عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
-1-
الاسئلة الحائرة في اليمن
لقد استقر بعد تداول طويل  أن الفلسفة  اولها دهشة وحيرة وسؤال .واذا كان الاخير في حال من الانتظار الدائم لاجابة شافية  لا تأتي دفعة واحدة فان صياغة السؤال على نهج حصيف ورصين وواضح  ودقيق  يعين كثيرا في البحث عن  الاجابة  التي تلامس المبتغى.
ظلت المملكة العربية السعودية ومنذ اتفاقية الطائف التي ابرمتها مع يمن المملكة المتوكلية الهاشمية في عام 1934 بعد حرب ضروس بين الاولى والثانية أنتهت باذعان  مبطن  للامام يحيى  حميدالدين  كما ينبئ جسد وروح الاتفاقية  في تحفز المريب,  ظلت المملكة  منذ سقوط المتوكلية 1962  تلعب ادوارا متعاظمة في  تشكيل وادارة توجهات الدولة والمجتمع في اليمن وليس اخر تلك الادوار المبادرة الخليجية المختلف عليها وليس آخرها ايضا المشهد المنبت لبانوراما الوضع السياسي بعد تصدع نظام علي عبداللة صالح في الثالث من يونيو الذي مضى والشلل في التفكير والتنفيذ الذي اصاب نائب الرئيس  عبدربه منصور  المشدود بين بقايا النظام المأزوم  الذي فقد رأسه في مواجهة التحفز المتصاعد للشباب والمرأة والمهنيين والاكاديميين  بتعزيز من قوي كبرى فاعلة كاحزاب "اللقاء المشترك " "والحوثيين" "والحراك الجنوبي"  وقائد اللواء الاول مدرع وفي خضم كل ذلك برزت المملكة العربية اكثر فاعلية من كل دول الخليج والجامعة العربية والاتحاد الاروبي والولايات المتحدة وكأن في يدها  وحدها مفاتيح الحل اليمني الامر الذي يفجر كثيرا من الاسئلة الشاخصة  التي كانت ولا تزال حائرة  تدور حول  كنه  دوافع وحاجات المملكة وقدراتها في اليمن.
تحاول هذه السطور اضاء ة تلك الاسئلة الحائرة .
-2-
بضاعتهم ردت اليهم

قبل البدء في تصفح  السيناريوهات المختلفة  لمداخل اقتراب السعوديين  من مشهد الوضع اليمني الذي  تحدى وجاوز كل الرؤى والتوقعات  التي تجول في الاذهان عن ساحات التغيير  وقبل البدء في تلمس  تصورات  الاطراف المعنية في اليمن التي تبذل جهدا مضنيا  هذه الايام للخروج  من نفق الدولة الفاشلة الي بر الدولة الفاعلة  من المستحسن أن نلقي على كل الاطراف المعنية بما يجري في بانوراما الموقع والمشهد هذا السؤال الجوهري: ماذا تريد المملكة العربية السعودية من اليمن؟ الذي اصبح ملحاحا  بعد تصدع نظام على عبداللة صالح والصمود الباسل   الذي  يعد انتصارا  للتجمع المدني للتغيير في كل   ساحات اليمن  في محاصرة للنظام دون سلاح  حتى  تشقق وتفتت  وتآكل  فتساقط من الداخل  على صورة طبق الاصل من وصفة عبدالرحمن بن خلدون *عن الصور التي تتجلي بها  نهايات دورة العصبية  في الدولة  الشخصانية أذ اطلق فصيل  غامض منها  رصاصة  الرحمة  أو العذاب   من داخل القصر علي راس النظام  تعبيرا داويا عن  الموت  الذي استشري بعد اثنين وثلاثين عاما  في جسد العصبة الحاكمة    فتقرح   علي كل بدن  العصبية  "السنحانية" التي عجز خيالها القبلي على نجدتها في الوقت المناسب فلم تجد حتي الوقت القليل لكي تتعظ بنفسها  فخرج راسها  محمولا على اعناق السعوديين  من قصر الرئاسة  الي غرف الانعاش  في مشافي الرياض   وكأنه  يقول لهم  علي نهج  فجائعي  أنا  بضاعتكم قد ردت اليكم  فماذا أنتم فاعلون بي وماذا أنتم فاعلون في كل اليمن؟.


-3-
الاخوة الاعداء

قبل البدء علينا أن لا نغفل  أن صلات  الاخوة الاعداء  التي طبعت العلائق  بين السعودية واليمن  ليست فريدة أو استثناء  في العالم  العربي  وبلمحة خاطفة  للوراء  منذ أن حطت الحرب العالمية الثانية أوزارها  (1945 -2011 ) سنلحظ  أن الاواصر  لم تغادر مربع  التنافر والتنازع والتناحر كم تنبئ  المواجهات التي وقعت بين الأقطار التالية
الجزائر والمغرب والصحراء الغربية-
سوريا ولبنان
سوريا والعراق
العراق والكويت
العراق والخليج-
العراق-والسعودية
مصر وسوريا
مصر والسودان
مصر واليمن
مصر والاردن
مصر والخليج
–مصر وليبيا
–ليبيا والسودان
ليبيا وكل الدول العربية
السعودية وقطر
السعودية والبحرين
السعودية وابوظبي
السعودية وعمان
السعودية ومصر.-
السعودية واليمن
عمان واليمن
قد تعرضت كل تلك العلائق   لكثير من الخض والاهتزاز  والتنابذ بلغت اعلى  درجات  الغليان  لدي بعضها  بشن  الحروب والاحتلال وتبادل الاسري رغم الانشائيات التي ما فتئ  يلوكها اعلام كل هذه الاقطار بانتظام  والدماء تسيل عن  الاخاء وقدسية الجوار وخصوصية الثقافة وعمق التاريخ المشترك  ولم يتوقف هنيهة عن  التذكير الدائم  بعروة الاسلام الوثقى ومآثر الامة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة.
لم تخف مؤسسة الدولة المصرية منذ أحتلالها للسودان  في القرن التاسع عشر وحتى السقوط الداوي لحسني مبارك (1821 -2011) رغائبها أنها تريد من السودان  أن يوفر لها الخصيب من ارضه  للزراعة وللفائض من سكانه  وتطمع  ايضا في الجزء الاكبر من حصته في مياة النيل وأن يظل سوقا مفتوحة لبضائعه ولاستقبال عمالته وعلى السودانيين الاجتهاد في صياغة الديباجة  المناسبة  التي تروق لهم  وتلبي في ذات الوقت  حاجات مصر  في اي صورة  ركبت  ابتداء من التكامل والحريات الاربع  الي معادلة العلاقة الخاصة انتهاءً بوحدة وادي النيل أما المهندس  وزير الاصلاح الزراعي المصري  في ثورة 23  يوليو سيد مرعي ( 1913-1993  ) فلم يستبعد   من خياراته المفتوحة    احتلال للاراضي  للسودانية  لحل مأزق ضيق رقعة الارض المصرية التي تتقلص كل عام  مع الزيادة المضطردة في تعداد السكان.
قد أتت المفاجاءة غير السارة من صدام حسين  الذي  داعب طويلا احلام العرب وعلي وجة خاص خيال الشاعرة الكويتية سعاد الصباح  في استعادة مجد حضارتهم  الغابر بالقضاء  اولا على  دولة اسرائيل التي تقف عقبة كأداء أمام النهوض العربي  بمشروعها التوسعي من الفرات الى النيل  كخطوة لابد منها لانزال ذلك الحلم  من الوجدان  العربي المكلوم  الى الارض  فخرج  جيش صدام حسين غازيا  ولكنه بدلا أن يتجه قدما الى هدفه المبا شر  في اسرائيل    فاجأ  العالم  باحتلال  الكويت  وبوضع قدمه على مدينة  الخبر من المملكة العربية السعودية.
لم تبدد الدولة في سوريا  منذ الاستقلال وحتى بشار الاسد (  1946  -2011 )وقتا في البكاء على اقتطاع لبنان من سوريا الكبري كما يفعل بقية العرب على ضياع الاندلس ففرضت  بوضع اليد النافذ  من نفوذها   ووصايتها  على لبنان بوصفها  الاخ الاكبر Big brother وعلى اللبنانين بمختلف طوائفهم  وكياناتهم ومشاربهم مراعاة حقوق الاخ الاكبر في الوصاية والحماية والارشاد واليد الطولى على الاخ أو الاخت الصغري.
والان –ماذا تريد حقا  المملكة العربية السعودية   من اليمن؟ هل تريد معها  التكامل أو الفدرالية أو الكنفدرالية  أو ذلك الاطار الامثل  في وحدة البلدين الشقيقين   كما تبتغي مؤسسة الدولة المصرية من السودان؟
هل تفضل  المملكة العربية السعودية  مع اليمن  الصيغة العراقية في الكويت : الضم والاستلحاق؟
هل ترغب  المملكة في اليمن على الطريقة السورية في لبنان؟ التي تتمثل في التبعية المطلقة من اليمن والوصاية الشاملة من السعودية ؟أو  ترغب المملكة على طرائق الوحدة المصرية السورية على ايام عبدالناصر 1961  حيث تنحي شكري القوتلي  كرئيس سوري ليكتفي  بدور المواطن الاول ليمنح  اخاه  في  مصر  مقعد القيادة في  رئاسة الدولتين؟ أم أن كل تلك  المداخل لأجابة السؤال الحائر لا تنطبق بدقة  علي السعودية التى تلعب كما يبدو  مع  اليمن ادوارا  متعددة في وقت واحد  منها دور الاخ الاكبر والوصي والضامن والدائن  والخصم والحكم  لاتقاء الشر المستطير  الذي يمكن أن ياتيها  من جنوبها ولتأمين الخير* الذي وصلها .
-4-
هل زق شيوخ القبائل "الِمهْرة" على السعوديين وزادوا عليهم؟

يستحسن بنا ايراد هذه الواقعة  التي لا تخلو من دلالة حتى لو لم تقع بالفعل علها تضئ لنا بعض  معالم  طريق  الاجابة على السؤال الحائر: ماذا تريد المملكة العربية السعودية من اليمن؟
يقال ان المملكة العربية السعودية قد استدعدت وفدا  عاليا يمثل كل الاطراف المعنية  في اليمن بعيد  ترتيب الاوضاع التي  اعقبت مؤتمر الخرطوم 1967 الذي شهد علو كعب الملك فيصل وتقاصر قامة جمال عبدالناصر بعد هزيمته في حرب الايام الست وخروج الجيش المصري من اليمن  التي افرزت   كنتيجة  حكومة الخامس من نوفمبر 1967  التي ترأس مجلسها الجمهوري القاضي عبدالرحمن الارياني.
طرح السعوديون للوفد اليمني حاجة البلدين الجارين الى صيغة  اطارية  مشتركة تعصم مراعاتها  الاضطرابات التي تثور بين فينه واخري بين الشقيقين الذين  يتمتعان بخصوصية لا تتوفر لغيرهما من العرب والمسلمين أذ يلتقيان في كل شئ  تقريبا (من  الجوار –تقارب  السكان–التاريخ-العادات والتقاليد -القبائل المتداخلة  الي اللغة والدين والعرق) وعلي الاطار المشترك أن يؤمن الدعم والتمويل  والتنمية وفقا لمطالب الاخوين.
استقبل الوفد اليمنى دون استثناء   الطرح السعودي بوافر التقدير والعرفان وبعد الشكر والثناء على محاسن ومكارم خادم الحرمين الشريفين على اليمن واليمنيين وسائر العرب والمسلمين في مشارق الارض ومغاربها  طلب الوفد اليمني مهلة قصيرة لتدارس الامر بينهم  فلما التقوا  بعد ساعة من الزمان استهل أكبر شيوخ القبيلتين (حاشد وبكيل) عمرا وتجربة وحكمة  واكثرهم معرفة بدخائل السعوديين خطبته قائلا :  أن فكرة الصيغة الاطارية المشركة بين البلدين الأخوين ظلت تمور في صدور اليمنيين  منذ اماد بعيدة ولكنها قد خرجت  اليوم  باحسن صورة في اجل مكان من اعز قوم لكل ذلك  قد أرتآي الوفد اليمنى أن يكون هذا الاطار المشترك وحدة اندماجية فورية  شاملة واذ انهم يتقبلون  خادم الحرمين الشريفين ملكا مطلقا على اليمن واليمنيين فانهم  ايضا يتركون للمملكة صناعة الاطارالكبير للوحدة المبتغاة  والتفاصيل الصغيرة التي تعود على الجميع باليمن والبركات. المفاجاءة التي اذهلت الوفد اليمني أن قد اصيب السعوديون بوجوم كامل  من ذيالك  المقترح  وسقط الامر عليهم كضربة قاصمة تحت الحزام فصمتوا  وكأن على رؤوسهم الطير ولم يتحدثوا بعدئذ  عن تلك الصيغة الاطارية  برمتها .
السؤال الاخر هل كان شيوخ القبائل في الوفد اليمني وجلهم  من رجال السعودية ومعينيها  وسدنتها على قدر من الصدق والامانة حينما تحمسوا لوحدة سعودية يمنية ذات طابع اندماجي أم ان كل المسالة لم تخرج عن "مزايدة "وابتزاز  تدرب عليه شيوخ القبائل الشمالية؟ وان  كان ذلك كذلك  لِمَ زق شيوخ القبائل "المهرة" على السعوديين وزادوا عليهم؟ واذا كانوا على قدر من الصدق والطموح القومي الحسن لِمَ  جفلت المملكة السعودية من ذلك  العرض السخي؟ وقد جاءهم يسعى بقدميه                                                                                                  
-5-
ليس للمملكة اصدقاءأ دائمين أو اعداءأ دائمين

اذا كانت الوحدة السعودية اليمنية  المفترضة رغم انها لم تطرح يوما  "بالمفتوح" على مائدة مستديرة تعني في المقام الاول تقاسم الثروة ثم تأتي السلطة في المقام الثاني فهل تلبي تلك الوحدة المفترضة مع اليمن آمال وتطلعات المملكة السعودية التي تنافس مصر في زعامة العالم العربي  وتقف في خط مضاد لتطلعات ايران الشيعية الاثنى عشرية  في قيادة العالم الاسلامي وتبذل  المملكة  في الوقت نفسه ما في وسعها لتسد المنافذ في وجه تركيا التي تبحث بهدوء وكياسة  وعقل بارد عن مواضع لاقدامها الاقتصادية والسياسة في البلاد العربية الاسلامية التي كانت يوما تحت هيمنة خلافتها العثمانية ولكنها    اليوم  تسعي لتعود بوجة اسلامي علماني مشرق  مقبول يتخطي سقف  مصر وايران والسعودية لدور الدين في التنمية  والديموقراطية وترقية المجتمع المدني  بدعم  مؤزر من الاتحاد الاوربي السند  الاخر للملكة العربيية السعودية.
ايهما اكثر سندا للمملكة العربية السعودية  في سعيها  الدؤوب لزعامة العالمين العربي والاسلامي: اليمن التي تفتقر الى اهم مقومات الدولة  والقانون والبنيات  الاقتصادية الاساس أم الوحدة مع دولة الامارات العربية المتحدة وقد خطتا من قبل بثبات صوب التكامل تحت مظلة  مجلس التعاون الخليجي الذي تمنع رافضا  اضافة اليمن الى  فضائه حتى لا تجر عربته  للخلف؟.
أذا كانت كل الشواهد والبينات لا تؤيد رغبة الاعماق السعودية  في اي تشكل  تكاملي أو اتحادي أو كنفدرالي أو اندماجي مع اليمن فلابد -أذا كانت كل الشواهد والبينات صحيحة -أن نعود مرة الى مربع السؤال الاول:
ماذا تريد  اذن المملكة العربية السعودية من اليمن؟
سيظل هذا السؤال  مبتسرا وتائها  اذا لم نضف الية الاطار الزماني أمس أو اليوم أو غدا  اذ ينطبق على المملكة العربية السعودية ما ينطبق على ايران  وعلى مصر  وتركيا  وماليزيا  والنمور السبع وكل الدول الوسيطة التي تجهد الى ترقية وجودها السياسي "وليس لها اصدقاء دائمين أو اعداء دائمين ولكن لها مصالح دائمة"  أذا جاز لنا استعارة  العبارة ذات الصيت مع مراعاة  فروق الحرمين الشريفين في المملكة السعودية. فلنقل جريا مع طبائع المصالح  أن ليس للمملكة العربية السعودية اصدقاء دائمين  في اليمن أذ كان  علي سبيل المثال -علي سالم البيض وحيدر ابوبكر ابوبكر العطاس  من اعداء المملكة الالداء  منذ نشأة حركة القوميين العرب في الجنوب العربي المحتل  وحتى قبيل الوحدة اليمنية 1990 وحينما اندلعت الحرب الاهلية بين الشمال والجنوب  1994 اصبحوا من اصدقائها  المقربين وتضامنت  معهم واشفقت عليهم  واستقر علي عبداللة صالح في خانة اعدائها ثم عاد الاخير الي مقر الاصدقاء مرة أخري حينما اعترف لها في عام 1995 بالترسيم  المطلوب للحدود وذهب معهم الى غاية مآربهم  بتسويتها نهائيا  لصالحهم في عام 2000 فرفعت المملكة يدها  نهائيا عن "موج"(الجبهة الوطنية للمعارضة) ووافق شن طبقة وعادت حليمة الي عاداتها القديمة  فما هي اذن تلك  المصالح الدائمة والمتجددة ؟ ومن هم الاصدقاء الجدد للمملكة العربية السعودية   بعد تصدع نظام علي عبداللة صالح والصعود الباذخ  للتجمع المدني للتغير في كل ساحات اليمن ومن خلفهم قيادات اللقاء المشترك للاحزاب والحوثثيين  وقوى الحراك الجنوبي؟
د-عبدالسلام نورالدين
المملكة المتحدة