محاولة لقراءة  مفارقات بعض صناع القرار السياسي في السودان

كتب هذا المقال عام 1995 ونشر بعدئذ

د. عبدالسلام نور الدين

 

الكحل في عين الأعور :

 

سميت الفرقة الاسلامية التي عرفت في القرن الأول الهجري بالمعتزلة أو الاعتزال من موقف له تاريخ ودلالة في علم الكلام وفقه السياسة في الإسلام . إذ ثار جدل عاصف في دوائر الفرق الاسلامية [ أهل السنه ،  والشيعة  والخوارج ،  والقدرية ، والمرجئة ] حيال التواجه مع الحكم الأموي وكيف يصنف لاستبداده بالأمر دون المسلمين جميعا لجوره ،  وتسلطه على الخاصة والعامة ،  واستخفافه بالعلماء والتابعين ،  وتحقيره للزهاد والموالي .

  قد تبلور ذلك الجدال في صيغة تساؤل عن مآل مرتكب الكبيرة ،  كالفساد في الأرض ، والقتل ، وأكل أموال الناس باباطل ،  والجهر بشرب الخمر ، والزنا ،  وقد تحلق يومئذ المريدون وطلاب العلم ، أهل الفقه والحديث وعلم الكلام حول الفقيه والزاهد حسن البصري [ ت 80 هـ ] يتطلعون إلي إجابة يمكن ان تشفي صدور الذين  جردوا  سيوفهم لمنازلة حكم  الجور الأموي ، والآخرين الذين أرجأوا حسابهم إلي يوم الحساب ، والذين حاروا فطفقوا يبحثون لهم عن منقذ من الضلال الذي كاد ان يحيق بهم من كل جانب .  أما الشيعة :  الكيسانية ،  والغلاة ،  والاثنا عشرية ،  والزيدية ،  فقد  أجابوا بالعمل على ذلك السؤال ،  ونهضوا بحد السيف لمغالبة الإمام الجائر.  لم يترك الخوارج نافذة يمكن أن تدخل منها الذرائع فأجابوا بقطع صارم : إن مرتكب الكبيرة  كافر ومستقره النار وبئس المصير .  لم تجد فرقة المرجئة سببا يدعو للتعجيل في إصدار حكم مطلق على مرتكب الكبيرة  في هذه الدنيا ،  فدعوا  ونادوا بتعليق الحكم إلي يوم البعث ولله الحكم من قبل ومن بعد. الذين يميلون إلى الفكر السني عموما قد رأوا ان مرتكب الكبيرة لا يمكن ان يعد بأية حال كافرا  ولكنه يدخل في حكم المؤمن العاصي ،  اما ابو حذيفة  وواصل بن عطاء الغزال المحب والمريد للحسن البصري والذي1 يجلس إلي حلقاته دون انفطاع فقد خرج على شيخه الفقيه غير العجول عادة في إصدار الأحكام ،  برأي لم يدر الشيخ من أين يدخل إليه او يمسك به إذ  يقول رأي واصل : إن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنا قطعا وليس كافرا في ذات الوقت ،  لكنه يقع في منزلة بين المنزلتين .  هنا لم يجد الشيخ الفقيه رأيا أصوب من أن يقول لمريده :  اعتزلنا واصل فأنت لم تعد منا ولسنا منك أيضا. يبدو أن الحسن البصري لم يعثر في كل فقهه وتجربته في الرأي والجدل ،  وترتيب الأحاديث على ثمة منزلة يمكن أن تكون بين الصدق والكذب  بين الامانة والخيانة ،  او بين الحق والباطل  أو بين الجنة والنار،  وهكذا ومنذ تلك اللحظة أضحت المنزلة بين المنزلتين إحدى مباديء الفكر الإعتزالي كالتوحيد ،  والعدل ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،  والوعد والوعيد

 .  وإذا كانت فرقة المعتزلة قد ارتبطت في اول امرها بواقعة الاعتزال ،  فإن أقل مباديء الاعتزال قيمة واهمية في النظر والتطبيق فيما بعد هي المنزلة بين المنزلتين ،  والتي لم تتجاوز دلالتها بداية الفرقة وتشير إلى تلك الفترة الزمنية التي كانت فيها الفرقة الوليدة عاجزة عن تحديد رأي صارم وموقف جازم من الحكم الأموي الجبار الذي لا يقبل من الآخر سوى الإذعان والسعي في الركاب. يبدو أيضا ان قطب الحزب الاتحادي الديمقراطي وامينه العام زين العابدين الشريف الهندي قد ظل طوال حياته في السياسة السودانية معتزلا بحكم الحال وليس المقال،  وليس ادل على ذلك انموذجا أكثر بلورة لتجليات تحولاته التي تتقدم باضطراد في دائرة يصعب تحديد مركزها ،  من موقفه الأخير من [ كل المعارضة السودانية ومن الحكم القائم الذي يرأسه البشير ] والذي يجسد تصوراته النظرية كالثورة الانسيابية ،  والوسطية الاسلامية ،  وقهروبة الصهد الوطني والتي أفضت به الي منزلة تقع بين المعارضة السودانية بكل مؤسساتها واحزابها ودولة الجبهة الاسلامية القومية في السودان ،  تلك المنزلة تراها دولة البشير كما تؤكد صحافتها وترحيبها الدافق به انحيازا كاملا الي مواقعها السياسية ،  فأسبغت  على السيد زين العابدين الهندي  كل الأوصاف التي قل أن تجود بها على غير نفسها فرفعتها إلي أمجادها العلوية ،  أما المعارضة السودانية فتؤكد ان تلك المنزلة لا وجود لها في الأصل وإذا كان لها يوما فإن انقلاب البشير في 30 يونيو 1989م قد  قضى عليها تماما وان السيد زين العابدين الهندي  يبذل جهدا غير مقدر ليضع كحلا في عين الأعور وتلك هي الكبيرة التي يقترفها الهندي في حق نفسه والسودان ومأواه الجبهة  (خيارة الانقاذي ) وعليه ان يعتزل الإتحادي الديمقراطي والمعارضة معا. 

 

أنسان  مثير للجدل :

 

ينتمي زين العابدين الهندي إلي فئة جد قليلة من ساسة السودان الذين لا يكلفون مستمعيهم رهقا ،  إذ لا يملأ الناس سخفا إذا تحدث ،  أو ضجرا إذا صمت ،  فهو إنسان كثير الجاذبية ، غني الشخصية مع بساطة تصل حد الغموض ،  مثير للجدل ،  يشق على التحديد والتأطير حتي لنحسبه في المحاورة والجدل  وألافحام سوفسطائيا محترفا قدم من يونان عقد الخمسينات في السودان ليتحاكم إليه التجار من طالبى رخص الاستيراد والتصدير ،  وليعين الأفندية الذين يتطلعون إلى الوظائف العليا من سكيل ب والمجموعات   ويتحلق حوله أهل الصنوج والذكر والحوبات والنوبات ،  يعطرونه بالشجي والمديح ،  ويسمعهم من غناء أكفه – درر النعم-  إيقاعات اكثر إطرابا من كرير أصواتهم ،  يغشاه أهل الطرق الصوفية ،  وشذاذ الآفاق ،  وضاربات الودع  قارئات المستقبل ،  " جلابة الدولة "   والساسة المغمورين الطامحين إلى الأضواء ،  واولئك الذين تقاعدوا فيجود عليهم من ثروته وحكمته وبلاغته التي يحسها الجميع وتمتنع عليهم  مع مراعاة فروقات  المقامات والتراتب، وقد استقاها من منابع متعددة ومتنافرة ولكنها تلتقي عنده فتنثال متسقة كنظريته في الثورة الانسيابية.

**

السيد زين العابدين يوسف الهندي شاعر جاهلي مطبوع وان لم يأت من شرقي نجد أو قضاعة  أو من بادية السماوة في العصر العباسي ،  ولكن من بطانة ابي سن الشكرية في السودان .

  إذا أتفق لأحد المولعين بالتشبيهات وجمع الأشباه والنظائر ان يصرح ان لاحد من شعراء العرب الأوائل او متأخريهم مثل زين العابدين في سلوكه وشخصيته وشطحاته سوى ديك الجن الحمصي  فأنه قد أخطا فأصاب أو العكس تماما.

**

زين العابدين الهندي عالم لغوي لا يشق له غبار ينحت التعابير فتجري أمثالا سائرة [ قهروبة الصهد الوطني ]  رغم غموضها ، عليم بأسرار  بوادي السودان الشرقية ،  وتراكيب البندر ،  وأحابيل المثقفين في الكلام وان لم يدرس علم اللغويات الحديثة ،  ولم يتتلمذ بانتظام على الثعالبي أو الفيروزبادي أو  معاجم العامية ولكنه عصامي في هذا الباب ينهل مباشرة من الأقوال المأثورة والسائرة في اسواق الحبوب والماشية والسياسة وكنوز أهل الباطن ،  ويرد المشارب القديمة التي أرتوى منها الحاردلو ،  وود شوراني ، والصادق ود آمنة ،  وأبو عثمان جقود ، وود البصير وطه الضرير .  يستطيع زين العابدين الهندي إذا شاء وكان مزاجه صاعدا ومتوهجا ان يستثير في خطبة واحدة وبالبضربة الخطابية القاضية  أعماق السوقه والدهماء ونخبة الخاصة وصعاليك البادية [ الهمباته ] وعلماء الشريعة والعلمانيين من عشاق البيان . وإذا كانت ثمة ملامح لا تخطئها العين الفاحصة في شخصيته الفريدة فإنه يجمع بين رعونة البدوي الشرود الذي لا يطاله أحد  ،  والذي يقول ظاهره [ ألآ لا  يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا ،  وتواضع الصوفي المعتزل الذي تنطبق عليه وينطق حاله [ إذا رأيت الصوفي يعني بظاهره فاعلم أن باطنه خراب  ] وليست هذه اللفتات سوى النذر اليسير من ملامحه وقسماته, إذ  أن زين العابدين  النسابة المؤرخ لا يعرفه أحد،  وقد ورث ذلك الفن والعلم بالسماع  من أبيه أمير المهدية الشريف يوسف الهندي الكبير مباشرة ولا يبدو ذلك العلم بالسلالات واضحا للعيان إلا لماما وفي منحنيات أفعاله وليست أقواله ،  ويشكل ذلك التاريخ المحيط والمركز الجوهر لذات الشريف التي تعبر عبر الأعراض والظواهر عن منهج أقرب لخطرات الشاعر ،  وتدفقات المتصوف ، وجموح البدوي ،  ومرونة التاجر ،  وطلاسم الساحر ، وسوفسطائية السياسي المحترف الذي يحاول أن يخرج من قصر له سبعة أبواب  وعلى كل الاتجاهات وبذات السرعة وفي وقت واحد.

 

 يحلو لمحبي زين العابدين الهندي وانصاره الذين تدفعهم بياناته وتصريحاته وموافقه التي تبدو متعارضة الي كثير من الاضطراب  والفوضى أن يقولوا تبريرا واعتذارا له :  إن زين العابدين شاعر وزاهد قبل كل شيء ،  ومثقف من الطراز الأول ،  ولم يخلق أصلا لهذا الزمن السوداني الرديء ،  وتبا لملابسات السياسة السودانية وضرورات الوراثة الهندية   التي جعلته يجلس على مقعد لا يناسبه وأن يصانع من لا يوده ،  وأن يصادق أعداءه كأمر لابد منه ،  اما السياسي بالميلاد والطبائع والوراثة فهو الشريف حسين يوسف ا الهندي الذي خلق لها وأتته منقادة فراشته المنايا بحرابها السامة قبل الآوان.

 

لحساد زين العابدين ومنافسية وخصومه  رأي آخر كحال كل منافس وخصم، فيرمونه بالحق والباطل -  يصفونه بالخمول ،  وأن قلبه متعلق بالمحافل الشعبية ،  وانه سياسي مستهزيء  ،  عدمي المزاج ،  ولا طموح له ،  وقد ولج السياسة بالمصادفة كمن دخل قاعة للمؤتمرات خطأ فجلس من باب الارتباك والحيرة   فظنه المشاركون مساهما جادا  أتى من بلاد بعيدة ولاتزال عليه وعثاء السفر ونعاسه فاختاروه ليدير احدي الجلسات  التي لا يعرف لها موضوعا أو اجندة أو هدفا فظل يطرفهم ويمطرهم بما لم يخطر لهم ببال ولا طاف بخيالهم ،  فصعقتهم المفأجأة فاقبل بعضهم على بعض يتلاومون إذ كيف تأتى لهم انتخاب من لا يعرفون في موقع وموقف لا يحتمل غافلا او ناعسا او هازلا او من لا يدري اين هو وماذا يقول وليس امامهم الآن الآ الانتظار مع الادعاء انهم يصغون إلى فكر عميق خرج قبل زمانه وعلى الناس أن ينتظروا قرنا كاملا لإدراكه ... حتي لا يفسد كل شيء فتلحق بهم لعنتان :  سؤ اختيارهم الفاسد له  وفشل مؤتمرهم. 

 

الهندية :  طريقة بلا شيوخ أو شيوخ بلا طريقة

 

يؤكد مجرى الوقائع ومنطق حيثياتها إن خشبة مسرح السودان السياسي لم تتغير كثيرا منذ إعلان الاستقلال من داخل البرلمان في [1956] وحتي الموقف الأخير للسيد زين العابدين الهندي الذي نشر فيه انه قد آن الآوان للتفاوض والمصالحة مع نظام الجبهة الاسلامية القومية عام 1995 أو على الأقل من جانبه كأمين عام منتخب للحزب  الإتحادي الديقمراطي .  قد أشار  تيم نبلوك في كتابه الهام صراع السلطة والثروة في السودان ان مصالح الفئات والبيوتات النافذة في الاجتماع والاقتصاد السوداني لم يطرأ عليها تغيير يذكر منذ حركة اللواء الاربيض 1924م وحتي انقلا 25 مايو 1969م.  وقد لا يكون جزافا في القول إذا أصر أحد المغرمين بالتفاصيل واللجاج إن خشبة مسرح السودان السياسي لم تتغير فيها سوى الأقنعة والديكورات والأخاديع الفنية منذ ان تشكل ذلك الوفد الشهير الذي ضم اهل الحل والعقد في سودان ذلك الزمان -  السيد عبدالرحمن المهدي -  والسيد علي الميرغني – والسيد الشريف يوسف الهندي -  والسيد إسماعيل الازهري –يصحبه حفيده ومترجمه اسماعيل الأزهري (19 عاما ) غادر الوفد عاصمة البلاد الخرطوم الي بريطانيا العظمي في عام 1919 ليعرب للملك جورج السادس عن سعادة أهل السودان وعرفانهم بانتصار سيدة البحار  والامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس على المانيا في الحر العالمية الاولي [1914-1918] ولتهنئة الملك في عيد جلوسه ثم أهدى في تلك اللحظات التي لا تنسى السيد عبدالرحمن المهدي سيف أبيه محمد أحمد بن عبدالله المهدي الذي حاصر غردون باشا حاكم عام السودان وهزمه وحز رأسه في [1885]  للملك جورج السادس توقيرا  ولشرف المناسبة ،  وعظم الموقف ،  إلا  ان الملك الذي  تقبل الهدية الغالية شاكرا ومقدرا قد أعاد مجددا إهدائه له ليحارب به أعداء الامبراطورية في ذلك الجزء من العالم.  ظل الاربعة الكبار:  السيد عبدالرحمن المهدي الذي أعاد بناء الطريقة الانصارية التي انجبت فيما بعد حزب الامة وفق الظروف والملابسات الجديدة(المهدية الجديدة) التي املتها اتفاقية إستراجاع السودان على يد دولتي الحكم الثنائي في 1898م – والحسيب النسيب على الميرغني راعي الطريقة الختمية التي انجبت فيما بعد الاشقاء الاتحاديينوحزب الشعب الديمقراطي. والشريف يوسف الهندي سيد الطريقة الهندية التي لم يقدر لها الظهور والتجلي اللائق بها او الانجاب ،  ثم مولانا السيد إسماعيل الأزهري مفتش المحاكم الشرعية وسليل السيد المكي شيخ الطريقة الاسماعيلية -  والذي نقل إرثه الروحي لحفيده مؤلف كتاب الطريق الي البرلمان ومؤسس الحزب الوطني الاتحادي .  ظل الاربعة الكبار يتحكمون جليا أو خفيا في أعمدة وأبعاد المسرح السوداني وصياغة النصوص المحورية وطرائق الخروج منها.

والعودة اليها في الوقت المناسب ، ويتخلون عمدا أو خضوعا لضرورات خارجية أو وقتية عن مساحة في ذات المسرح لشخصيات ثانوية بنصوصها الفرعية التي تنبثق تلقائيا وفقا للتداعيات أو للمفاجآت غير السارة التي تحدث عادة لمسارح الهواء الطلق -  وكل ذلك ليكون المسرح مكتملا .

  قد لعب جدل التنافس ، المكايدة ،  والتراضي ،  والتقاتل  والائتلاف والاختلاف بين أنجال السادة من جهة والتباين في مصادر الخبرة والقوة والأجندة والأهداف والغايات لدى طرفي دولة الحكم الثنائي [ بريطانيا ومصر تحت الحماية ] دورا فاعلا وحاسما في تقديم أو تاخير ،  في إعلاء  أو تهميش – الطوائف والأشخاص والأدوار لكل من عبدالرحمن المهدي ،  وعلي الميرغني  ويوسف الهندي من جهة أخرى ،  وتم كل ذلك على خشبة المسرح السياسي ،  قسرا أو طوعا أو تجملا وعلى مرأى من المشاهدين الذين يكتفون بما يبدو لهم وليس لهم او بمستطاعهم إلى خلف ذلك أو فوقه من سبيل .

 

قد قضت مشيئة دولة الحكم الثنائي [ 1898-1956]  إضافة إلي الوزن الاجتماعي والمناطقي والديني أن تكون لطائفة الأنصار والختمية وزنا وادوارا ووجاهة أكثر  صدارة وأبعد أثرا واهمية على خشبة مسرح السياسة في السودان من الهندية  ولكن التساؤل المشحون بالاسى لم  قضت مشيئة الحكم الثنائي المستترة أن ترفع الهندية وتعلوا بها من مجرد طريقة صوفية لعدد محدود من الأنصار والأتباع في قرية العقدة بالجزيرة والتي لا تختلف عن تلك الطرق التي تنتشر في كل انحاء السودان ويتحلق حولها أبناء القرية أو القبيلة إلي طائفة كبرى ،  وعلى قدر المساواة مع المهدية والختمية .  وقد أضحى معلوما لدي العموم أن السيد الشريف يوسف الهندي رجل البراري ينافس بذكائه الحاد ونكاته البلاغية اللاذعة الميرغني والمهدي ،  ويجلس معهم في الصفوف الأولى ،  ويغادر معهم إلى وراء البحار ،  ويسدي الرأي والمشورة لحاكم عام السودان ،  وعلى السكرتير المالي أو الإداري أو القضائي البريطاني أن يزوره في منزله العامر ببري الشريف وأن يسترضيه إذا تجافى عنه أو غضب ،  وعلى حاكم عام السودان أن يجالسه ويؤاكله ويفاكهه إذا كان الأمر فوق ذلك  ولا يرضى السيد يوسف الشريف بغير ذلك ،  ثم يقلب له ظهر المجن وتهمله مراسيم القصر ،  ويسقط اسمه من قوائم اوسمة الشرف ويحاصر بالإهمال في قرية صغيرة من ضواحي الخرطوم خلف معسكرات الجيش البريطاني حيث تكثر فيها الأغنام الضالة حتي قيل أن عنزها يتحدث اللغة الانجليزية بلهجات ويلز واسكتلندا ،  إلآ أن سكان قرى البراري لا يخطئون فهمها ولكنهم قطعا يجهلون لماذا لم تعد أنوار سيدهم شارقة كحالها في الزمان الأول .

  قد أستخدمت دولة الحكم الثنائي سلاحا باتعا في القضاء على الشريف يوسف الهندي إذ أشهرت في وجه سيف العزلة والتجاهل والتهميش ودفنته في مقابر النسيان الرسمية وهو على قيد الحياة حتي إذا أتى الإستقلال كانت الهندية طريقة صوفية بلا شيخ أو شيخ بلا طريقة  أما حسين الشريف الهندي فقد قاوم كل ذلك ولم يستسلم لمناخ التهميش الذي حاولت دولة الحكم الثنائي بمعاونة المتنافسين زراعته كرئتين يتنفس بهما كل من ولد وشب في الأسرة الهندية ولم يجد حسين الشريف الهندي بكل مواهبه الفريدة المعروفة في السياسة ،  والاقتصاد ،  والتجارة وصناعة القرار مكانا مرموقا ومستقلا يمكن أن يعيد فيه بناء الهندية فدفعته  مقاومته وفلسفته البراجماتية المقاتلة وثقته العالية بقدراته ومهارته الشخصية أن يلتحق بركب الحزب الوطني الاتحادي  و ان يجلس في مقدمة صفوفه وعلى مقربة من المؤسس حفيد السيد المكي ،  وكأنه يعزي نفسه ، [  ما لا يدرك كله لا يترك كله ]  ،  ليسهم بعد الإستقلال أكثر من أي قطب اتحادي آخر  كيحيى الفضلي وعبدالماجد أبو حسبو ،  وأحمد زين العابدين –وحسن عوض اللة  ومبارك زروق ، وإبراهيم المفتي ، ومحمد احمد المرشي في تحويل الحزب الوطني الاتحادي إلى حزب  ذى ملامح علمانية جسور يفصل بين الدين والدولة ويسعى لهدم طائفة السيدين الميرغني والمهدي ولينحر في رابعة النهار القداسة الدينية على أعتباب السياسة الدنيوية ، كل هذا وحسين الهندي يدرك تماما أن جماهير الحزب الوطني الاتحادي التي تتقدم بحماس لهدم الطائفية تمشي على رمال الطرق الصوفية كالقادرية ،  والسمانية ، والاسماعيلية ،  والتيجانية ،  ولكنها المكايدة ،  والمجالدة ،  وجدل الباطن ،  وعزة الظاهر ، التي أفسدت عليه وعلى ابيه من قبل مذاق الدنيا ، أما الآخرة فعندة [ مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ].

 

حينما آلت مقاليد الاتحادي الديمقراطي لحسين الشريف الهندي إبان معارضة أحزاب الجبهة الوطنية لنظام جعفر نمير [ 1969- 1977] تفتحت أمامه في لحظة جد فريدة تلك الكوة التي يدخل منها المجد إذ أصاب اليأس والونى الصادق المهدي وأنهارت حركة الترابي الإسلامية  بعد فشل ما عرف -  بالغزو الليبي [ المرتزقة ]  في أدبيات نميري ،  أو حركة محمد نور سعد 1976 وتوجهوا جميعا شطر نميري لمصالحته ومقاسمته السلطة والثروة ،  أما الختمية فقد كانوا من قبل هنالك مع  النميري سيما وقد تمنطق بعباءة القومية العربية وبقى حسين يوسف الهندي كالسيف وحده في الجبهة الوطنية ليعارض النميري وليرفع من رايات الهندية لأول مرة وإن كانت لا تبدو إلا داخل أقماط حزب إسمعيل الأزهري.  ولم تتح المنية التي عاجلته – رحمه الله - لتلك السانحة الذهبية أن تتحقق ليقضي على ذلك التهميش الداخلي إلى الأبد  ثم أتى زين العابدين الهندي ليخلف أخيه الحسين في قيادة الجبهة الوطنية التي تفرقت أيدي سبأ على أيامه ،  واضطر زين العابدين أن يعود إلى هامشه القديم والي توحده مع ذاته والى وعيه الخارق أن الذي بينه وبين المهدية والمرغنية لمختلف جدا وأن الذي بينه وبين السمانية الشاذلية ،  والقادرية ،  والتجانية ، والاسماعيلة ،  داخل الوطني الاتحادي لا يمكن إدراكه إلا بأضواء الآية القرانية [ تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ] وأن له منزله لا يراها احد بين الاتحادي  والديمقراطي . 

 

الهندية والحصار التاريخي

 

ليس كمثل السيد زين العابدين الهندي أحد في الاتحادي الديمقراطي أو حزب الأمة أو في اليسار أو في كل الحركة السياسية السودانية ،  وإذا كان لابد م العثور على شبيه له فقد يتسنى ذلك بالرجوع إلى الأبطال في الأساطير اليونانية الذين تصعقهم المآسي التي لا مخرج منها بأمواجها حينما يغالبون للخروج من عمق الغرق ،  حتي إذا صار بينهم وبين النجاة قيد ذراع سبق عليهم عمل العبث فيعودون كرة أخرى باندفاع جارف إلى قاع البحر وهكذا الى ما لا نهاية ،  أو ذلك المعتزلي الباسل الذي يكد عقله ويمد رجليه ليجلس في منطقة براء أو اعراف بين الحق والباطل ،  او بين الكفر والايمان ،  أو بين الحياة والموت – ويسمي ذلك  المنزلة بين المنزلتين -  ان تكون او لا تكون .  تقدم مواقف وخطب وبيانات السيد زين العابدين الهندي مرايا متعددة للخرافة السياسية في ملابس حية ويمكن لمجرد الإشارة الاستشهاد بالتالي:

1.     أستقال يوما  زين العابدين الهندي من منصبه حين كان وزيرا للخارجية ،  ونائبا لرئيس الوزراء الصادق المهدي ن  ليتفرغ لإدارة ما أطلق عليها الثورة الإنسيابية ،  التي لم يرد لها ذكر من قبل في برامج أو استراتيجيات الحزب الكبير الذي يقوده أو أي وصف أو تعريف في أدب الصحافة التي يصدرها ،  ومع ذلك فقد تفرغ السيد زين العابدين لمعارضة الحزب الذي يحتل فيه منصب الأمين العام وإذا تكرم مراقب ما يلتزم الحيدة والموضوعية ووصف السيد زين العابدين الهندي وما يقوم به داخل حزبه بأنه يقود ثورة ضد الحزب الذي يشارك في قيادته ،  أو بألفاظ أخرى بأنه يعارض فيما يعارض نفسه أولا ثم السيد محمد عثمان الميرغني ثانيا ثم طائفة الختمية ثالثا  ثم المتشددين لهويتهم الاسماعيلية الأزهرية رابعا  فلم يذهب بعيدا بذلك الوصف.

 

2.     لا يخفي السيد زين العابدين الهندي نفوره وإدانته للإحزاب التقليدية وأقطابها كحزب الأمة،  والاتحادي الديمقراطي ،  أما اليسار فلا يحفل به السيد أو يأبه له – يصفها دون تمييز بالفشل والعجز والخراب وأن عليها أن تذهب إلى مثواها الأخير غير مأسوف عليها .  وإذا كان السيد زين العابدين يعني ما يقول وهو لا شك كذلك ، فإنه يدين وينعي نفسه مع  الآخرين الذين يطالهم بهجائه السياسي القاسي ولو قد تسنى لمثل ذلك الهجاء أن يتحقق فعلا ووقائعا منذ الإستقلال فما كان قد توفر لكثير من الأجيال السودانية التي عرفت عالم السياسة بعد الإستقلال سماع اسم زين العابدين الهندي نفسه ،  ولما تمتعوا ببديع هجائه ،  وغريب مقولاته ،  وطلاسم تحولاته ، وصواعق مواقفه ومفاجآته.

 

3.     حينما أصدرت الأمم المتحدة قراريها رقم 1044 و 1054   وزع السيد زين العابدين على الناس بيانا يعارض فيه كل أحزاب المعارضة السودانية ،  ويدين فيه حكومة البشير في ذات الوقت ويرفض فيه جملة وتفصيلا قرارات الأمم المتحدة معللا أن من شأن القرار أن يطيل من عمر نظام البشير الذي ينبغي أن يذهب عاجلا وليس كما تريد الأحزاب السودانية التي ما فتئت كما يؤكد السيد زين العابدين تقدم رجلا وتؤخر أخرى في معارضتها الشيء الذي مكن للجبهة الإسلامية القومية ودولتها أن تتوطد وتبقى وتأتي على الأخضر واليابس ،  ثم قدم أخيرا وليس آاخرا بالطبع مفاجئته الحالية بعد أن تبين له بما لا يدع مجالا لريبة أن المعارضة السودانية في الداخل والخارج وعلى رأسها راعي الحزب الاتحادي الديمقراطي  الذي يحتل فيه السيد زين العابدين منصب الامين العام قد جد جدها وحسمت أمرها ،  وخرجت بصدق لإسقاط دولة البشير ومرشدها الترابي .   فتح السيد زين العابدين ذراعية لحكام الدولة السودانية التي ضربت حول نفسها نطاقا من العزلة والبغضاء  والإفقار ،  وتوجه  للتصالح معها ،  كما قد وجه نداءا لاخوته الأعداء في المعارضة ان يجلسوا حول مائدة واحدة مع ذات النظام الذي أعلن مرارا وتكرارا أنه لا يعترف بهم إلآ في ميادين القتال ومن اراد التحاور معه فليشهر سيفه أولا. ماذا سيحدث إذا  تصورنا جدلا إن كل أحزاب المعارضة السودانية في الداخل والخارج قد قررت في لحظة مباغته لم يتوقعها زين العابدين الهندي ان تستجيب لدعوته لتجلس مع البشير والترابي حول مائدة مستديرة وأن تحقق كل ما يطلبه ذلك النظام الآيل للسقوط بما فيها إنقاذه من الإنهيار.؟ آنئذ لن يصاب أحد على الإطلاق بالجنون إذا قرر السيد زين العابدين أن يتحول بقفزة من الزان طويلة ليقف على الطرف الآخر معلنا الحرب مرة أخرى على الجبهة الاسلامية ودولتها وعلى المعارضة المتهافتة التي تجالسه وتفاوضه.

 

وإذا تساءلنا الآن وبجدية كاملة حقا :  ماذا يريد السيد زين العابدين  الشريف يوسف الهندي؟  ولماذا يبذل كل هذه التفانين لتدوير أكروبات سياسية في مسرح الإستهزاء والعبث ؟  من الميسور ان يقال كإجابة -  أن السيد زين العابجين يعلم بيقين أنه لا يخاف من الفقر الذي يعاني منه 95% من السودانيين لانه في حصن حصين منه ولن يطاله يوما مهما تقلبت الدنيا وجارت.  وإن لن يفقد يوما اولئك الذين يتحلقون حوله دائما وفي كل الظروف ،  ولما كان  زين العابدين ايضا قد ولد وجيها بالوراثة فلن يتأتى لاحد أن يسحب جواز وجاهته ومكانته منه ،  كما لن يتهمه أحد بالزندقة مادامت رايات وسجادة ومولد الهندي تحمل اسمه وتعصمه من الغرق ومن كل تهمة  مهما فعل.  كما لن يتأتى لأحد أن يصادر قبر أبيه أو أخيه أو قرية العقدة أو دائرة الحوش مركز الهندية بالجزيرة أو الحي الذي يعرف ببري الشريف بمدينة الخرطوم  لكل ذلك فإن السيد زين العابدين يمتع نفسه والآخرين بأن يدور كاملا حول نفسه ويزاول تدريباته السحرية التي يفضلها وعلى النهج الذي يروق له مادام يعلم بباطنه وعقله  ان المساحة المخصصة له في السياسة السودانية جد صغيرة ومحدودة ومحصورة ولن تزداد  ابدا بموقعه الوزاري أو منصبه في الحزب بالقياس الي تلك  الميادين الواسعة الفسيحة التي تتقلب فيها وتمرح خيول آال الميرغني وآل المهدي.

 

من الميسور ان يقال ذلك على الهندي ومن العسير بحق التحقق من كل ذلك وإذا كان الامر كذلك فلابد من قراءة جديدة لتاريخ وحاضر السياسة في السودان من زاوية اولئك القابضين على الاقل حتي الان على اعمدة خشبة المسرح السياسي وان تلحق بقراءة ثانية لا تقل عنها جدية ودقة من مواقع اولئك الذين اقصوا كلية من مراكز السلطة والثروة والثقافة وفرض عليهم الجلوس والي انذار اخر في الصفوف الخلفية ،  اما القراءة الثالثة واكثرها عسرا بتركيبها لتفسير الحقيقة في ذاتها دون الاقلاع عن الزوايا والظواهر ليس لمجرد المعرفة فحسب ولكن لاجراء تغيير يمس تلك البنية التي تعيد إنتاج نفسها بتكرار مخل بكل اوضارها واوجاعها ومفارقاتها.

 

(1)يبدو ان  جوهر مصالحة الشريف  هي – عودة الابن الضال  الي جادة  السوق[ الجبهة الاسلامية – الانقاذ ] التي قد  تصور لها  انها  ستقضى  الي الابد على اساطين  دولة التصدير والاستيراد  – او   ما يطلق عليها على سبيل الاستهجان – دولة الجلابة . ثم تبين لها – انها ستقضى في ثنايا ذلك على ذاتها  فانقذت نفسها – بتوسيع دائرة المشاركة من قبل المصدرين والموردين القدامي  وذلك لب نداء الانقاذ للاتحادي الديمقراطي. وايا كان الامر فان السيد محمد عثمان الميرغني  كما قد بدا للهندي  سيدرك جوهر ذلك النداء مؤخرا كعادته دائما لكل ذلك فان الشريف  لا يصالح نظام الانقاذ ولكنه يحاول انقاذ ما يمكن انقاذه  لحماية مصالح الحرس القديم رأسمالية  التصدير والاستيراد.