مقدمة للطبعة الثالثة لكتاب النزاع بين الحقيقة والشريعة في الفكر الصوفي الذي يصدر قريبا.

د-عبدالسلام نورالدين
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الاسلام دين التوحيد, و مع ذلك فان الفكر الذى تبلور فى باطن الحضارة الاسلامية  نشأة وأزدهارا وخمودا قد اتسم  كقاعدة بالتوفيق بين الثنائيات المتباينة احيانا الى حد التناحر داخل ذلك الاطار الذى لا ينبغى له الا ان يكون متوحداّ .
لم يحالف التوفيق كثيرا ذلك الجهد الشاق و تلك القسمة الثنائية المتعسفة و مع ذلك دارت الفرق , ومذاهب الاسلاميين, و اصناف الطالبين , حولها .
لم يتجاوز الغالب  من فرق المعتزلة ثنائية العقل و النقل ,  الحسن و القبيح , الكسب و الايجاد , رغم اطروحتهم  التي لا تقبل التأويل: العقل قبل ورود الشرع .
سعى الاشاعرة للتوفيق بين الكلام النفسى و اللفظى ليعثروا  على مخرج آمن  من محنة القول بخلق القراّن فتعلقوا فى الهواء يقتربون تارة من  القول بقدم القراّن فى الكلام النفسى , و يميلون مرة الى خلق القراّن بحداثة اللفظى .
لم يخرج الفكر السياسى السنى فى الامامة- تلك القضية المحورية التى دارت حولها الفرق  و لم يجنحون للسلم فيها – من الثنائية و الازدواج . تقوم الامامية السنية نظريا على الاتفاق و الاختيار و عمليا و منذ ان استوي معاوية بن ابى سفيان  على دمشق الخلافة   على الوراثة و النص على ولاية العهد و التعيين , و يتم  اللقاء بين السنة و الشيعة على ارض التطبيق و ان كانوا يختلفون بالراّى و السيف فى النظر المجرد .
قد عبّد الكندى , و الفارابى و ابن سينا الطريق لابن رشد ليبسط مقال الاتصال بين الحكمة و الشريعة . و لكن تلاميذ ابن رشد الاوربيين حينما فصلوا بين الحكمة و الشريعة رغم انف توماس الاكوينى قبيل عصر النهضة اتسعت مسالك الفصل بين الكنيسة و الدولة , و لم تكن العلمانية الاوربية فى عصر النهضة ( فى بعض ملامحها الفكرية ) سوى ثمرة غصنى العقل و النقل , الحكمة و الشريعة  الاسلامية بعد ان فض التلاميذ المسيحيون لابن رشد الالتفاف بينهما , و تدلى كل فرع بثماره حيث شاء .
يتمثل خطر الشك الديكارتى( مهما تقلب بي الشك فلن  أشك لحظة  أنني أشك –أنا أشك أنا موجود )-  ان  قد سار بفصل العقل عن النص الى نهايته المنطقية اذ القى بالاثنين معاّ وأضاف اليهما  كل الموروث الاوروبى القديم فى نيران الشك لاختبارها كما تختبر المعادن الاصيلة  ثم خرج  للعالم بشعل المنهج التحليلى التي اضاءت عالما جديدا, انئذ اشتاطت الكنيسة غضباّ و هرب ديكارت الى بلاد الشمال و لكن حرائق  مذهبه ومنهجه قد ازدادا  توهجاّ و شتعالاّ حتى اتتا على غثاء القرون الوسطى .
اذا كانت الثنائية : الحكمة و الشريعة قد عبرت عبر مضيق جبل طارق الى ما وراء البحار على سفن الرشديين  (غير الاسلاميين)  وكان لها من الاثر و التداعيات ما قد حرك بحيرة القرون الوسطى المسيحية الراكدة فان مجرى الثنائية و التوفيق فى العالم العربى الاسلامى  التي ما فتئت  تراوح مكانها قد ازداد عمقاّ و كثافة  فانتقلت من علم الكلام و الفلسفة   الى العرفان الصوفى فى صورة  التوفيق بين الحقيقة و الشريعة (( الحقيقة الالهية فى تنزيهها و تجريدها المطلق و تدرك بالكشف العرفانى , و الشريعة فى تجسدها المطلق فى صورة الدولة و هى موضوع العلوم الوضعية المستمدة من التجربة البشرية , و النص الدينى فى ترجمته الانسانية ))
منذ ان افصح المتصوفة  كالجنيد-الشبلي -الحلاج–معروف الكرخي  "ان يكونوا مع الله بلا واسطة"  "كالاطفال فى حجر الخالق"  فقد كان بينا  أنهم  اكثر اجتراءاّ على هدم الجدر التى تفصلهم عن الظفر بجوهرة الجمال الالهى , و كانو فى ذات الوقت اقل حذراّ و تقية من المتكلمين و الفلاسفة  التوفيقين فى ا لتعبير  عن مراد الحال  بالمقال , و المواقف  بالمخاطبات " عن موسي بن ابي ذر البيضاوي قال: كنت أمشي  خلف  الحلاج في سكك البيضاء  فوقع ظل شخص من بعض السطوح عليه , فرفع الحلاج راسه فوقع بصره على أمرأة حسناء فألتفت الي وقال: سترى وبال هذا علي ولو بعد حين. فلما كان يوم صلبه كنت بين القوم أبكي فوقع بصره علي من رأس الخشبة فقال: يا موسى –من رفع رأسه كما رايت وأشرف الي ما لايحل له اشرف على الخلق هكذا وأشار الى الخشبة".
تجلت الحقيقة الالهية لمتصوف كالحلاج باعتبارها عين اليقين وحقيقة الوجود الحق ( و اطلاق كلمة  وجود  لدي المتصوفة لا معنى لها الا على سبيل المجاز و التاّويل على غير الوجود االحق )  و لما كان الوجود الحق كذلك فان الوصول الى الذات الالهية يتطلب المكابدة و التذوق و المجاهدة و لما كان ذلك الجهاد بدوره أيضا محفوفا بالمخاطر فان محاولة الظفر بجوهرة الجمال الالهى ليس بالضرورة ان تفضى بسالك الطريق الى التحقيق والتحقق و نيل الوطر و السعادة بالمنال , و قد تؤدى كاّى مغامرة مجهولة العواقب الى الهلاك و هكذا فان الوصول الى اليقين يعد تجربة فردية وذاتية  محضة تتنوع  وقد تتعدد مسالكها من عابد الى اّخر و يتعسر نقل تلك التجربة الى الاخرين بالتلقين أو الاكراة , ولا يمكن و طبائعها كذلك حصرها وحصارها فى اطار الشريعة التى تظل وثيقة الصلة  بفضاء وحدود الدولة و بالطموحات الحسية لرجالها  سواء   كانوا خلفاء فى الحكم يستمتعون بملذاتها و يحتمون بدروعها  , او معارضون يبغون في القريب العاجل الاستيلاء على مقاليدها  .
من مقالات  المتصوفة  الذائعة ان لا يمكن ادراك الحقيقة الالهية  عبر علم الكلام  أومن فوق منابر الوعاظ واذا  تحقق  فعن طريق  الحب الالهي بمصابيح  الكشف العرفانى و من ثم فلكل حال مواقف و مخاطبات و لا يتسنى ذلك للدولة المغلولة بطموحات مصالح الخلفاء و بجنوح رغائبهم فى الاستئثار بمباهج ولذائذ  الملك ك(منصب شريف ملذوذ يشتمل على على جميع الخيرات الدنيوية والشهوات البدنية  والملاذ النفسانية فيقع فيه التنافس غالبا وقل أن يسلمه احد لصاحبه الا اذا غلب عليه وتفضي الى الحرب والقتال والمغالبة)  فالحقيقة – لكل تلك المواصفات  والمواضعات– فوق الشريعة.
يبدو أن الدولة فى ناظر العرفانيين لن تكون  على اهبة الاستعداد ان تغير من طبائع غرائز البقاء والقوة  المستكنة في باطنها  و اذا تسنى لها و فعلت فذاك يعنى نهاية القائمين عليها و ذهاب ملكهم و رغائبهم الى الابد , ومهما يكن من أمر فان الدولة تحت ظلال الشريعة التى تتطلع الى تغير ما بنفسها على الدوام  لتكون مطابقة للحقيقة الالهية تظل  فى كل الاحوال اقل فساداّ من دولة الشريعة الثابتة المحافظة  والفرق بينهما كالطريق الصاعد والطريق الهابط وهما نفس الطريق.
بعض وزراء دولة المقتدر العباسية لم يفتهم مغزى تصورات الحلاج الصوفية عن حقيقة الوجود الالهى و الفصل بين الحقيقة و الشريعة و لمحوا فيها تحريضاّ ( للعامة ) و تحرشاّ بالخلافة و تعريضاّ بالوزراء و الكتاب , فعلقوه على الخشبة ففقد رأسه وقبل ذلك يديه ورجليه.
حينما غامر الحلاج بتجاوز الثنائية و تمسك بواحدية الحقيقة الالهية و ارتفاعها على الشريعة كان قد قرر عن طيب خاطر ان يتنازل عن عنقه فى سبيل الظفر بجوهرة جمال الحقيقة . اما الغزالى فقد توقف دون ذلك رغبة فى وصال الدولة و خوفاّ منها و ان كان قد توصل بعد مكابدة وحرب مع الذات   فى وقت متاّخر من حياته  ان يتخلى عن خدمة دولة اّل سلجوق التى نافح فى توطيد اركانها بعد ان حاول عبثاّ ان يوفق بينها و الحقيقة الالهية .
اذا كان التوفيق بين الشريعة (الدولة )–و الحقيقة الالهية قد كلفت الغزالى رهقاّ و مرضاّ فى الروح والبدن فقد ملاّ ذلك الرهق جدل الغزالى بالمغالطات و السفسطة  و جحد العلوم و التناقض و قد كشف لنا الامام  الغزالى  نفسه ذلك بصدق و عمق فى سيرة روحه  : المنقذ من الضلال.
لقد ظلت القسمة الثنائية و توفيقية العقل العربى عائقاّ امام نفسه و حائلاّ دون ذلك العقل ان يرى الاشياء فى تجسيدها العينى الكامل و فى تجريدها المطلق . و اذا كان سيد المرسلين محمد صلى الله عليه و سلم قد نقل العرب من الظلمات الى النور و من الحصار الى الفتوحات  بفضل لا اله لا الله و هدم ثنائية الله و الاوثان  التى ترمز اليها الكعبة قبل الاسلام ( بيت الله و الاصنام معاّ ) فقد كانت تلك الثنائية قوام تجارة الايلاف و النسئ  والحمس و النفوذ السياسى و الدينى  لقريش القبيلة و الدولة فى جزيرة العرب .
ان قريش الايلاف ( هى الدولة و المدينة و القبيلة  والدين والتجارة فى نسج رصين)  قد استشعرت الخطر فى الدعوة الجديدة التى ترمى الى فصل الدين عن التجارة و الدولة و القبيلة و فض ثنائية بيت الله و الاصنام  الذى وصفه الرسول بالشرك , فاستنفرت قريش قبائل العرب لحماية بيتها و اربابها و اتهمت الرسول صلى الله عليه و سلم  بالخروج على الاّلهة و الجهر بتسفيه الاديان .
انتصر الاسلام و اصبح الدين كله لله , و لكن سرعان ما عادت مع الامويين والعباسيين  العقلية العربية التقليدية الى قواعد ثنائياتها و توفيقها  لحاجات في نفس الدولة  التي اخضعت الشريعة لمشيئتها لتعمل ناشطة تحت مظلة الاسلام و التوحيد ولكن بصياغات جديدة .  قد راينا فى موكب الفكر فى الحضارة الاسلامية  ان الذين احتموا بمظلة التوفيق بين الثنائيات ( التيسيير و التخيير , العقل و النقل , الحكمة و الشريعة , الحقيقة و الشريعة باستثناء ابن رشد) قد نجوا من التهلكة  اما اولئك الذين ساروا بواحدية العقل الى نهايته المنطقية فقد سقطوا فى جب تهمة الزندقة كابن الرواندى و الرازى , و اولئك الذين ساروا بوحدة الذات الالهية و الصفات هى عين الذات و تنزيهها و تجريدها المطلق فقد اتهموا بتعطيلها  عن العمل بعد تحويلها الى مجرد فكرة عقلية  فسموا معطلة .
الذين تطلعوا الى كل الجهات فلم يشاهدوا غير وجه الله فتعلقوا بجماله , و قطعوا العلائق بالخلائق و فنوا ذواتهم الى درجة العدم فى حقيقته و باحوا باسرار الحقيقة الالهية  بالالفاظ والدلالات التي يفضلونها  فقد ابيحت اموالهم و دماؤهم و كان منهم الحلاج فى القرن الرابع الهجرى وشهاب  الدين السهروردي  الذي قتل (1154 -1191) و الشيخ  الاستاذ محمود محمد طه فى القرن العشرين  الذي أعدم فى السودان.
**
د-عبدالسلام نورالدين
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.