بطل السباحة ضد التيار وفارس من طراز فريد

د عبدالسلام نورالدين

أكستر- المملكة المتحد

 

ولو أن الحياة تبقى لحى.

قد اصابنى خبر وفاة الاديب،الكاتب،الدوبلماسى والسياسى على ابوعاقلة ابوسن بذلك الاحساس والسؤال المتفجر  عن القيمة المعيارية لمعنى الحياة الذى يداهمنا بطغيان كلما رحل عنا فجأة من نكن لة الكثير من التقدير وقد اوجز ذاك الاحساس بكثافة شاعر ابو سن المفضل: ولو ان الحياة تبقى لحى لعددنا اضلنا الشجعانا.

 حينما قرأت نعي الراحل ابو سن عدت الى تلك الرسالة الشجاعة التى وجهها الراحل  الى السيد محمد عثمان الميرغنى ونشرها بسودان نايل قبل اكثر من شهرين وفيها يقول لة" وما زال الأتحاديون يتذاكرون كيف سقط وفارق الحياة بفعل الغيظ وجرح الكرامة والضيم رجال أعطوك من جهدهم ومالهم وذات أنفسهم ما شهد به الأعداء ثم فوجئوا بالخذلان والعقوق لمجرّد إبداء رأى مخالف لك. منهم د. عثمان عبدالنبى وإبراهيم حمد ويوسف أحمد يوسف وغيرهم كثير"

هل لحق ابو سن بهذة الكوكبة من رفاق دربة الذين فارقوا الحياة  غيظا وتمزقا؟

 

على ابوسن والسيد محمد عثمان الميرغنى

أن شخصية ومأساة الاديب والكاتب الراحل على ابو سن جد مركبة  اذ لا تسمح له طبيعته البدوية الارستقراطية ان يكون اقل من حسن ظنة بنفسة  لذا لم يلق بنفسة فى حبائل مؤسسة الدولة المصرية  ولم يتمرغ يوما فى معاطن الانتهازية السودانية، ولم يصادق   يوماعدوا لة مبررا ان ذلك من نكد الدنيا علية . ولم يك باحثا  عبر السياسة والعمل العام عن خلاص فردى او شخصى لة. كان  من العسير بمكان علي الراحل ابوسن ان يجد  مقعدا يناسبة الى جوار   الشريف زين العابدين الهندي بلغتة الهلامية وعالمة التيهائى اومحمد عثمان الميرغني ليجلس عليه والاخير بالفاظ الراحل على ابوسن  ـ يرفض  الديمقراطية والمؤسسية  و يبغض  المثقفين ويضيق بهم، وقد تامر لاخماد انفاس الحزب الوطنى ووأد الديمقراطية  بمشاركتة الشخصية فى الاعداد لانقلاب 25 مايو1969 – يقول فى رسالتة الى السيد محمد عثمان الميرغنى:

1- [لقد تمت إعادة توحيد الحزب الوطنى الأتحادى مع حزب الشعب ـ قيادة الختمية ـ سنة 1967 تحت ظروف ضاغطة ومخاوف مما كان يحاك ضدّ التوجهات التحررية للسودان بقيادة الزعيم أسماعيل الأزهرى، وبسبب التعجّل فى أتخاذ إجرءآت التوحيد والخوف من أن تتحفّظ عليها جماهير " الوطنى الأتحادى" ولجانه بسبب تأييد المرغنى لدكتاتورية الجنرال عبّود ، رأت قيادة الأتحاديين إرجاء عرض قرار التوحيد على مؤتمر عام للحزب لتصبح إجازته قانونية وملزمة. ومن ناحيتها لم تهتم قيادة الختمية بعرض الأمر على جماهيرها ولكنها تعهّدت بالوفاء للأتفاق. ثم جاء أنقلاب مايو بهدف إجهاض هذه الوحدة واعترف د. أحمد السيد حمد فى الصحف باشتراك محمد عثمان المرغنى فى الإعداد للأنقلاب وأنه نقل جزءً من أسلحة الأنقلابيين وخزّنها فى مزرعته بقرية " تنقاسى " . فبالأضافة إلى نقصان شرعية قيام الأتحادى الديمقراطى جاءت الخيانة ، بعد التعهّد والعهد ، لتجعل فكرة الوحدة مهزلة، وكان على رأسها ولىُّ عهد السيد على المرغنى ( فَوَا عَجَبا ً أنْ وُلِّىَ العهدَ غادِرُهْ )2- بغضك للمثقفين وضيقك بهم كان وراء مأساة العلاقة بينك وبين أناس لم يرفضوا وضعك فى المقدّمة ولم يحاولوا منافستك على القيادة. أسميها مأساة لأنك تخصّ بالكراهية والضيق مثقفى الحزب وتتعمد أستبعادهم كلما أحتجت إلى من يفكر أو يكتب أو يتحدث اللغة الأجنبية وتستجلب أناسا من خارج الحزب ليعاونوك على كتابة رسالة أو صياغة فكرة أو إجراء مقابلة مع أجنبى ومثقفوا حزبك مبعدون يضربون كفا بكف. لقد حاولنا أن نمنحك الطمأنينة على موقعك بشتى الوسائل ولكننا عجزنا عن إزالة هاجس المخاوف الذى ينتابك من ا لمثقفين والذى يصور لك أنهم هم الأعداء  الحقيقيون لك. فحاولتَ دائما أن تهينهم وتكسر شوكتهم" باستقدام كل من تبعث به الأحزاب الأخرى لكى يتجسس عليك وما زلت سادرا فى هذا حتى مؤتمر القناطر الذى أدخلت فيه إلى اللجنة التنفيذية واحدا من هؤلاء. كلّ ذلك جعلنا نقتنع بأنك لم تفارق مقولتك الشهيرة " أنا ما حأكرر غلطة السيد على الميرغنى لما أتعاون مع المثقفين بقوا زعماء " وهذه غلطة منك أنت . فمن ناحية لم يكن السيد على نفسه ليقول ذلك عن الأزهرى وزملائه لأنهم كانوا زعماء بالأصالة ، ومن ناحية أخرى لم نكن نحن ـ ممثلى الوطنى الأتحادى فى الحزب الموحد ـ نرغب فى منافستك على زعامة الحزب.-3- رفضك القاطع للديمقراطية والمؤسسية زعزع أركان الثقة بالحزب وسط جماهيره التى تجرعت المر4-ّ أن مصير السودان يقرر الآن فى غياب الأتحاديين، الممثلين الشرعيين للحركة الوطنية. ومحمد عثمان هو المسئول الأول عن هذه الخيبة وهذا الغياب. وقد كتب بعض الأشقاء مؤكدين مسؤليته : ( لم تتحرك قيادة المرغنى فى أتجاه تعبئة الجماهير الأتحادية خاصة،والشعب السودانى عامة فى أتجاه فضح وتعرية قوى الهوس الدينى وعزلها وضرب مواقعها واجتثاث جذورها وتجفيف منابعها والتبشير بسودان المستقبل ، بل أن هذه القيادة ساهمت بصورة مباشرة فى تقوية تلك القوى الظلامية حينما تقدّمت إلى الرأى العام  السودانى بمسودّة لما أسمته " دستور إسلامى " بعد الأنتفاضة مباشرة جاءت أشدّ بؤساً ونكيراً من مشروعات قوى الهوس والظلام ) ويكفى أننا مغيّبون تماما عن الساحة بينما تعمل قوى التخلّف نيابة عن الشمال فى نيفاشا على هدم مقوّمات الهويّة السودنية بالأصرار على دعوى التمايز الثقافى ، الذى يلبسونه ثوب الخصومة الثقافية والعقائدية بين الشمال والجنوب فى حرص أعمى على تقسيم أبناء القطر الواحد ثقافيا على أساس دينى ، مما جعل مفاوضات السلام فى نيفاشا تقوم على قاعدة تكريس التمايز والخصومة الثقافية المزعومة بين جنوب الوطن وشماله ، وليس على أساس توحيد البلاد وتعايش الثقافات فى ظلّ نظام حضارى مستنير. وهو ما كان ينبغى أن يدعو إليه حزبنا الذى أصبح مختطَفا ورهينة تزايد على الجبهة الأسلامية فى ضروب المتاجرة بالدّين]

 

وهكذا بقى الراحل على ابو عقلة ابوسن الى اخر ايامة  مثل السيف وحدة  وقد زاد  من حدة توحدة ان بينة واليسار الماركسى مفازة،  وبينة وبين الترابى  والترابيين والمؤتمر الوطني بيدا دونها بيد، وكان جون قرنق اقرب إليه من كل هؤلاء فكلاهما من ابناء القبائل التي لا تقبل ضيما  او الحاقا، وكلاهما يستطيع ان يلتقى مع الاخر خارج سياق  الاسرة والقبيلة والدين والتحيز الاقليمى ولكن لا سبيل الى التواصل  وهنالك كما يظن الراحل  أبوسن ذلك العمرابي الذي يقارعة و يضارعة نسبا وثقافة ومعرفة وخبرة و سياسة ودبلوماسية وبينهما ما صنع الحداد.

 

 على ابوسن: رغم كل التحديات Against all odds

 بطل السباحة ضد التيار

يبدو ان الراحل على ابوسن بتدفقة الوطنى وتعلقة الرومانسى بمصر التى لاوجود لها الا فى وجدانة، واستقلالة عن مؤسسسة دولتها إرم ذات المخابرات، وبناصريتة الوطنية الاتحادية  وثقافتة السياسية الادبية  ومعاركة  السياسية  كان مختلفا فى النوع  والدرجة عن  الجيل الاول من رواد الحركة الاتحادية الذين تلقوا تدريبهم وتفتحت رؤاهم للعالم عبر عيون ومنظار مصر كتوفيق البكرى،محىالدين صابر، احمد السيد حمد، عقيل احمد عقيل واخرين  الذين ولدوا فى نهايات العقد الاول وبدايات الثانى من القرن العشرين  واقل فى ذات الوقت انتماء  الى الجيل الثانى الذى بدأ حياتة السياسية ماركسيا مؤسسا ثم تحول الى الحركة الاتحادية العامة كمحمد الحسن عبد اللة يس، عبدالماجد ابوحسبو واحمد زين العابدين الذين ولدوا بين الاعوام 1924-1928 تقريبا.

حينما تخرج على ابو سن فى دار العلوم بالقاهرة   1958كان الجيل الاول والثانى من الاتحاديين قد جنى ثمار الحركة الوطنية فى السودان اما تقلدا لوزارة او وكالة دائمة فى الخدمة المدنية او وجاهة وصدارة اجتماعية يشار اليها بالبنان، وكانت  اخر اجيال اليسار السودانى القديم تغادر مصر اما من مدارج جامعاتها او سجونها  فى ابو زعبل والواحات كفاروق ابوعيسى، مبارك حسن خليفة، احمد على بقادى، يوسف عبد المجيد الجعفرى، برير الانصارى، تاج السر الحسن وجيلى عبد الرحمن والاخيرين توجها الى دراسة الادب بموسكو.  قد بدا الراحل ابو سن غريبا فى وسط جيلة من السودانيين بمصر الذين تخرجوا من الازهر ودار العلوم وجامعات القاهرة والاسكندرية وغريبا ايضا بين جيل  اندادة من اخوتة وابناء عمة فى رفاعة والقضارف وكسلا وامدرمان. اذا كان التوجة العفوى التلقائى لجيل على ابو سن من ابناء الاسرة  الشكرية فى السياسة  الى صدارة البيت الختمى وحزب الشعب الديمقراطى  او احيانا   الى اليسار الماركسى علنا او سرا او اللامبالاة  التامة بالعمل السياسى الحزبى  فقد خرج الراحل على ابوسن على كل ذلك حينما تبنى الناصرية فى وقت باكر من حياتة وحتى قبل  ان تتضح معالمها الفكرية العامة 1954-1958 - وانحاز بحماس الى السيد اسماعيل الازهرى  الذى لا تثق بة او بحزبة مؤسسة الدولة المصرية منذ ان خرج على تصوراتها حول  حق تقرير المصير الذى ارتاة الازهرى ان يأتى تاليا للاستقلال  وليس قبلة باية حال  فخسر مصر وكسب شعب السودان،  والناصرية تعنى انئذ العداء السافر للاستعمار البريطانى الحليف التاريخى لاسرة الراحل ابان الحكم التركى المصرى1820—1885و الحكم الثنائى 1898--1956

  واذا كان ابناء اسرة الادارة الاهلية الشكرية ييممون وجوههم  عادة شطر كبرى الجامعات البريطانية او على الاقل جامعة الخرطوم للدراسة ويتحدثون الانجليزية بفصحى لحون الارستقراطية فى قصربكنهام تمايزا وتفاضلا رغم اعتزازهم وتمسكهم باصولهم البدوية فان أقدام الراحل على ابو سن قد سلكت ربما بدفع من والدة القاضى الشرعى  الى المعاهد الدينية ثم الى دار العلوم بمصر ولابد ان قد واجة الراحل فى سنى دراستة المعهدية  الثانوية الكثير من التقليل  والاستخفاف والسخرية بكتبة الصفراء و جلبابة وعمامتة وجهلة باللغة الانجليزية ومستقبلة كقاض للنساء فى المحاكم الشرعية  من  اندادة فى الاسرة، ولابد ان قد لاحقة ذلك الاستخفاف من زملائة واصدقائة السودانيين والمصريين الذين يتلقون علومهم بجامعة القاهرة والازهر على حد سواء اذ يتواطأ الازهريون وطلاب جامعة القاهرة رغم العداء المستحكم بينهم على تحقير كلية دار العلوم بحسبانها منبتة لا ارضا قطعت ولا ظهرا ابقت- ويطلقون على خريجيها "الدراعمة" ويحرفون ويصحفون بيت النقائض القديم لينطبق عليهم:

فغض الطرف انك من نمير-------فلا كعبا بلغت ولا كلابا

الى روايات فى الاستصغار متعددة منها

فغض الطرف انك "درعمى"______ فلا كعبا بلغت ولا كلابا

 ورغم كل تلك التحديات Against all odds  تسنى للراحل على ابو سن ان تكون استجابتة الايجابية لها بالضربة القاضية، تماما كما يحدث فى حلبة الملاكمة بفضل مضاء عزيمتة وقوة شخصيتة وذهنة المتوقد وقدرتة على تبيان اهدافة بوضوح واستنادا بالطبع على النفوذ الواسع لاسرتة فاتجة- للمفارقة- بعد تخرجة مباشرة 1958 ليلتحق بهيئة الاذاعة البريطانية بلندن فى اوج عدائها لمصر الناصرية ثم بالسلك الدبلماسى السودانى فيما بعد فى اطار سعية الى قمم اعلى وافاق ارحب كما قد وصفة الاستاذ الطيب صالح "فى تذكر اكرم صالح، وايام الشباب فى لندن،، وعلى ابوسن،طويل وسيم متوقد الذهن،من ارومة سامقة فى السودان.يقرا نشرات الاخبار كالمتفصل على الانجليز.صوتة يوحى بانة لا ينوى ان يمكث طويلا فى تلك المحطة، وانة يرنو الى قمم اعلى وافاق ارحب،،.

مع هذة الاستدارة والنقلة الكاملة من الثقافة الازهرية  الدرعمية فى مظانها الى الثقافة الغربية فى عقر دارها، ومن الشيخ المعمم  التائة الى الافندى النافذ فى الخدمة المدنية  الذى يلجأ الية  من فى مقام الشاعر محمد المهدى المجذوب  لتخطى حواجز البيروقراطيين والتواءتهم التى تواجهة، ومن شيخ العرب الذى يلقى الكلام على عواهنة الى الدبلماسى الحصيف  الذى يزن كلماتة بدقة الصيرفى الحاذق اقتدر وتحقق لعلى ابو سن ان يعيد انتاج نفسة دون ان يفقد ثوابتة الناصرية او الوطنية الاتحادية او عقل  التحدى  وكان بحق محاربا على امتداد كل الجبهات  من السياسة الى الثقافة الى هيئة الاذاعة البريطانية الى لجنة النصوص فى الاذاعة السودانية ومن  الدبلماسية الى النساء مولعا باقتحام المعاقل الحصينة ذات الطابع الطروادى ، ومثقفا عصاميا من الطراز الاول وعقلا مستنيرا لا يتقبل فقة الباطن السفلى او ظهرة العلوى.ولما لم يك على ابو سن مبتدأ ونهاية  غيرذلك، كان لابد خضوعا  لطبائع الاشياء  ان يستبقى معة شيئا من  عناد  وعنت المحاربين وشطحات العصاميين وتعالى الارستقراطية ونفحات البداوة واذا كانت النفوس كبارا تعبت فى مرادها الاجسام.

 

 رحم اللة الكاتب،الدبلماسى ،السياسى ،الفارس الجسور، المثقف العصامى المستنير على ابوعاقلة ابوسن بقدر حبة للوطن وامالة فى توحيدة على قواعد تعايش الثقافات والاديان واليمقراطية فى ظلّ نظام حضارى مستنير.

 

عزائى لاسرتة واهلة و احبابة واصدقائة ومعارفة وحزبة الوطنى الاتحادى وكل الشعب السودانى فى هذا الفقد الجلل -  وعزائي على وجة خاص  للإخ العزيز الاديب الشاعر  حسان ابو عاقلة ابو سن ،ولمولانا رئيس القضاء السابق عبداللة ابو عاقلة ابو سن  وللاخوين ابراهيم وعوض الكريم  ابو سن و السيدة بهجة محمد احمد  ابو سن والسيدة زينب ابو سن والكتور بابكر بدرى والعزاء   لعميدنا فى كلية اداب جامعة الخرطوم 1983 الدكتور ابراهيم ابوسن   والصديق العزيز   الدكتورعدلان الحردلو.

 

عبدالسلام نورالدين

P.O.Box 227

Exeter  EX2 4XQ

United Kingdom