمواشى  وزراعة التنباك وشعبية عامرة في اوساط  سكان المدن ٍ[ تندلتى ، ام روابه ، رشاد ، ابو جبيهه ،  الدلنج ، كادوقلى ، الرهد ، الابيض ، بارا ، ابو زبد ، النهود ، الاضيه ،  ام كدادة ، الفاشر ،  نيالا ، كاس ، زالنجي ، الجنينة ]  في الوقت الذي يتمتع فيه حزب الامة بدعم وحماس المزارعين المنتجين لتلك المحاصيل والحبوب الزيتيه والمعنيين بتربية المواشي  - الذين شكلوا ما يشبه الاحزمة الممتدة التي تعادى وتحاصر مدن التجارة   – فقد تحولت انتخابات 1958- بين  حزب الامة والوطني الاتحادى الى مبارة سياسية بدرجة حرب اهلية سلاحها صناديق الاقتراع والهدف النهائي اكتساح الدوائر الانتخابية-  لم تك الحرب الاهلية تدور بين الطرفين المتنازعين حول تحديات الاستقلال وقضايا الريف والمدن – كاسعار المحاصيل والحبوب الزيتيه ، والمواشي ، التي يتحكم في تحديدها التجار ووكلاء الشركات والبنوك وهى فئة محدودة العدد حتى داخل  المدن التي يحاصرها الريف شكلا ويخضع له موضوعا ومضمونا ولم تك تلك الحرب الاهلية تدور حول الضرائب  او الخدمات الطبية – والتعليم – والامن – والعدل وابسط  المقومات الضرورية لسكان الارياف ،  كتوفير الطعام في سنى الجفاف – وابار المياه الصالحة للشرب والتي تفتقر اليها جميع الاحزمة الريفية بصورة تكاد ان  تكون كاملة وتحصل المدن على بعضها بشح يصل احيانا درجة العدم.

 كانت حرب انتخابات 1958 الضروس -  تدور حول غايات هلامية فوق مدارك الذين يخوضونها من سكان الارياف وفقراء المدن الذين يشكلون اكثر من 70%  من قاطنيها ، وكان على الذين كتب عليهم دخولها ان يتناسوا المظالم العامة التي تحيط وتحيق بهم ، وان يتخلصوا من تحيزاتهم الاثنية والمدينية والريفية  ومعتقداتهم الطائفية وثقافاتهم الشعبية  وان يرتفعوا فوق الامية التي تحد من مساحة الكون في تصوراتهم العقلية، ولما كان ذلك طلبا للمحال فقد كانت حربا ضروس بحق ولكنها عبثية بكل ما تحمل الكلمة من معان.

ويبدو ايضا ان قيادات الاحزاب والطوائف الكبرى المؤتلفة منها والمختلفة قد تواطأت على امر واحد – ان ترفع وتائر التنافس ودرجة حرارة التوتر بينها  مع اخفاء ماكر للقاسم المشترك الاعظم بين تلك الاحزاب وطوائفها الكبرى وان يتم تجاهل اى  هدف آخر يتجاوز حرب الانتخابات الدائرة بينهم – لكل ذلك كان الهم الاكبر لكل حزب ان يتقن  صناعة عرض الانتخابات والتفاخر بقدراته ومواهبه في سحر البيان الهلامى وفي دفع الآخر الى المطبات ومستنقعات المآزق ،  ولما كان الامر كذلك فقد داهم تجار الوطني الاتحادي احساسا فاجعا بالحرج  ... امام جماهيرها  فى وجه الاعداد التى لاحصر لها من سيارات الجيب الامريكية التي يقودها حزب الأمة رمز القوة والتي تتقافز من كل حدب وصوب كالخيول الرامحة في ميادين السباق فتخلب الافئدة وتقسرهم على التقهقر الى الخلف على مرآى  من انفسهم وقبل ذلك على مرأى من الجميع ،  ولم يك امام تجار الوطني الاتحادى سوى ان يهرعوا الى " جراب الحكمة " السيد الشريف حسين  الهندي ليمدهم بالرأى السديد.

.......   ايها الشريف – أنا  لنا بعربات تملأ الارض برا وبحرا كما ملأها حزب الامة بذلك الجيب الامريكي الذي ترفرف اعلامة في الجو خفاقة : " حزب الامة رمز القوة " ؟؟

ولما كان الشريف كعادته دائما ذلك الرائد الذي لا يكذب اهله فقد اجابهم بشيء من التحفيز والاستنكار والتوبيخ :

.......  ولماذا هذا الهلع الذى اراه فى وجوهكم ونحن اكثر من حزب الأمة شاحنات ،  ولاندرفورات ، واليات تجوب السودان عرضا وطولا ،  مالكم  لا تبصرون من حلفا الي نمولى ومن محمد قول  الي اردمتي ؟؟؟

.......  واين تلك الآليات والشاحنات واللاندروفرات التي تتحدث عنها ايها السيد  ولانراها ؟

.......   انظروا جيدا في كل اتجاه واعلموا علم اليقين  ان كل شاحنة, جيب ،  لا ندروفر – جرار, قندران لا يحمل في واجهته حزب الامة رمز القوة فهو خالص للوطنى الاتحادى.

وبغتة انفجرت الحشود بكل ما تملك من صخب الحماس بمفاجاءة الانتصار الغامر صارخة مهللة بالنصر المبين وانطلقوا يتحدون حزب الامة باليات اكثر عددا وقوة . وكانت النتيجة في تلك الانتخابات ان مني الحزب الوطني الاتحادي بهزيمة لم يعد نفسه لها او يتوقعها ولكنها بالطبع  ليست نتيجة لسيارات الجيب او قلة عدد الياته وشاحناته.

الجسر المعلق  بين جدة وبورتسودان :

قد تأتى للسيد هاشم بامكار ، ابن الشرق البار ، الرجل القوى  في كل العصور ، والنائب التاريخى لمدينة بورتسودان في البرلمان الاول وبعض الأخريات التاليات -  الذي طبقت شهرته الافاق  للطريقة المحببة   التى يتحدث بها عفوا وقصدا .   قد تأتى له وبضربة واحدة ان ينفذ مباشرة الى ام الاماني والرغبات التي تمور في قلوب جماهير دائرته وعموم اهل البجة .  ظل هاشم يلخص برنامجه الذى لا يبلى في امنية عزيزة  بانه سيعمل جاهدا اناء الليل واطراف النهار اذا ما تسنى لجماهيره ان تشرفه بتمثيلها في البرلمان -  ان يحمل حكومة الخرطوم على بناء جسر عريض وطويل يمتد من مدينة بورتسودان الى جده وبالعكس ،  ليكون ذلك مفتاحا لحل كل المعضلات والازمات التي تعاني منها جماهير دائرته وكل مدن البجة .

ولما كانت شعل تلك الحكاية التي تتجدد بانتظام لا تنطفىء ابدا فى قلوب اهل الشرق  ظل هاشم بمكار على الدوام مواكبا ومتألقا – وظل منطق ذلك البرنامج  الحالم الذى لا يتحقق  إلا على مستوى تجدد الرغبات حاسما في فوزه.

المدرسة والسيل العرم والسد المنيع:

من ذا الذى يحرؤ على مجرد الامل باحراز دائرة انتخابية للختمية وحزبها الشعب الديمقراطى في مليط وكتم ، وكبكابية ،  وودعه   ومنواشي، والجنينة ،  في النصف الثاني من عقد الخمسين في القرن الذى مضى ؟

ولما كانت الخطابة فى دوائر الاحزاب  لا تستدعى محاسبة على طرائق التصور والتصديق او تفرض على الخطيب ضرائب ، فقد جرؤ  على ذلك خطيب مفوة على طريقته الخاصة -  وسياسي لا  يشق  له غبار  من دارفور -  الاستاذ ادريس حبيب : الذى ازدهر بين 1956-1958 وسارت باشعاره عن كتم ذات الهواء الطلق واقواله المأثورة الأخرى -  رواة عجائب الاخبار.

قد سار ادريس حبيب  فى نهجه الخطابى السياسي على طريق عامرة عبدها الشيخ على عبدالرحمن الضرير ،  واحمد السيد حمد ،  وعقيل احمد عقيل ،  ويحي الفضلى ، والشريف حسين الهندي ،  ومحمد احمد محجوب ، وعثمان جادالله واخرين  زينوا سماء احزاب الاشقاء والاتحاديين والاستقلاليين بمصابيح مبالغاتهم وشعل مطارحاتهم  ومغالطاتهم النارية التي اضحت بالنسبة لخطباء الدرجة الثانية والثالثة والرابعة من انصارهم ومشايعيهم ،  سيما في اقاصى الاقاليم نماذج تحتذى.

تقول الرواية : ان ادريس حبيب وقف يوما خطيبا فى محفل سياسي  يطل على الوادى الذى يفصل آنئذ بين مدينة نيالا وبراريها الجنوبية ويبدو ان تهاليل الاستحسان من قبل مستمعيه القرويين قد انعشه واسكره فانزلق على قشرة الخطابة منحدرا الي قاع المبالغات :

.......    يا اهل الوادى سنبنى لكم فى عمق هذا الوادى مدرسة ٍِ.

[ فبادره طفل يجلس على اكتاف ابيه ] قائلا:

.......   " يا ابو  ادريس سيل بيشيلى  ( سيجرفها السيل )

[ فرد عليه ادريس  حبيب وقد تفتقت فيه  سرعة البديهة وقوة العارضة  في لحظة    حسن تخلص ناردة ،  قائلا:

.......   وسنبنى لكم سدا منيعا.

ان منطق بناء مدرسة فى عمق مجرى السيل ثم اقامة سد منيع لحمايتها منه يلخص ببلاغة احدى نماذج النهج الخطابى الذى درجت عليه الاحزاب السودانية منذ نشأتها الاولى .

لابد ان صورة بناء مدرسة فى قلب ذالك الوادى الجارف التدفق حينما يكون موسم الامطار صاخبا  ،   قد بدت لادريس حبيب  في احدى رمحات تجلياته  لحظة اغراء خطابية  لا تقاوم لاختراق  قلوب وعقول سكان القرى على ضفتى الوادي  الذين يدركون بتجربة الحرمان ان بناء مدرسة ابتدائية لابنائهم حلم عزيز المنال .  قد نسي ادريس حبيب  في زخم التفكير  بتداعيات الخطابة  والرغبة الجانحة  في مغازلة حرمانهم  ان بناء مدرسة في عمق مجرى الوادي  يتعارض مع اوليات الفطرة السليمة ،  فلما نبهه طفل صغير للكارثة التي يمكن ان تحدق بتلك المدرسة  اخذته العزة  باثم مغالطات المبالغات  فبنى لتوه سدا منيعا .

المأساة ان فكرة بناء المدرسة  دع عنك الوادى وذلك السد  قد نبعت لدى ادريس حبيب  من تداعيات اللحظة الخطابية ولا مكان لها  في برنامج حزبه الذى لم يكتب اصلا.

عبدالسلام نورالدين