كتب الاستاذ محمد بشير-الصاوي
"يمكن وصف اللقاء التفاكري  بين مجموعة من المثقفين السودانيين مختلفي التوجهات الفكرية والسياسية ( الدوحه 26- 27 مايو 2012 ) بأنه استكشاف أولي لامكانية تحقيق الهدف منه كما جاء في نص الدعوة وهو:  " تشخيص الازمة الوطنية وبحث سبل إيجاد حل يلقي الرضا والقبول من كافة الاطراف بغية ان يمثل ذلك مخرجا تاريخيا نحقن به الدماء ونستكمل كسب الاستقلال ونضع به اسسا جديدة للبناء الجماعي للوطن ". يعود نص الدعو ة الصادرة، مع حفظ الالقاب، عن عبد الله علي ابراهيم والنور حمد وعبد الله الفكي البشير الى  التأكيد علي هذه الاهداف مقرونا بأمنية ان تشكل المجموعة المعنية  دور المستودع الفكري ( THINK TANK ثنك تانك) بصيغة تقول : " التوافي علي أرضية جديدة للثوابت الوطنية، وتمهيد السبيل لتسوية وطنية حقيقية تمحو ضغائن الماضي وتوقف نزيف الدم وتمهد المسرح فيه لانطلاق مستدام للتنمية "
-1-
حينما يكون المثقف في مناخ  معاد للحوار المفتوح 
يستحق ما كتبه الاستاذ محمد بشير- الصاوي  حول محضر لقاء الخرطوم  الذي زودنا به  الاستاذ عبداللة الفكي البشير  المزيد  من  الدوران  الثاقب  حوله  باضواء  متعددة  ومتباعدة في المسافات وعلى وجة خاص الفكرة المحورية"   يمكن لللقاء التفاكري أن يشكل منفذا للانتقال الى حالة  " مجتمع مثقفين " من حالة " الافراد المثقفين " الراهنة. في الحالة الاولي ترتقي قدرات المثقف ومستوي فعاليته في مسار الحياة العامة بالاشتباك في الحوار المستدام هادئا كان او ساخنا مع الاخرين فتتولد أفكار جديدة وتترسخ تقاليد الانفتاح الذهني وتحرير العقل، بينما الموجود راهنا هو حالة أفراد تنطبق عليهم صفة مثقف ولكنهم يكابدون مشقة بالغة للحفاظ علي هذه الصفة في مناخ معادي للحوار المفتوح"
-2-
الحاضنة الثقافية
لم يك من الميسور للبريطانيين  الذين مدوا في خمسة عشر عاما( 1898 - 1913  ) خطوطا حديدية من حلفا الى كوستي ثم الى الابيض غربا  ومن سنار الى القضارف ثم الى بورتسودان شرقا واخر  من من الاخيرة الى عطبرة دون  توفير بوتقة صناعية أو مجتمع صناعي فكانت مدينة عطبرة التي  تم اعدادها بكفاءة لاداء تلك الوظيفة  فوفرت للامبراطورية ولكل دول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية( 1939  - 1945 ) مطالبهم من الامدادات الحربية ذات الطابع العاجل في  جبهات القتال في  شمال افريقيا وشرقها.
وحينما وضعت الحرب  اثقالها  استقطبت عطبرة ضباط الصف العائدين من ميادين القتال من ذوي المهارات الفنية العالية واستتشغلتهم  في ورشها وفقا لتخصصاتهم  فكانوا بحق اسهاما له اعتبار  في نموها وتطورها اللاحق   لتدريبهم المهني  الرفيع ولضبطهم العسكري الصارم.
لعبت  مدينة عطبرة بفضل تلك البوتقة  ومجتمعها الصناعي دور قاعدة الحداثة وحاضنة للمجتمع المدني في السودان ولولا تلك البوتقة(-القاعدة الحاضنة)  يشق تصور وجود  وفاعلية لنمو قوي اليسار والحداثة في السودان على مدى ربع قرن من الزمان ( 1945 - 1971
.تضافرت  جهود   كل النظم المستبدة في السودان بدرجات متفاوتة -من طغمة 17 نوفمبر (1958 -1964 )-انقلاب مايو(1969 -1985 ) الى أنقلاب الحركة الاسلامية( 1989)   لخنق مدينة عطبرة وأخماد انفاس مجتمعها المدني الصناعي بكل أمتداداته في السودان .
دلقت حركة الاخوان المسلمين  بتجليات تناسخ روحها ( حزب التحرير-جبهة الميثاق –الجبهة الاسلامية القومية –المؤتمر الوطني)   تنور الغل الذي يمور في صدرها من المدينة التي استقوت خصمها اللدود اليساري بالعقل المنظم والوجة الشارق للطبقة العاملة واليد الحصيفة واللسان الذرب   ففكرت وقدرت فجففت مصادر الحركة والحراك في حاضنة الصناعة والحداثة في السودان  وسدت منافذ ونوافذ الضوء فيها بتلك اللبد والالحفة  التي تغطي عيون واسماع  سكان مستوطنات   احمد  شرفي  والبكري  وحمدالنيل  ولم يكن مفاجئا وان كان صادما  أن يخرج  من عطبرة ومساربها وروافدها   بعد أن تحولت  من حاضنة المجتمع المدني الي ارض خراب  على مستوي  العقل والوجدان -   البطون والافخاذ والعشائر  والقبائل تعرض بسلالات انسابها التي ترفعها باستعلاء  فوق من خلق  اللة وما لم يخلق   وكأن لم يكن  يوما بين أحيائها وانديتها ودورها وخطوط انتاجها  هاشم السعيد والحاج عبدالرحمن  وقاسم امين ومحمد السيد سلام والشفيع أحمد الشيخ ورشوان  ولم يتردد في  طفولة ليالي قعداتها  غناء وترجبعا  أأأةةة يا صلاح  وكأن لم يعتل منابرها  شاعر طبقتها العاملة  شاكر مرسال  ولم تزدهر في وكناتها رابطة اصدقاء نهر عطبرة التي قدمت الى صفحات الأدب في الصراحة والميدان واخبار رحمي محمد سليمان والصباح الجديد لحسين عثمان منصور ومجلة القصة لعثمان نور في عقد الخمسين  ومطالع  الستين من القرن الماضي  اسماء   يانعة منها  الشاعران ابراهيم سيد أحمد والمنبثق وكاتبا القصة أحمد الامين البشير وعبداللة علي ابراهيم وكاتب المقال بشير الطيب الذي تنقل بين الماركسية والوجودية وكأن  لم  ترفد مدارس عطبرة   ومعاهد "التريد" فيها  جامعة القاهرة بالكمبلاويين ( عبدالرحمن وكمال وفاروق)  وحسن تكروني – ومحمد عثمان ختم وعباس عبدالكريم  وكثر من زواهرها  الذين  ابلوا  بلاء مجيدا  ان يذهب الفريق ابراهيم عبود وصحبة غير الابرار الى قعر جهنم.
رفدت عطيرة   جامعة الخرطوم باشهر شعراء وكتاب رابطة ادبائها في الاعوام( 57 19 -1965)  وكأن لم تطعم  مدينة  الحديد واللهيب المعهد الفني وقسمها  العالي وكأن لم يتغن في محافل عطبرة العطبراوي ولم يعزف لنخبتها ولجمهورها مكي سيد أحمد ولم يسمر بمغانيها  شادن وسامر ولم يجل النظرفي  مكتبة دبورة  جليس  ولم  يحاضر في دورها السياسية  محترف.
ظل الحكم الثنائي يعمل بحرص بالغ في ثنايا التاسيس لنظام تعليمي لا يمتد الى ابعد من  قدر اللحاف الذي ابتغاه  من احتلاله  للسودان أن يفصل بين التعليم والوجة الانساني للثقافة  - نقيضا لفحوى المحاضرة الضافية التي القاها السكرتير الاداري السير دقلاس نيوبولد  في افتتاح  دار الثقافة –الخرطوم في مساء الثلاثين من مايو 1940 وكانه يخاطب بالوجة الانساني للثقافة الذي انتزع عنوة من لب العملية التعلمية في السودان صفوة الشرائح العليا في جامعتي كمبردج  واكسفورد وليس مجتمع الخرطوم الذي لا يتجاوز فيه من تلقوا تعليما حديثا وقتئذ  بضع مئات. لاريب  أن الطابع الانساني للثقافة يكسب التعليم عمقا  يرفد  في نهاية المطاف الضمير بالوعي ويفجر فيه النبض الوطني  والاحساس بالمسئؤولية  أمام –المزارع  والبادي والعامل ودافع الضرائب  وليس  جلوسا خضوعا بين يدي السير دقلاس نيوبولد الذي لم يختلف في خطابه  في تلك الامسية  لمثقفي الخرطوم  عن  المثال بجماليون الذي خلق الفاتنة جلاتيا  من عدم  كما قد تبدى له  وعليها أن لا تتعلق بغيره  وأن لا تجحد فضله عليها  كما تصور الاسطورة اليونانية .  ولعل عبداللة علي ابراهيم قد تطرق الى بعض تلك الابعاد الخفية  في تلمسه المثير للجدل  لمارب العقل الذي ارسى المناهج من بخت الرضا .
ورغم ذلك الحرص الاستعماري المتشدد  تسربت ثقافة شحذ الضمير من وقائع الفكر اليومي ومن مسارب  محلية وأخري عالمية يشق حصرها وحصارها وللمفارقة  قد تقطرت ايضا  من خلل اصابع المحتلين البريطاني والمصري .
أما الذي  اتفق للمحتل البريطاني والمصري النجاح فيه بذلك الفصل التعسفي بين نظام التعليم  والوجة الانساني للثقافة المنتجة فقد افضى في مجرى الزمان  الى حرمان  السودان من اي تشكل أو تخلق  لمجتمع ثقافي يناظر المجتمع الصناعي في مدينة عطبرة لتغييب  متعمد  ومدروس  للبوتقة –أو الحاضنة للثقافة ببناء قاعدتها التي تتمثل في توفر  مراكز البحوت –دور النشر التي تصنع الكتاب وتوزعه-صناعة السينما – بناء المسارح –الدوريات المتخصصة –المجلات في شتى حقول المعرفة – المطبعة - التي تحمي صناعة الكتاب  التي يعيش  على حراكها منتجوا الثقافة –بكلمة واحدة  لم ينشأ الحكم الثنائي ولم يشجع راس المال اليوناني-الايطالي-المصري –البريطاني الذي كان ناشطا في البنوك وتجارة الصادر والوارد  أن يستثمر في المؤسسة الثقافية وسار على منوال ذلك  من ال اليهم الاستقلال في 1956  ومن نافلة القول أن العداء للثقافة  المستكن في طبائع النظم الاستبدادية  التي تدوالت حكم السودان على مدي 46 عاما  قد صد الى درجة النفور كل رغائب راس المال الوطني  أن يستثمر في صناعة الكتاب و وفي الانتاج السينمائي  والأتجار في الفن التشكيلي  وكان من النتائج المباشرة لذلك النفور أن تساقطت  عبر نصف قرن من الزمان (1963-2013 ) كل الدوريات والمجلات ودور النشر  والمكتبات العامة  التابعة للمجالس البلدية  والمتخصصة في الوزارات والمكتبات التجارية واضحى  من العحب العجاب الان أن تعثر مع مطالع الالفية الثالثة في بيت ما بالمدينة الدولة –الخرطوم- على  خزانة للكتب  أومقتنيات من لوحات على الجدران( باستثناء  منازل الكتاب والفنانبن)  أما تلك  الطرفة السائرة التي  تنسب لعمر الحاج موسى: أحمقان –معير كتاب ومعيده  فلم تعد تبعث على الابتسام  اذ اصبح الاحمق من يشتري كتابا أما الاكثر منه حماقة  من يخطر في باله أن  ان يلقي نظرة عجلى على عنوانه.
-3-
ما العمل
يبدو أن  لم يذهب الاستاذ  محمد بشير الصاوي بعيدا  في توصيفه للحال التي ال اليها  الافراد المثقفون الذين  يكابدون مشقة بالغة للحفاظ علي هذه الصفة في مناخ معادي للحوار المفتوح.
واذا كان المثل السائر" لا يستقيم الظل والعود اعوج"  يتضمن قدرا من تلمس الحقيقة اذن لابد من  حاضنة ثقافية-قاعدة- ينهض عليها ويمشي فوقها  المجتمع الثقافي, واذا كان الكلام الانف الذكر يحمل قدرا من المنطق المقبول  فان المهمة غير المستحيلة  التي تقع على أعضاء اللقاء التفاكري وعلى الاعزاء عبدالله الفكي البشير –النور حمد وعبداللة علي ابراهيم  وأضيف اليهم  محمد بشيرالصاوي  أن يضعوا في جدول اعمال التفاكر لقاء  ينادى اليه الناشرون والطابعون والسينمائيون والمسرحيون وملاك صالات عرض اللوحات مع  رجال الاعمال المهمومين بنقل الثقافة من تجارة استهلاك الوارد الى الانتاج وتوزيعه  لتدارس  كيف يتسني  رفع  القواعد من –بناء اساس  ينهض فوقه مجتمع الثقافة.
من الاخبار السارة أن الكاتب والمخرج والممثل المسرحي والناشر عثمان جعفر النصيري قد  وجه نداء مفتوحا لمن يعنيهم الشأن الثقافي في السودان الي التداعي للمساهمة  في تكوين بنك ثقافي لتمويل الانتاج الابداعي  بشتى ضروبه في هذا الفضاء فلماذا لا يدعى الاستاذ النصيري  للقاء التفاكري القادم وقبل ذلك علينا جمعيا أن نتفاعل ايجابا  معه وان يسارع اعضاء اللقاء التفاكري الاول والثاني والذي عقد بالخرطوم  بتعزبز توجهه القابل للتنفيذ .
**
عبدالسلام نورالدين
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.