إبن رشد [520هـ - 1226م]
مفكر من طراز فريد
**
الى العزيز  الدكتور  الطيب زين العابدين الذي يزداد ضميره  نقاءا وتوهجا كلما تدافعت ضده  العجول وخلفها الطبول
**

د. عبدالسلام نورالدين*


جمعت شخصية إبن رشد الأندلسي ما فات الفيلسوف الاسلامي في المشرق، ليس فقط في التماسك العقلي ولكن أيضا في تكامل بناء الشخصية الانسانية ، فلم يك إبن رشد متملقا يراهن على التزلف شأن أبي يعقوب يوسف الكندي مع ابي تمام- امام  الخليفة العباسي المعتصم (1).
"امتدح الشاعر العباسي ابو تمام الخليفة
فلما وصل الى قوله:
اقدام عمرو في سماحة حاتم .............. في حلم احنف في ذكاء اياس ِ
قاطعه الفيلسوف الكِندي (وكان حاضرا مجلس الخليفه) قائلا:
ان الامير يا ابا تمام فوق ماوصفت
فانت لم تزد على انه شبهته باجلاف العرب
فاطرق ابو تمام قليلا ثم قال:
لاتنكروا ضربي له من دونه ........ مثلا شرودا في الندى والباس ِ
فالله قد ضرب الاقل لنوره ..........مثلا في المشكاة والنبراس."
قد دفع إبن رشد ثمنا باهظا لترفعه عن الصغائر واعتزازه بذاته مع ابى يوسف يعقوب سلطان الموحدين ،  بأن احرقت كتبه، ولعنته العامة ، وذاق مرارة التشرد والنفي (2).
لم يستصغر إبن رشد نفسه يوما كما فعل الامام أبو حامد الغزالي (1113-1058) حينما وصف الاخير  نفسه في كتابه " فضائح الباطنية " بــ " الخادم المطيع " أمام الحضرة السلطانية نظام الملك السلجوقي التي أمرته أن يصنف كتابا يفضح فيه الباطنية وغوائل علمهم: { حتي خرجت الأوامر الشريفة المقدسة النبوية المستظهرية بالاشارة إلى الخادم في تصنيف كتاب في الرد على الباطنية مشتمل على الكشف على بدعتهم وضلالاتهم فرأيت الامتثال حتما والمسارعة في الارتسام حزما – إذ قال الله تعالى " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } (3).

يبدو أن تقاليد طبائع الاستبداد في الدولة الفارسية القديمة التي استقى منها الغزالي نموذجه المثالي للتقابل والتماثل بين الحضرة السلطانية والحضرة الالهية قد صاغت الشخصية والعقلية على نحو ترفع فيه الحضرة السلطانية إلى مراقى الألوهية  لتكون على مشارف الادراك كما قد بين الامام الغزالي في كتابه " الجام العوام عن علم الكلام.(4): { لكن ينبغي أن يعلم أن الحضرة الالهية محيطة بكل مافي الوجود، إذ ليس في الوجود إلا الله سبحانه وتعالى وأفعاله ،  فالكل في الحضرة الالهية ، كما أن جميع أرباب الولايات في المعسكر حتى الحراس هم من المعسكر ، فهم في جملة الحضرة السلطانية، فأعلم أن كل مافي الوجود داخل في الحضرة الالهية ، ولكن كما أن السلطان له في مملكته قصر خاص وفي فناء قصره ميدان واسع ولذلط الميدان عتبة يجتمع عليها جميع الرعايا، ولا يمكنون من مجاوزة العتبة ولا إلي طرف الميدان والجلوس فيه على تفاوت في القرب والبعد بحسب مناصبهم }

إذا كان الغزالي قد قفز مباشرة من مطلوبه (5) كما لخصه في " المنقد من الضلال " أن تكون حقائق الأمور واضحة بذاتها إلى الغموض المطلق بالغوص في الباطن.(6) واستبعاد الحواس والعقل، فقد لبث إبن رشد كل سنى عمره يدافع عن البرهان العقلي باعتبار إعمال العقل والوصول إلى البرهان واجبا شرعيا وقد فصل ذلك في فصل المقال  فى ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال .(7).
وإذا كان إبن سيناء إسماعيلي النحلة باطني السلوك ، يتأرجح أحيانا بين قدم العالم والخلق والفيض (8) والابداع وتارة أخرى بين الأفلاطونية والأرسطية ثم يجمع بين التصوف.(9) والعقلانية دون أن يمنعه كل ذلك أن يكون طبيبا تجريبيا بارعا عاشقا للعلم غارقا في اللذة الحسية بعد رفع الأقلام وجفاف الصحف.(10)، فإن الشيخ الرئيس أبن سينا يبدو على قدر من الاضطراب إلى جانب إبن رشد المتسق المنطق والسلوك والأخلاق الذى لا يتخلى عن الحصاد العقلاني للأرسطية وينبذ بعيدا الأفلاطونية المحدثة التي طبعت المشرق بميسمها (11) الغنوصى واختلاطها بأمشاج من النزعات المشتجرة وهي تتجول بين أروقة المسيحية في روما والاسكندرية ثم في هجرتها إلى فارس وعودتها مرة أخرى بعد تقمصها حللا مأنوية زرادشتية نورانية لتجد لها مقاما كبيرا في أروقة الفارابي وابن سيناء وإخوان الصفاء (12).

ورث ابن رشد تقاليد القاضي الذي يجهد نفسه كفقيه مجتهد في الكشف عن (13) مناهج الأدلة من أسرته ذات التاريخ العريق في مزاولة تلك المهنة بعد أن أضاف إليها علوم وتجارب الطب وآلة المنطق التي تعصم مراعاتها الذهن من السقوط في الضلال والتهافت. لم يك ابن رشد خامل الذكر في عصره أو بعيدا عن نبض مجتمعه وحركته أو   بمناى  عن مجتمع الدولة التي لا تغفل ان تمسه أيضا بشنأن يدها الماكرة والغادرة، فاستمد من الحكمة والطب والقضاء وفقه الدولة والحياة ما لم يتوفر لغيره من فلاسفة الاسلام في بيئة جد جديدة ليست هي عربية الأمويين في الشام أو مدنية العباسيين في بلاد ما بين النهرين وفارس وبلاد ما وراء النهر والسند والهند أو أرض البربر في قرطاجنة ومراكش ولكن كل ذلك في أرض اخري جمعت بين اوروبا المسيحية التي أدخلت إلى الاسلام وتجري فيها ينابيع من روافد وثنية ويهودية فشكلت فكرا جديدا للعالم  الذى تخلق فيما بعد.

أن أسبانيا التي تعربت وأسلمت لم تتخل لحظة عن روح تراثها الأوروبي القديم، وان عبرت عنه بصياغات اخرى طبقا للحال والمقال، وكان ابن باجة السرقطي(تدبير المتوحد) وابن طفيل (حى بن يقظان) وابن رشد القرطبي التبلور المثمر لذلك اللقاح الفريد، وفي ضوء ذلك علينا أن نقرأ  ذلك الجدل المثير الذي نسب ابن رشد يهوديا ونصرانيا ومسلما متماسكا في ذات الوقت . ثم أتى محيي الدين ابن  عربي وأضاء بوحدة وجوده ذلك الوجدان الأندلسي الذي تقبل كل ذلك في تجانس مدهش.
**
يظل أبن رشد التجسد  والتجلي الذي لا يغيب رغم تقادم الزمان  للضمير الذي يزداد توهجا واشتعالا   وتحديا في المثقف  غير الزائف كلما تعرض لكوابح ونوازل الاستبداد  أفاعيلا ورموزا وطبائعا "وبوقات".
**
د-عبدالسلام نورالدين


Abdelsalam Hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]