الاسئلة المعلقة على ستارة خشبة المسرح السياسي في السودان.

كيف تسنى لقيادتى الختمية والانصار التاريخية ان تحافظا على وجودها وواجهاتها السياسية، واواصرها الطائفية، والقبلية ، والاسرية ،  وثرواتها المالية ، ومكانتها  فى الوجدان  الشعبى ، والعقل الجمعى في مناطق نفوذها التقليدى رغم كل التجمعات التى اعلنت صراحة عن هويتها المستقلة وتحيزها الاقليمى اضافة الي الانشقاقات والحروب الاهلية المعلنة والاخرى الخفية التي تدور بين اروقة وساحات احزاب الختمية والانصار.

كيف اتفق لقيادتى الختمية والانصار ورغم التوسع الهائل في اعداد فئة المتعلمين وشرائح المهنيين وجماعات المثقفين السودانيين بتنوع تجاربهم وتعدد مشاربهم الثقافية ان تحتفظ بقدر من وسامتها وجاذبيتها الروحية التى تغرى الكثير من حملة الشهادات العليا والعقل الفنى في المؤسسات الحديثة ومثقفى المجتمع الاهلى والمدنى ان يتطلعوا الى تلك القيادات العليا بحثا عن عين الرضا وخطابات الاعتماد الطائفى التى تؤهلهم اجلا ان يجلسوا باطمئنان على مقاعد قيادة عربة السلطة او الثروة وكل الطرق تؤدى الى روما النخبة في السودان .

كيف تهيأ لتلك القيادات ان تحافظ على تمايزها وامتيازاتها رغم المحن وعوادى نتائج سياساتها التى حلت بالسودان منذ عام 1956م وماتزال تداعيات عرضها ذاك التعيس مستمرا، لقد تكفل هادم اللذات واخترم الدهاة الاباء الروحيين الاوائل ٍِِ[ عبدالرحمن المهدى وعلى الميرغنى ] الذين تأتى لهم عبر تقسيم العمل السياسي بينهما ان يتجاذبا حبال وحبائل التعاون شدا وارتخاءا مع طرفى الحكم الثنائي وان يخرجا بعد ان خرج غريب بلاده الى بلده من كل الابواب وفي لحظة واحدة سالمين وغانمين ، وان يمهدا بعدئذ للخلف ان يسير على هداهما وما زالا على العهد قائمين وعلى الدرب سائرين رغم القصور الذى لا يخفى والذى شاب ادائهما البائس مقارنة بتلك العيون البصيرة والايدى الطويلة التى تمتع بها السلف الصالح.

قد حافظ الخطان المتوازيان للطائفتين في السلم والحرب وفترات الانتقال ان لا يلتقيا او يتباعدا جدا او يتلاشيا رغم البيانات الاولى العاصفة لكل الانقلابات التي اجتاحت السودان [ 17 نوفمبر 1958م – 25 مايو 1969م -  30 يونيو 1989م] والتى شهرت بقيادات الاحزاب الطائفية واطلقت عليها نعت – البائدة- ورمت بجثتها الاعتبارية الي النيران التى اشعلتها بقراطيس برقيات التأييد التى تطالبها ان تضرب على الحزبية بيد من حديد -  وتحدثت الانقلابات بتفاصيل فاجعة عن خفايا الاحزاب فخرجت المسيرات تجوب شوارع المدن الكبرى منددة باحزاب الخزى والعار وانطلقت الاناشيد والاغانى  والمأثورات [ يوم 17 – هب الشعب طرد جلاده – عبود ياجبل الحديد – جيتنا بالرأى السديد.   ياحارسنا ويافارسنا لينا زمن نفتش ليك ، وجيت الليلة كايسنا . " سيرى الذين ظلموا اى منقلب ينقلبون "  الخ] ومضت الانقلابات قدما في تأميم ومصادرة املاك سادة الطائفتين واعلنت بالبذاء  المقذع  تفسخ نساء ورجال  اسر تلك الطوائف " التى  لاتمت لاخلاقيات الشعب السوداني  الكريم بصلة  " واستعانت بشواهد محلية واخرى من وراء البحار ، وتجاوزت الانقاذ كل حدود الحياء وتقاليد السياسة والتهذيب واللياقة لدى السودانيين في التشهير الاخلاقى بالسيد الصادق المهدى-  ثم تجرى آلة الزمان السودانية الى مستقرها لتكتمل دورتها الطبيعية فتتعرض الواح الثلج الانقلابية رويدا رويدا الى شمس السودان المحرقه التى تشرق دائما ثانيه  فتسوخ وتذوب فيخرج طائر الفينيق السودانى من وهج الجمر ومن خلل الرماد حيا ويحلق وكأن لم يك بين سجن كوبر،  ودبكه، وبورتسودان،  وشالا وبيوت الاشباح ،  انين وصرعى ومقاتل ولم يعصف فى كل فج عميق بالبلاد عاصف وزلزال ، وتعود ايضا حليمه [ الصادق  ومحمد عثمان ] الى ضلالها وعاداتها القديمة وتلتقط المتجردة نصيفها من الغرفة المجاورة بيد وتتحدى بالاخرى الابطال المجهولين الذين دفعوا بشاحنة الواح الثلج الى اشعة الشمس الحارقة حتي ذاب واولئك الذين جادوا بارواحهم فى سبيل ذلك قائلة : الان  وقد حصحص الحق وزالت سحابة الصيف : فلنحتكم  جميعا الى صناديق الاقتراع وعلى الحشاش منا ان يبرهن انه مؤهل وقادر على ملء شباكه  وعلى العاجز تدور الدوائر .   قد برهنت الطائفتان الاعظم بعد ذوبان عبود جبل الجليد تحت اشعة شمس اكتوبر 1964م – وذوبان الاخر "حمار الجليد " تحت اشعة شمس مارس وابريل الاستوائية 1985م –  على قدرات هائلة ان يملاءا شباكهما  وان يعودا ادراجهما الى سابق عصرهما واوانهما ،  وما كان  قبل ذلك لم يكن.   وللمرة الثالثة  وهذا صياح الديك في اعماق السودان القاري يبشر بالنهار ولم يتبق من هشيم الثلج الا تلك القمصان البلاستيكية اللامعة التى تلفه وتحتويه  كما تحتوى وتلف تلك الخيوط فرعون الذى فقد عقله – وقد فقد ايضا ذلك  الحائك الالعبان الذى ابدع فى تفصيل خيوط تلك الجلابيب التى لا يراها احد غيره ،  فان الطائفتين الاعظم  قد اعدتا جهد المستطاع ما ينبغى ان يتوفر لسباق المارثون الانتخابى الجديد فهل بالامكان ان تتوفر لهما نفس اليات التنويم الروحاني  ومزامير النفخ السحرى والاسطورى التى يعرفان نفاذ اشجانها وانغامها  فيستجيب لهما ذات الوجدان والعقل رغم التغيرات التى طرأت والتى تبدو جذرية في خارطة المكان وابعاد الزمان .

موت القداسة علي أعتاب السياسة

  الجدير بالذكر  ان الحزب الوطنى الاتحادى تحت قيادة اسماعيل الازهرى ، مؤلف كتاب : " الطريق الي البرلمان "  الذى اضحى دليل ودستور الحركة الوطنية فى ارساء قواعد ونظم ولوائح ادارة اجتماعات  الجمعيات والاتحادات والمجالس التنفيذية والتشريعية في السودان ،  قد شن قبيل الانتخابات البرلمانية الثانية1956-1958  حربا سياسية شامله ذات طابع علمانى صارخ – تحت شعار- موت القداسة على اعتاب السياسة -  لتجريد السيدين على المرغني وعبدالرحمن المهدى  من اسباب واثواب واليات القداسة التي يتمتعان وينفذان بهما الى اعماق الوجدان الشعبى والعقل الجمعى في اقاليم شرق وغرب وشمال السودان ،  وامتدت وسائط الاعلام والاتصال التى ادارها بكفاءة وبراعة مثيرة  " دينمو " الحزب الوطنى الاتحادى  يحي الفضلى عبر صحيفة " النداء" ومن حوله اركانه[ الصاروخ الشريف حسين الهندى ،  ومولانا محمد احمد المرضى، والاستاذ المحامي- عبدالماجد ابو حسبو ،  احمد زين العابدين ،  وابراهيم المفتى ،  ومبارك زروق ، حسن عوض الله ، خضر حمد ،  وحسن عبدالقادر ] الى كل بيت واسرة وراع ومزارع وعامل وافندى في اركان السودان الشمالى لتنقل لهم الفكره العلمانية المطوله : موت القداسة على اعتاب السياسة ، في جمل شعرية قصيرة على ايقاعات سريعة تستقي من اغاني البنات  بساطتها،  ومن رقصة التمتم رمحتها وقفزاتها، ومن الشعر القومي خطابه المباشر،  ومن منافرات ومطارحات كرة القدم التكرار والاغاظة  والاستفزاز :

حررت الناس ** يا اسماعيل

الكانوا عبيد  ** يا اسماعيل

والكل بقى سيد  ** يا اسماعيل

وهنالك زولين  ** يا اسماعيل

غاشين الناس  ** ويا اسماعيل

باسم الدين  ** ويا اسماعيل

والدين مسكين

 

تحولت ليالى الحزب الوطنى الاتحادى السياسية في انتخابات 1958م الى محافل واعراس علمانية متأججة  ترقص على جثث القداسة فى اعتاب السياسة ،  ومع ذلك كانت المفاجاءة التى قصمت ظهر الوطني الاتحادى في انتخابات 1958م ذلك الفوز الساحق لحزب الامة الذى كان شعاره فى تلك الانتخابات -  حزب الامة  رمز القوة  - مع حليفه حزب الشعب الديمقراطي  ،  اما المفاجاءة الاخرى التى لا تقل عنها اثارة للاضطراب والذهول فهو الاعتذار والتراجع غير المنتظم الذي بدا انئذ ذليلا من قبل الوطنى الاتحادى للسيد على المرغني عن كل تفاصيل ذلك الخطاب العلمانى " الجانح " وعودة الفتى العاق  - يحي الفضلى الذى كان لا بد ان يتحمل كل  اوزار الحملة الانتخابية ، وتداعيات الانشقاق والشقاق وان يكون كبش فداء – يساق الي حظيرة الحسيب النسيب.

لم تبرأ يحي الفضلى جهارا عن الحملة العلمانية التى صممها مع سبق الاصرار والترصد كما تقول لغة القانون واعد لها الوطني الاتحادى كل ما يستطيع من قوه ومن رباط الدعاية لدفن القداسة في مقابر السياسة؟  هل كانت الهزيمة الانتخابية وحدها امام خصمين كبيرين سببا كافيا للتنصل عن جوهر تلك الحملة التى بدت علمانية وترجى التوبة والعفو والغفران من الاب الروحى للاشقاء والاتحاديين  والعودة للسباحة في تيار الطائفية المتدفق بحماس لا ينقصه التدريب ام ان الحملة الاتحادية بمجملها لم تك سوى احبولة سياسية ماكره   من تلك التى برع في عقدها وتعقيدها  الفضلى والهندى وليس لها غاية تتجاوز انتزاع الدوائر الانتخابية من حزب الختمية - الشعب الديمقراطى ومنازلة حزب الامة فى عقر داره بكردفان ودارفور بمهارة حتى يرعوى من الاستخفاف "بصانع الاستقلال" "وبطل باندونج" .  هل صدر التجريح والتنديد والتشنيع بطائفة الختمية والانصار من موقف فكرى اصيل له جذور واصول اجتماعية داخل بنية الوطني الاتحادى او على الاقل لدى بعض الشرائح التي يمكن ان نصفها بانها ذات موقف رديكالي اصيل من الطائفية  ولها تصورات لمستقبل السودان القريب والبعيد؟  ام لم يزد كل الموقف الاتحادى ان يكون ابتزازا للطائفتين  وتملقا على الطريق لتطلعات الجماهير المستنيرة في المدن التى امدها الاستقلال السياسي في 1956م بجرعات دافقة من الثقة فى عقلها ، وقدراتها وفي ذات الوقت مناورة جماهيرية بارعة من قبل الوطني الاتحادى لانتزاع شعل التقدم ورايات التصدى للطائفية التي يرفعها اليسار [ الجبهة المعادية للاستعمار ٍ]  ذو النجم الشارق فى اوساط الطلاب وعمال السكك الحديدية وبعض مزارعى الجزيرة وحث تلك الفئات ان تيمم وجهها شطره بدلا من اليسار.   هل كانت مجرد مناورة تحاول بدهاء اصابة اكثر من هدف بحجر واحد في نفس الوقت فلما باءت تلك المناورة بالفشل الذريع كان لابد من استدارة مباغته  ولكنها كاملة للألتقاء بالحليف الطبيعي والقديم فى اول الطريق  ومهما كان الثمن الذى يطلبه والالتفاف على نتائج الانتخابات وافساد حفل الانتصار على العدو التقليدى – حزب الامة -؟  .

هل هنالك ما يدفع الى ترجيح كفة ميزان الرأى الذي يقول  بان الحملة ذات الملمح العلماني : موت القداسة على اعتا السياسة  لم تك سوى احدى المناورات البارعة ذات الطابع المزدوج التى تدرب على ابتداعها  الدينمو والصاروخ ،  في المنعرجات الحادة ؟   يبدو ان الحزب الوطني الاتحادي الذي يبدو علمانيا في مظهره وفي لغة خطابه يستقى من الطرق الصوفية – الاسماعيلة ، والقادرية ، والسمانية، والهندية ، والتيجانية ،  والبادرابية ،  واخرى ذات انتشار في القرى والمدن الصغيرة على امتداد الجزيرة  والنيل الازرق قوته ونفوذه وزخمه الروحي وتأثيره النافذ على الجماهير.

وتعد طرق السمانية ، والقادرية الجيلانية ،  والتيجانية ، والاسماعيلة اكثر اصالة وادق تعاليما واعرق في مقامات التصوف ومعارجه من الختمية (التى وفدت مع السيد محمد عثمان الميرغني  الكبير عام 1820م من الحجاز عبر بوابة مصر مبشرا ونذيرا للسودانيين ان يتقبلوا طوعا واختيارا اوقسرا وهم صاغرون فتح محمد على باشا المؤيد من قبل العناية الالهية والباب العالى في الاستانة) وتعد ايضا اقدم قدما من الانصارية المهدوية بظلالها الوهابية التى ازدهرت على يد محمد احمد بن عبدالله ( ابن نجار المراكب  على حد تعبير الخليفة عبدالله التعايشي) واعلنت وجودها في ميادين القتال عام 1881م.

واذا كانت لطائفة الختمية علائق وجذور ذات طابع جهوى مناطقي وعشائرية قبائلية  بالشاقية، والرباطاب ، والركابية ، المحس ، والدناقلة في شمال السودان ، والبجا والشكرية في شرق النيل الازرق ، والبطانة ، وكسلا ، وتلال البحر الاحمر مع قليل من الاستثناءات هنا وهنالك فان لطائفة الانصار فضاؤها المناطقي والقبائلي الخاص بها ايضا الذى يمتد من الحدود الشمالية لاعالي النيل الى الاطراف الجنوبية من مشروع الجزيرة والمناقل . ومن شقيق ماجدية الشويحات التى تقع غرب النيل الابيض قدما الى قرى البديرية والزنارة والشويحات حول مدينة الابيض وشرق ابو زبد اضافة الى قبيلة حمر التي تمتد من الدودية شرقا الى مرتفعات الزرنخ  والشريف كباشي غربا،  ومن ابو زبد وام قرنن شاك جنوبا ،  الى المقيسم وام بل شمالا . اما ذاك الشريط الطويل الذى يمتد من شرق النيل الابيض  الى غربه عبر الجبال الشرقية وجنوب غرب كردفان ودارفور الى حدود افريقيا الوسطى وتشاد التى غمرتها القبائل التى عرفت بمصطلح البقارة من سليم ، وكنانة ، والحوازمة ، والمسيرية الزرق ، والمسيرية الحمر ، والرزيقات ، والهبانية ، وبني هلبة ، والتعايشه ، والسلامات ، وفلانى تلس وغيرهم  منذ القرن السابع عشرالميلادي وماتزال خطوط هجراتهم عامرة وموجاتهم تتدافع  ، فقد تبنوا جميعهم الطريقة الانصارية هوية دينية ومناطقية ورديفا قبائليا طبقا لتجليات الموقف ومنعطفات احوالهم سلما وحربا .

ويشارك الابالة في شمال دار فور من مهرية وزيادية ومحاميد اشقاءهم البقارة ذات الهوية الانصارية بدرجات اقل من الزخم العاطفي والحماس العشائري لتشتتهم في دومات الصحراء الليبية التى دفنت رمالها المتحركة من الشمال صوب الجنوب مضاربهم ونوقهم واجسادهم حتي الاذقان.  وتكاد ان تكون كل قبائل الميمة والبرقد والبرتي والداجو والكروبات  في شرق دار فور وفي الركن الشمالي الغربي من كردفان على الطريقة الانصارية.

يتمتع الوطنى الاتحادي ذلك النموذج المدهش للتوسط والوسطية بكل تشكلاتها الاجتماعية الفئوية والطبقية وطرق الصوفية والمناطقية القبلية بدعم سياسي ووجداني يكاد ان يكون شاملا من كل معتنقى الطريقة القادرية الجيلانية في عقر دارها – طيبة الشيخ عبدالباقي ،  حنتوب ، ابو حراز ، الحاج عبدالله ومن كل افراد قبيلة العركيين فى الجزيرة المروية ، والمناقل ، ورفاعة ، شندي ، بربر ، والنهود ، وبقية مدن كردفان ودار فور حتى يمكن ان يقال مع الاستثناء الذى يعضد القاعدة ويصدق ذالك حتي قيام اول انتخابات برلمانية عامة في السودان 1954: ان كل عركي في السودان بالضرورة قادري الطريق او تيجاني وكل قادري الطريق لن يتردد في لحظات الحسم ان يدلى بصوته لمرشح السيد اسماعيل الازهري حتي اذا كان ذلك المرشح,, حجرا,,  وعلى ذات المنوال فان كل بديري دهمشي في حي السيد المكي بام درمان والابيض وابو زبد  والدلنج والنهود والعباسية تقلي وبارا وواحة البشيري لابد ان يكون اسماعيلى الطريق ويعضد سرا او جهرا حفيد السيد المكي اسماعيل  ويناصر الوطني الاتحادي دون ان يهتم كثيرا بمحتويات برامجه او الشعارات التي يرفعها .

وظل الهنديون ومنذ الانتخابات البرلمانية الاولي في السودان يحصدون اعلى الاصوات في دائرة الحوش ، وظل الشيخ محمد احمد المرضى ابن عمدة قبيلة الصواردة في خرطوم المقرن والرميلة والقوز يقطف بثقة لوز الصواردة ليملأ بها سلال الوطني الاتحادي.

واذا كان 70% من الجعليين  في السودان  قديما قد توزعوا بدرحات متفاوته على طرق السمانية ، والقادرية والتيجانية فان مجرى كل تلك الروافد التى تجرى من جداول العمراب  والكتياب والتنياب والعركيين  فانها تصب فى بحر الوطنى الاتحادى الواسع.

لابد من الاشارة في سياق تداخل البنية القبلية ، بالطريقة الصوفية ،  بالمنطقة ، او الجهة بالتركيب الاجتماعي الطبقي واثره البالغ فى صياغة تشكلات وتكوينات الاحزاب السودانية وعلى وجه خاص الحزب الوطني الاتحادي  فان الطريقة التيجانية التي قدمت من المغرب والجزائر عبر ممالك ومسالك غرب افريقيا الي السودان الاوسط والشرقي كان لها التاثير بعيد المدى  والاقوى فى دار فور  وعلى وجه الدقه على مناطق الاستقرار السكاني  من المزارعين ، ولدى شرائح التجار وصاغة الذهب  والفضة  وعلماء الدين والقائمين على الادارة والحكم ، ويتجلى ذلك في اعتناق سكان اكثر المناطق خصوبة وتراثا في مدارس حفظ وتجويد القران وانتاج الثروة في دار فور للطريقة التيجانية هم قبيلة الفور الكنجارية الذين اسسوا اول دولة اسلامية في السودان الاوسط والشرقي اضافة الي المساليت والقمر على الحدود الغربية .  وليس من المفارقات فى شيء ان تكون جل بيوتات الادارة الاهلية في دارفور وكردفان وحتي لدى قبائل البقارة من معتنقى الطريقة التيجانية (على سبيل المثال لا الحصر : السلطان بحر الدين دار مساليت ،  ابراهيم موسي مادبو الرزيقات، بابو نمر-المسيرية الحمر ،  منعم منصور – دار حمرومن الارجح ان قد كان سنوسيا، ابراهيم ناصر ،  حسن احمد عديل ، عبد الرحمن احمد عديل ).

وكان من طبائع الأشياء  ان يهاجر الى كردفان ودارفور وفى وقت باكر العدد الاكبر من معتنقي الطريقة التيجانية في شمال السودان وعلى وجه خاص العمراب من الجعليين الذين امتهنوا صياغة الذهب والفضة والتجارة ولهم ذراع مشهورة في الثقافة والعلم -  اذ كانت بيئات المدن واداراتها فى مهاجرهم الجديدة – مدن الجوامعة -  الكبابيش -  المجانين – الفور – المساليت  تجمعهم مع ذوي قرباهم في الطريقة التيجانية  وتوفر لهم حماية السلطان وحرية التجارة.

اما الشاقية والرباطاب والركابية والدناقله والمحس فقد اتجهت معظم هجراتهم الى القرى والمدن الواقعة بين النيلين والى البحر الاحمر ، حيث تزدهر الختمية ومراكزها بقبابها اللبنية. 

يبدو ان الذاكرة العشائرية والمناطقية وذاكرة الطرق الصوفية  لا تخبو على عجل وتظل متأججة عبر تداعياتها وتجلياتها المتباينة وفق شروط الزمان والمكان حتي اذا تبدلت اطرها الخارجية ،  فكل اولئك السادة والمكوك الذين انذرهم وهددهم محمد عثمان الميرغني الكبير في استطلاعه السودان لجيش اسماعيل باشا  عام 1820 بالويلات والثبور وعظائم الامور كا لمك نمر الجعليين في شندي وشيخ قبيلة الكبابيش واسماعيل الولي  لم يضع احفادهم ايديهم او قلوبهم منذ ئذ وحتى الاستقلال في 1956 مع ايد وقلوب المراغنة .

 

وجريا مع ثارات  تلك الذاكرة فان الذين سفك الامام محمد احمد المهدى دماءهم من علماء الدين وزعماء العشائر ورجال الطرق الصوفية   من ديار الجوامعة ورشاد والكبابيش والاسماعيلة الذين تشككوا في الاصالة الدينية لمهديته او اختلف بعضهم معه فى النظر الى الاشياء  اضافة الى اولئك الذين اطلق الخليفة عبدالله عليهم لقب ابناء النساء-"عيال العيين" ( ود رية ، ود مريوم ، ود الزهراء ) او حتي اولئك الذين حاربوا يوما في صفوف المهدية باخلاص ثم دفعتهم سياسات الخليفة  غير المرنة ان يفقدوا الحماس له ،  فحزمهم الاخير  حزم السلمة،  وضربهم ضرب غرائب الابل  واذاقهم لباس الخوف والجوع  كل هؤلاء  وعلى امتداد تباعدهم الزماني  قد عثروا في الوطني الاتحادى  كحزب سيما بعد النزاع والتنازع  بين السيد على المرغني  والسيد اسماعيل الازهري  قبيل الاتفاقية عام 1952م  وبعدها  تجمعا سياسيا  مناسبا ولائقا ،  يحافظ على استقلال طرقهم الصوفية  وعلى طرائق تعبيرها  بعيدا عن مؤسسة الدولة السياسية  وفي ذات الوقت عثروا في الوطني الاتحادي على توازن جد دقيق  يعبر عن خطابهم السياسي العام الذى لاينبغي له ان يلتقي مع جهادية المهدى الاول  وفظاظة خليفته او مع باطنية مصالح المراغنة وطلاسم مولدهم البرازنجي  او مع تصورات اليساريين  وتشنجات الاخوان المسلمين .

ولما كان هذا التجمع- قد ترك للتجار فى داخله الحبل على الغارب فقد كان احتفالهم به عاما . هذا التجمع السياسي  بتوازن طرقه الصوفية وقبائلة واقاليمه وتجارته الحرة هو الوطني الاتحادي العلماني على طرائقة الخاصة اولا ، وصاحب الطريق الصوفي تاليا ، هو التاجر او الافندي او سليل الادارة الاهلية اولا ، ثم الجعلي  او البديري الدهمشي او العركي  او المسلمي او الجامعي او الفوراوي  او الكباشي او المغربي تاليا ، ينتمى قادة هذا التجمع ونشطائه الى المدينة اولأ والى الريف تاليا. 

ولما كان عصيا جمع كل هذا الشتيت  فى كل واحد متوازن  سيما بعد ان اندفعت الى صفوفه  جماعات متعددة من جماهير الاستقلال  التي لا تربطها  باصول الوطني الاتحادي الاولى وتوازناته  وخطوطه الحمراء والخضراء واشجة  فان التقارب المفاجيء للحزب الوطني الاتحادي  مع حزب الشعب الديمقراطي وتراجعه عن خطابه الردكالى – موت القداسة على اعتاب السياسة 1958م -  ثم تقاربه للمرة الثانية  مع حزب الامة وجبهة الميثاق الاسلامي  بعد ثورة اكتوبر 1965م  ثم اندماجه  في عام 1967م مع حزب الشعب الديمقراطي  قد اصاب بنية الحزب الوطني الاتحادي  القبلية والعشائرية  والطبقية والطائفية  بالتشقق والتبعثر والاضطراب العصبي والفوضى في السلوك السياسي  وكل ذلك  نتيجة لفقدان توازنه واستقلاله الباطني . وخير من يجسد هذا التبعثر والاضطراب النفسي والعقلي  في السلوك الاخلاقي السياسي هو السيد الشريف زين العابدين يوسف الهندي ( انظر الحلقة الخامسة من هذه المقالات ) والان علينا ان نحاول الاجابة على السؤال الذى مهدنا له-

لم وقع الاختيار على يحي الفضلى دون غيره ليكون الضحية  وثمنا لتراجع الوطني الاتحادي عن علمانية خطابه – موت القداسة على اعتاب السياسة ؟  ولم  لم  ينهض السيد اسماعيل الازهري بنفسه  لتحمل نتائج ذلك التقهقر؟  هل يمكننا الاجابة على النحو التالى؟ :

1.        ليس من تقاليد السياسة في السودان ان يعتذر رجل الحزب الاول باية حال او ان يتحمل اخطاء او نتائج السياسات التي لم تك لترى النور ابدا اذا لم يوافق عليها في المقام الاول رئيس الحزب او الامام او راعي الرعاة ،  اما ان يتحمل  الشخص الثاني او الثالث او الرابع في الحزب  او من لم يك اصلا في العير او النفير حينما صدرت تلك السياسات التي تكشفت فيما بعد  ولاسباب عملية انها ذات طابع كارثي على وجود الحزب او مصالحه او مستقبله القريب  فذاك من صميم البرامج السياسية للاحزاب السودانية  التي لا تكتب ابدا على الورق  ولكنها تنفذ بكل دقة التفاصيل المرعبة الوارده فيها.

2.          لم يك الشريف حسين الهندي الذى لا يحمل للسيد على المرغني تقديرا يذكر في اعماقه وقد تامر المرغني من قبل مع السيد عبدالرحمن المهدي بدعم من السكرتير الاداري  على اقصاء ابيه الشريف  يوسف الهندي من كل الواجهات المضيئة في ايوانات  ومواكب واعراس السياسة السودانية ومن ثم تم تحجيم والده ونفيه الى البراري  وغيب من المناسبات العامة والاعياد الرسمية لكل ذلك لم يك هذا الشريف  الذى كان احرص على رد الصاع صاعين للمراغنه وخلفائهم ان يتقدم خطوات الى الخلف منحنيا امامهم الشيء الاخر ان طبائع الجسارة وركوب المخاطر والمهالك  في شخصية الشريف حسين الهندي  لا تتفق مع من ضربت عليه المذلة والمسكنة كدور يؤديه ثمنا لمصالحة لا يريدها وتر اجعا عن موقف لا يليق  بطبائعه وليس جديرا بابن المغدور ان يستجدى الغادر وليس ايضا من المقبول من ممثل طائفة الهندية في تجمع الوطني الاتحادي ان يتلاشي كضحية.

 

3.        واذا قبل يحي الفضلى لنفسه ان يؤدي احيانا دور المهرج السياسي  في موكب صلاة الجنازة على جثث القداسة  فان الرصانة  والحصافة والنجومية التي وسمت مفكر الوطني الاتحادي الاستاذ المحامي مبارك بابكر زروق  "المغربي"  لن تسمح له ان يقول ما من شأنه ان يصدم  وجدان جماهير الوطني الاتحادي التي لا تتوقع منه شيئا اقل من مقامه عندهم سيما طائفة التيجانية منهم  وعلى وجه خاص اصحاب الذكر والامتاع والمؤانسة الصوفية مع الشيخ بابكر زروق  من امثال الشيخ مدثر الحجاز وشاعرهم الطيب بابكر  الذين يتطلعون الى ابنهم مبارك بوجه ولسان التيجاني يوسف بشير -  السحر فيك وفيك من اسبابه  -  دعة المدل بعبقرى شبابه.

 

4.        واذا كان كبرياء الاسماعيلية يمنع اسماعيل الازهرى وابراهيم المفتي وخضر حمد من الانحناء للعاصفة وكبرياء الهندية يدفع الشريف حسين الهندي  بعيدا عن الذلة والمسكنة وزهي حسن التيجانية  لدى مبارك زروق  يقف حائلآ امامه فان العلمانية المقاتله  لدى الاستاذ المحامي عبدالماجد ابو حسبو والاستاذ المحامي احمد زين العابدين اللذين شاركا بفاعلية  في الزمان الاول  في رفع القواعد  من بيت الحزب الشيوعي  فان تلك الخلفية لا تحضهما كثيرا على المشاركة في محفل بيت الطاعة الطائفي ، وهكذا لم يبق في قيادة الوطني الاتحادي في عام 1958م سوى يحي الفضلي  بجذوه الختمية الاولي  ومواهبة الفذة التي لا تجارى في لعبة كرة القدم السياسية السودانية والتي تؤهله بجدارة ان يلعب  جناحا يمينا  وايسرا ودفاعا، وهجوما ، وحارسا للمرمي وحكما ، ومتفرجا على المقاعد فى ذات الوقت  لتحافظ اللعبة  على طرافتها ومفارقاتها حتى اذا كان ذلك  على حساب مضمونها وجوهرها.

 

 

د. عبدالسلام نور الدين