-1-

خابت صحافة الفضائح التي أنشبت أظفارها

عندما  بدأ  قبل ثلاثة اشهر النباتي  الاشتراكي التوجة , كثير التواضع , سهل التواصل  والتوادد  مع الاخرين جرمي كوربن (66  عاما) نائب دائرة ايسلنجتون بلندن  منذ عام ( 1983 )  حملته الانتخابية  لدخول حلبة  التنافس على قيادة حزب العمال البريطاني الذي مني بهزيمة صاعقة تحت  قيادة ايد  ميليبان في الانتخابات  العامة في مايو الماضي ( 2015) لم يلتفت اليه هواة جمع صور مشاهير صناعة العرض ولم يهتم باطروحاته غير أولئك الذين يعرفونه عن قرب أو الذين يتمتعون بقرون استشعار مشعة الحساسية وقد أنبأتهم  أن الجزيرة البريطانية التي يتحدث عنها هذا النباتي الاشتراكي الزاهد على موعد  مع زلزال يخرج اثقالها ويقلب اعلاها اسافلها اذا اتفق له أن يجلس على مقعد قيادة حزب العمال أما صحافة الاثارة والفضائح فقد أغفلت في البداية الاهتمام بكوربن ولما تم اختياره في قائمة الاربعه (ايفت كوبر ليز كاندل اندي برنام وجريمي كوربن)  الذين نالوا اكثر الاصوات من اعضاء حزب العمال للصعود الى منصة الانتقاء الاخير أنتاب الصرع    صحافة الاثارة والفضائح فانشبت اظفارها  ومخالبها ونصال بذائتها في تفاصيل حياة وسمعة واسرة جرمي ولكنها ولحظها العاثر  لم تعثر على عشيقة لا تزوره الا في الظلام أو في رابعة النهار ولم يستبن لها رغم حفرياتها في مطامير ملفاته التي توفرت لها  اختلالات اخلاقية في طفولته الباكرة  ولميتيسر لها أن تضع اصابعها على ازدواجية دكتور جيكل ومستر هايد في شخصيته رغم اقترابه من عمر السبعين واصيبت صحافة الفضائح  بفجيعة أخرى أن جرمي كوربن لم يستنفد يوما مخصصاته المالية الاضافية كنائب في مجلس العموم لاكثر من ثلاثين عاما كما فعل زملاؤه الذين بددوا  اموال دافع الضرائب بتقديم سندات زائفة وقد خاضت الصحافة والقضاء  في وقائع  المفاسد ردحا من الزمان.

 رغم كل ذلك  لم تخرج أظافر ومخالب صحافة الفضائح خالية الوفاض من وليمة النهش  في لحم قائد حزب العمال الجديد الذي لا يأكل اللحم اذ أعلنت للعالم كشفها العظيم  ان جرمي كوربن  لا ينتمي الى هذا العصر باي واشجة وأنما قدم من مغارات كهوف التاريخ  وعلى الجمهور البريطاني أن لا يصاب بالذعر من هذا  الميت الذي يمشي على قدمين.

لما تبين وكان ذلك للوهلة الاولى - لوسائط  حزب المحافظين وربائب  بيوت المال في مؤسسات  اقتصاديات السوق  في ثنايا  سباق المنافسة بين مرشحي العمال الاربعة أن ليس  عسيرا  على كوربن  الصعود الى مرقى القيادة  انتاشهم  غير قليل   من الاحساس المفتعل بالسعادة  وتحمس بعضهم ان يتسلل  سرا الى صفوف  المقترعين لترجيح كفة كوربن ليفوز اذ ليس هنالك  من ضربة قاضية  يمكن أن توجه لهذا الحزب من داخله  تعادل أن  يكون  مثل كوربن على قمة هرم رئاسته اذا  سيحرمه باجاباته القديمة لاسئلة جد جديدة وتصوراته البائدة  من اكتساح الانتخابات  العامة الى أمد طويل  وتلك خدمة لا تقدر بثمن كما قد بدا لهم   يقدمها  هذا الاشتراكي العقيم مجانا للمحافظين.

لما تكشف لتوني بلير  الذي يصفه خصومه بانه  تلميذ نجيب في مدرسة الليبرالية الجديدة رغم ارتدائه سترة حزب العمال أن كوربن يحظى بشعبية فاقت بما لايقاس كل منافسيه وجه نداءات لا تخلو من انفعال ساخط الى اعضاء الحزب  الذي الحق به اثناء قيادته الكثير من الخراب: أن جرمي سيستأصل شافة حزب العمال وسيزيله من اليابسة في الجزيرة البريطانية اذا منحوه ثقتهم الغالية  أما بيتر ماندلسون مهندس  أنتخابات (1997 )  التي قادت خطى توني بلير الى الباب رقم (10 ) في شارع داوننج استريت في وستمنستر  فقد سخر  كل مواهبه الثعلبانية  لتعطيل اجراءات الانتخابات حتى لا تفضي الى أختيار  كوربن رئيسا.

لم يدخر غوردن براون  اقل رئيس وزراء بريطاني شعبية  كما اشارت احصائيات  استطلاع الرأي العام ابان رئاسته  التي اسهمت في الهزيمة الكبرى لحزب العمال ( 2010 ) لم  يدخر وسعا  أن يحاضر الناخبين  في عنفوان سباق التنافس  أن لا يختاروا  من لا يتمتع يالمصداقية والمساءلة والقابلية أن يقود الحزب في معركة  الانتخابات العامة  القادمة الى النصرو رمت  كل احاجيجه  الى استبعاد  كوربن من قائمة الأقتراع  ورغم كل التحديات  والمساعي  المشتركة والمتفرقة  من قبل وسائط اعلام الاثارة والفضائخ  والسكاكين الطوال التي سنها  البليريون  القدامي والجدد في حزب العمال  والاستخفاف  الذي  استقبل به   باكرا  المحافظون  خبر  دخول  كوربن حلبة صراع الرئاسة  لم يصدق الجميع عيونهم  واذانهم  أن كوربن قد اجتاح  من اللحظات الاولى  التي وضع فيها قدمية على ارض ميدان  سباق الرئاسة  اجتاح كعاصفة  ضوئية ليس  صناديق اقتراع   حزب العمال فحسب ولكن  ملأ كل سماء الجزيرة البريطانية بالاضواء وشغل المشاهير والاغمار.

وهذه الضجة الكبرى علاما  

داخل كل المشهد البريطاني   منذ نصف الحادية عشر صباحا من يوم السيت 12 سبتمبر 2015  والى وقت قد يمتد طويلا   مزيجا  من اغماءة  الذهول  واليقظة النافذة  في لحظة واحدة . المثير  حقا  أن قد كان جليا ومنذ الاسبوع الثاني من اغسطس (2015) أن جرمي كوربن  قد جاوز كل منافسيه  في مارثون القيادة  بمسافة بعيدة يشق تعويضها  ومع ذلك  تحول ما يعرفه الجميع ويجري أمام عيونهم بوضوح الى مفاجاءة  وكأن لم تخطر لاحد من قبل على بال  الى الحد الذي ادلى فيه  مايكل فالون وزير الدفاع البريطاني  مباشرة بعد الاعلان الرسمي للنتيجة أن  اختيار العمال لجرمي كوربن  يشكل تهديدا للامن القومي البريطاني  وتهديدا للاقتصاد القومي البريطاني  وتهديدا للمواطن البريطاني .

أضحى عدد كبير من مواطنى الجزيرة البريطانية  بعد انتخاب جرمي كوربن وقد فتح كل  كوى ونوافذ وابواب حزب العمال لتلقي الاسئلة التي ينبغي أن يوجهها الى ديفيد كمرون في اول حديث له في مجلس العموم بعد انتخايه فوصله في الحال 000 40   سؤالا  وكلها تتعلق بالاسكان والصحة والتعليم والبطالة  والقضايا الاساس  التي تمس مباشرة حياة  المواطنين اليومية -أضحى أشبة بذلك الشاكي الذي انفجر باكيا بحرقة في قاعة المحكمة حينما استمع الى محامية يعدد أمام القاضي  المكارة  والمظالم  والاوضار التي لحقت بموكله  فلما سئل ولم تبكي والى جانبك مثل هذا المحامي البارع أجابهم  :أنني ابكي اذ لم اك ادري ان ظلامتي  قد بلغت هذا الحد التي يصفها  محامي.

لماذا وقفت كل بريطانيا -الخصوم  والهواة والمحترفين  ومناصري حزب العمال وغير المكترثين باحابيل ساس يسوس وحراس مؤسسة الدولة على رجل واحدة كما يقول التعبير الدارج في السودان  لما منح المقترعون  جرمي كوربن 5. 59 %  من اصواتهم  وتوزعت بقية  الاصوات %.39 .5  على   الثلاثة  في سباق التنافس ؟.

لماذا تخلت  فجاءة وسائط الاعلام القومية  عن لغتها الحيادية ووقارها  المعهود عنها في اللحظة التي انتقل فيها جرمي كوربن  من الصفوف الخلفية الى قيادة حزب العمال  وتحزمت متحفزة ناشبة أظافرها  في وجهه بوصفه خصما  قوميا  أتى  خصيصا لانتزاع بريطانيا  من منظومة حلف الناتو  وليجردها  في ذات الوقت  من قوة ردعها النووي وليسقطها من مجرة الاتحاد الاروبي ولا يكتفي  كوربان بكل ذلك فانه  ايضا لا يريد لشعب المملكة المتحدة  ان ينعم بالسعادة  تحت ظلال زيزفون صاحبة الجلالة  الليزابث الثانية   وبمملكته ذات العماد ويأبى بعناد أن يردد: عاشت الملكة ويفضل أن ينشد عاشت بريطانيا  ولا يستنكف أن يتطلع الى بريطانيا جمهورية برلمانية؟

هل القى جرمي كوربن في أعماق بحيرة المؤسسة الراسمالية الكبرى التي رفعت قواعدها في الزمان الاول  بريطانيا العظمي  وقد أطمأنت وسكنت وغفت بعد  ذهاب الاتحاد السوفيتي والذين يتحلقون حوله  وقد استقر لها بعد نهاية الحرب الباردة بما لا يدعو مجالا للشك انها نهاية التاريخ ثم اتي توني بلير  وصحبه الغر الميامين الجدد وانتزعوا من مانفستو ومواثيق حزب العمال تمهيدا  لفوزهم الساحق ( 1997 -2010 ) الفقرة التي تثبت وتعمد تاميم الشركات الكبرى والخطوط الحديدية - هل القى جرمي كوربن جلمود صخر ثقيل الوزن كبير المساحة  فخض تلك الاعماق منذرا باستعادة مبدأ التاميم  ومضيفا أن لابد من توحيد الشعب البريطاني الذي تشقق طرائق قددا الى فقراء  يتداولون  الحرمان  والياس والى  اثرياء تفوق ثرواتهم تصورات الخيال . الجدير بالذكر  ووفقا لاحصائيات  منظمة أوكسفام  أن خمس اسر فقط حول حدائق قصر كنسنجتون بلندن قد راكمت في حوزتها من الاموال  ما يوازي  20 % من ثروات بريطانيا  وتدون احصائيات معتمدة  أن ما يملكه  1 %  من اثرياء سكان المملكة المتحدة  يساوي  55 % من  ثروات الشعب البريطاني  لكل ذلك يدعو كوربن الى توحيد شعب الجزيرة البريطانية  عبر المساواة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية  ومؤكدا أن المهدد الاول لامن بريطانيا القومي  والمهدد الاول لامن بريطانيا الاقتصادي والمهدد الاول لامن المواطن هو الفقر والفوارق والحرمان والياس.

صحيح أن حربا اهلية ضروس قد اندلعت في الجزيرة البريطانية عندما انتقل  كوربن من صفوف مجلس العموم الخلفية ليجلس في صدارة المعارضة ولكن الخبر السار ان هذه الحرب تدور في سياق نظام ديمقراطي ضارب في العراقة يردع اللاعقلانية والفوضى وصحيح ايضا ان كثيرا من اللاعبين في المسرح السياسي  الذين خال لهم أن قد تم ترتيب الاوضاع في البيت البريطاني بناءا على  مقتضى تصورات ورغائب مجتمع اقتصاديات السوق  حتى ليبدو الحوار الذي يدور في مجلس العموم ومجلس اللوردات وفي وسائط الاعلام  وبين احزاب  المحافظين والليبراليين الديمقراطيين  والعمال معدا بعناية قبل التلفظ به  ومتفقا عليه تماما كما يدور في غرف التدريب في مسارح الدرجة الاولى وليس ما يبدو للعيان خلافا  وتباينا وتنزاعا بين الاطراف سوى مستحقات سيناريو  تقسيم  العمل  وتوزيع الادوار ولكن جرمي كوربن ومعه الشباب والنساء والمحرومين قد ضجروا ورفضوا لعبة الاتفاق على نتائج دورات السباق قبل بدئها    فقلبوا المسرح  راسا على عقب واعلنوا نهاية السياسة كلعبة على خشبة المسرح  لكل ذلك فقد اعترفت كل الاطراف المعنية في الجزيرة البريطانية-أن حوارا جادا بدرجة حرب أهلية في سياق ديمقراطي قد بدأ ويعود الفضل في ذلك الى هذا النباتي الاشتراكي الزاهد  وقبل ذلك الى القوى التي اصطفت بعقل شجاع خلفة ومن لا يتوقع ما لا يمكن توقعه لن يجد الحقيقة ابدا .

**

د-عبدالسلام نورالدين

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.