45 عاما على انقلاب 25 مايو وفي تذكر مفارقات قوانين سبتمبر




"اشتاط  يوما جعفر النميري في ثنايا حمى عدالته تطبيق قوانين سبتمبر  غضبا  وماج وهاج في جموع رجال شرطة محاكم العدالة الناجزة  بعد مراجعة دقيقة  منه  لقائمة  اسماء ووظائف والمكانة الاجتماعية التي يحتلها  المقبوض عليهم الذين وقع عليهم  العقاب  بتهمة الشروع في الزنا أو شرب الخمر فلم يجد غير  اسماء لا صيت  لها  من ابناء وبنات الاطراف أو صغار الافندية  أوفقراء المدن أو الئك الذين يعيشون كالهوام في الازقة والحواري ولا حيلة لهم أو سند  فصاح باعلى صوته: اين "المحامين" من هؤلاء؟ اين القضاة؟ اين استاذة الجامعات ؟ اين ابناء الاسر ؟ واين واين ؟ ثم اردف أني اعرفهم بالاسم -يشربون حتى يسقطون لا حراك بهم على الارض فاين هم من هؤلاء  الذين لا نعرفهم."
لم يكن الرئيس كاذبا  اذ كان في تلك اللحظات العصيبة   التي فارق فيها عقله   يتحدث  بصراحته المعهودة  عن تجاربه  الخاصة التي يعرفها القاصي والداني  من اهل السودان قبل ان يتوب وينوب ويتعتمر عمامة الامامة.
أمن أحد ضباط الشرطة على كلام الرئيس قائلا : صحيح اننا ندري أن كبارا يحتسون المنكر ويقترفون الفواحش ولكنا  يا سيادة الرئيس لا نستطيع  القاء القبض عليهم   متلبسين بالجرم  دون بلاغات ضدهم مع اجراءات طويلة تخرج معها الروح  فهل يسمح لنا السيد الرئيس بمداهمة البيوت في اي وقت تنفيذا لاوامره الصائبة؟ وكأن  قد كان الرئيس  في انتطار مثل هذا  الرجاء  فمنح  الشرطة تفويضا مطلقا  في اتخاذ  ما تراه مناسبا لتنفيذ قوانين سبتمبر ولم يكتف بكل ذلك اذ خرج  على الناس في اليوم التالي في اثناء قراءته لخطاب  في وسائط الاعلام  يعدد فيه محاسن تطبيق  الشريعة السمحاء حتى وصل الى النص(  وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا) فطوى خطابه بامتعاض  وغضب واضح    قائلا  بلسانه الملتوي الغليظ وصوته الاجش : ولكنا مع ذلك  سنقفز فوق الجدران  وسنسترق السمع ونتجسس على الفساق الى يوم الدين وسنفعل وسنفعل مهددا جهة ما بدت مجهولة للسامعين ( لعله كاتب الخطاب  )  ناقضا كل المقدمات  التي انطلق منها  عندما بدأ  وشهدت العاصمة المثلثة  ومدن السودان الكبرى بعد ذلك التفويض المرعب  اياما  متوحشة سادت فيها الفوضى  واللامعقول بقيادة شرطة ومحاكم العدالة الناجزة  وليس اكثرها جورا  الحملات المحمومة  التي شنت على محلات الكوافير  التي تحمل تراخيصا من نفس الدولة أو  على رواد كفتيريا تقع على شارع النيل خلف جامعة الخرطوم  اذ اقتاد ت الشرطة شبابا كانوا يستمعون الى الموسيقى  فجلدوا جمعيا ولم يتورع قاضي المحكمة ان يعلن  لهم بلذة المنتصر  أنه ظل يتربص بهم الدوائر منذ  زمان بعيد الامد  وها هي الايام تحقق له مراده  فيقعون في قبضته التي لا فكاك لهم منها ابدا أما اكثر تلك الوقائع  والمغازي  سريالية أن داهمت الشرطة في النصف الاخير  من الليل منزلا لموظف له مقام في الخدمة المدنية  وردت الاخبار عنه  انه لا يأبه  كثيرا بشهر سبتمبر الذي سنت فيه القوانين التي وصفها بلون الغار الذي تدهن به شوارع الاسفلت  ولسوء حظ المتسللين ليلا فوق الجدر فقد كان المطلوب على سفر خارج الوطن في مهمة رسمية  لم تصل الى علمهم ورغم انهم قلبوا البيت رأسا على عقب بحثا عن المطلوب  لم يظفروا  بشئ  يقدم كمعروضات للمحكمة تدين الغائب ومع ذلك  لم يعد المداهمين الى محاطهم    بخفي حنين اذ القوا القبض على جنوبي  على مشارف السبعين  ومعه سيدة  من ذات الاقليم  في حراسة المنزل  الملعون وكانا عراة  كما ولدتهم امهاتهم  ويغطان  اثناء الحملة المباغتة في سبات عميق  فاقتيدا على ذلك الحال تحت الحراسة المشددة  الى مخافر الشريعة   وفي الصباح  الباكر وجهت لهما محكمة العدالة الناجزة  تهمة الزنا اذ  عجزا ان يبرزا للقاضي الموقر  وثيقة عقد النكاح بينهما  ولم تقبل العدالة الناجزة   التي  تمسكت  بحرفية النص على وجود  قسيمة الزواج   رافضه بقوة  تلك المرافعة التي  تم  نعتها بالواهنة  التي تقول  أن اثبات  النكاح لا يتم في الاقليم الجنوبي كتابة بواسطة مأذون شرعي وانما عبر عدد الابقار التي يسار بها الى بيت العروس  تعبيرا  عن العرض والأيجاب  وبحضور الاطراف المعنية من الاسرتين  ولا علاقة للمحاكم بكل ذلك في ذلك الجزء من العالم  ولما اصر القاضي على توقيع عقوبة الزنا عليهما بعد اعترافهما بممارسة الجنس ايام كانا بصحة موفورة   طلب المتهمان مهلة لاحضار الابناء والاحفاد لقاعة المحكمة كمعروضات مضادة لفعل الزنا  وهنا لحسن الحظ قد ابدت المحكمة قدرا  لابأس به من المرونة والتفهم  فذهبت الشرطة للبحث عن ابنائهما و كان اليوم الثاني مثيرا للذين ياتون من احياء بعيدة  للتمتع بغرائب وقائع  العدالة الناجزة  اذ امتلات ساحة  المحكمة  بالجيل الاول والثاني والثالث من ابناء واحفاد  المتهمين  اضافة الى بعض الجيران من  شماليين  مسلمين  قد اقسموا ان المتهمين بالفاحشة  تربطهما اصرة  الزواج.
لم تأخذ المحكمة  بعين الاعتبار  بعد مجادلات فقهية الاعتراض الذي تقدم به عضو منها بان كل عقد نكاح  يتم خارج أطار الاسلام والنصرانية واليهودية لا يعتد به ولا يختلف كثيرا عن افعال الفواحش وعليه فان المتهمين زان وزانية سيما وقد اعترف المتهمان بانهما لم يسمعا باي من العشرة المبشرين بالجنة أوبرسول الاسلام وانهما لايبغيان بكجورهما بدلا وقد تأكد للمحكمة الناجزة ان الترجمان كان دقيقا ملما بلغتيهما الاعجمية .أما المفاجاءة الجديدة  التي قضت على البهجة التي غمرت الحضور والشهود والمعروضات  من الابناء والاحفاد   ببراءة الشيخ والشيخة  من تهمة الزنا  فقد فجر القاضي لغما جديدا  حينما استدرك قائلا : حسنا لقد سقطت تهمة الزنا 
عنكما ولكن الشرطة التي القت القبض  قد عثرت عليكما  عريانين في فناء الدار في النصف الأخير من الليل  أما المسالة التي في أمس الحاجة الى فتوى قبل اطلاق سراحكما فهي  أن الملائكة لا تدخل بيتا يسكنه العرايا ولابد ان يكون مثل هذا البيت نجس  ورجس من عمل الشيطان . قد انتاب الذهول كل الحاضرين  ولم يدروا ماذا يفعلون ازاء  هذا اللامعقول الجديد  الذي الزمهم صمتا مطبقا أما الذي كان متهما وقد اخلت ساحته من جريمة الزنا  فقد تساءل ببراءة المحتار: وماذا تفعل الملائكة  اصلا  في البيت  اذا كان صاحبه غائبا ولست انا أو زوجتي في حاجة لوجودهم معنا ولم يبد الكجور يوما رغبته ان يكون معنا طوال الوقت. انتفض القاضي مرتعشا من الاساءة  التي لحقت  بالملائكة وبالمحكمة بهذا التعليق الشائن  ولكن ناصحا من الجنوبيين عارفا بالعربية وبالقانون قد اعتذر للقاضي بجهل المتحدث واشار للزوج والزوجة بالاعتذار والخروج فورا حتى لا يتهمان بالاستخفاف بالدين وبمعارضة تطبيق الشريعة الاسلامية فيواجهان حد الحرابة اذ يقعان في تلك الحال تحت طائلة حكم المفسدين في الارض   (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . المائدة 33)


د-عبدالسلام نورالدين

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.