د. عبد السلام نورالدينِ
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لا يضيف كاتب هذا التعليق نفسه  الي الادب والادباء  رغم إهتمامه بعلم اجتماع الجمال وسيولوجيا الشعر [ الوظيفة الإجتماعية للإدب والتذوق الفني ]  ومع ذلك فقد بعث فيً  مقال الشاعر فضيلى جماع [من شمس المعشوق إلى قمر العاشق     ]
حماساً   للتعليق  علي هامشه – للإسباب التالية :
1. أن ليس من تقاليد شعراء السودان – نقيضاً للتشكيلين  فيه -  الإحتفاء  تعريفاً وتبياناً  بخصائص وقيم  أصدقائهم وتوائمهم في   الشعر ولا يتحدثون عنهم بأنفعال صادق إلآ  فى حالة واحدة -  إذا انتقلوا إلى الرفيق الاعلي .
2.   من  التبسيط والإجحاف ايضاً  تفسير تلك الظاهرة السودانية ذات الألغاز بالتواءات النفس لدي التنافس والحسد والغيرة وحدها التي تتأجج كثيراً  إلى حد  تطاير الشرر فى مجتمعات الفنانين والشعراء فى كل مكان إذ نعثر بين الشعراء السودانيين على ثنائيات او ثلاثي علي علائق  وثقي يسودها الحب والتقدير على مستوى الحياة اليومية   ومع ذلك لا يتخطى  ذلك الحب والتقدير أعتاب الشخص إلى مدارات عالمه الجمالى فى فن الشعر وكأنما تتحول الصداقة إلى حجاب وإحساساً بالحياء وامتناعاً عن كشف محجوب مواهب الصديق
3.    قد جمعت  الصداقة الحميمة يوما  بين حمزه الملك  طمبل  والتيجانى يوسف بشير  رغم فارق السن  بينهما . قد لازم حمزه الملك طمبل فراش مرض التيجاني حينما فر منه المعارف والأصدقاء  خوفاً من داء السل الوبيل الذى نهش صدره ثم قضى عليه في النهايه ومع ذلك لم يكتب الشاعر والناقد  حمزه الملك  طمبل حرفا عنه بعد وفاته  . لم يتخلف الشاعر الهادى العمرابى والشاعر محمد عبدالوهاب القاضي -  الزملاء  والأصدقاء والأقارب للتيجاني يوسف بشير  عن ركب الذين تجاهلوا شعر التيجاني حياً  وميتاً ثم لحق بشعرهم مالحق بشعره بعد ذهابهم  .
4.   أقترن أسم الشاعرين جيلى عبدالرحمن وتاج الحسن -  ببدايات  شعر التفعيله  فى مطلع النصف الثاني من القرن العشرين واضحى الاسمان متلازمين فى  الذاكرة الشعرية وفي الصحافة الأدبية فى مصر وبيروت اللتين تصدرتا التعريف والمدافعه عن  الشعر الحديث .  أصدر الشاعران  جبلى عبدالرحمن وتاج الحسن   مجموعة قصائد  من السودان – 1955-  وقدم لها الشاعر كمال عبدالحليم عن دار الفكر المصريه وكتب عنها  الناقد محمد عبداللطيف السحرتى -  وضمت منتديات اليسار فى الشرق العربى وغربه أسم الشاعرين إلى العقد   الذى ينتظم  فيه عبدالوهاب البياتى ،  بدر شاكر السياب ، بلند الحيدري ، كاظم  جواد ،  كاظم السماوى ،  شوقي  بغدادي،  عبدالرحمن الشرقاوي ، والشاعر التركي ناظم حكمت .  تواترت عن الشاعرين  الكتابات التي تضعهما فى مقدمة رواد الشعر لطلائع حركة التحرر العربي ومع ذلك ورغم الرحلة بين الشاعرين  من أروقة الأزهر بالقاهرة في المرحلة الثانوية والجامعية – الى معهد جوركي الادبي بموسكو  إلى كلية  التربية بجامعة عدن -  والتى أستغرقت ما يقارب  نصف قرن من الزمان -  وحتى وفاة الشاعر جيلي عبدالرحمن -  بالقاهرة فى صيف 1990 – لم  نقرأ لاحدهما او كليهما  قراءة فى شعر الآخر أما الذى فعل فقد كان محمد عبدالحى ( 1942-1989) فى دراسة أكاديمية مشعه   عن الرومانسية فى شعر جيلي عبدالرحمن -  ولكاتب هذه السطور قراءه متواضعه عن مأساة النوبى الضائع فى شعر جيلي عبدالرحمن.
تتوالى الجماعات والثنائيات الشعرية-محمد أحمد محجوب وعبدالحليم محمد-شعراء الكتيبه-ابو القاسم عثمان وعقارب – محمد فضل بكاب  ومحمود خليل ، إلى الثلاثي النور عثمان ابكر ،  محمد المكي إبراهيم ، وعبدالمجيد  عبدالرحمن سفراء الغابة والصحراء  ثم لحق بهم بعد تشكلها وتكاملها محمد عبد الحي ويوسف عايدابي. ويتوالى بانتظام  مثير للتأمل  ذلك الصمت المطبق عن ابداع الاصدقاء الى الحد الذى سقط فيه أسم الشاعر عبدالمجيد عبدالرحمن من مدونة شعراء الغابة والصحراء التى تبوأ  فيها مقعداً  مرموقاً  من لم يك شيئاً مذكورا  حينما سك المصطلح " شعراء الغابة والصحراء " الشيء الذي يدعو الى التساؤل لما لم ينبه  -  محمد المكى إبراهيم – أو النور عثمان المهتمين والدارسين الذين احتفلوا او شغلوا بالاصول الأولى لنشأة مدرسة سفراء الغابة والصحراء -  أن عبدالمجيد عبدالرحمن – القاضى والمحامي -  كان مؤسسا وشاعراً مجيداُ كاسمه.
لكل ذلك فإن إحتفاء الشاعر فضيلى جماع  بعالم  عالم عباس  محمد  نور والتنويه بكراسته الشعرية الجديدة(من شمس المعشوق إلى قمر العاشق) وقبل ذلك (عالم عباس :بيان شعري جديد ص231 –سوميت بنات درجيل عمل شعري خلاق-ص237 قراءه في الادب السوداني الحديث-سلطنه عمان 1991)    تعد خروجاً  يستحق الإشادة -  على تقليد ضارب  في الظلمة  وظلم الاحباب في عالم من المنتظر منه ان يكون مضيئاً ووضيئاَ على  الدوام.
5. ينتمى الشاعران فضيلى جماع وعالم عباس محمد نور إلى عمر وجيل فى الرؤى الفنية والمصطلح الشعري  تثبتت  أقدامه وعيونه وعقله – فى النصف الأول من عقد السبعين 1970-1980  حيث حصد عالم عباس المرتبة الاولى – فى مسابقة شعراء الشباب التى عقدت بالخرطوم 1977  ونال فضيلى جماع المرتبة الثالثة ،  ومع ذلك توثقت وتوطدت عرى الصداقة بينهما إلى الحد الذى – يقول كل منهما للآخر إذ  تفجرت منه قصيدة صاعقة لا يبقى معها سوى الإعتراف بتفردها فى الجمال : أن هذه القصيدة فى الأصل من أنشائي ولكن خفة يدك وحدها قد حرمتنى من نسبتها إلىَ نفسي   وما  انت إلا سارق دق رسمه يستل الشعر مباشرة من الوجدان.
يشق كثيراً  التفاضل بين طاقتى الشاعرين فى الموهبة الفطريه الأولى  وقدراتها فى العدو فى مارثون الشعر الذى ليس له نهاية ولكن الذى يعسرالقفز عليه بناء على تتبع المهارات ونفاذ البصر الشعرى والثراء فى الانتاج الابداعي لدى كل من فضيلى جماع  وعالم  عباس  بعد ثلاثين عاماُ  من جائزة الشعر 1977- 1998 –   فقد تجاوز عالم عباس – بما لا يقاس فضيلى جماع فى الابداع والخلق  الجمالي فى الشعر والاخير ظل  يتقدم خطوة إلى الإمام وخطوتين إلى الخلف  ثم يعود ادراجه من حيث بدأ وفجأة يقفز  بالزان -  كما فى قصيدة – عثمان حسين – فيتجاوز السابقين واللاحقين .
يشبه فضيلى جماع فى حراكه الشعرى ظعائن الترحال لدى البقارة من  أولاد كامل والفلايته  والعجايره والمزاغنه  فى الركن الجنوبى الغربى لكردفان  إذ يتدلون من بحر العرب صوب الشمال مع  بدايات فصل الرشاش عبر المسارات التى ترسمت خلال ما يقارب ثلثمائة عام فيجتازون ما يقارب 500 كم الى اقصى شمال كردفان ثم يعودون سيرتهم الأولى صوب الجنوب  قدما إلى بحر العرب  مع توقف الامطار. 
لا تخلوا ظعائن البقارة جيئة وذهوبا من مقاتل النزاعات مع الزراع المستقرين ( الكردفاليين )  ولا تخلوا أيضاَ  من الطرافة والمتعه رغم تكرارها الدائم سيما  لاولئك الذين  يبدأون بها اولى خطواتهم في حياة الترحال أو لأولئك الذين يعني لهم ديم المجلد – غريقه أم القرى ، وأم بادرهى " فاس التى ليس وراءها ناس "   اما  غير ذلك -  فقد اضحت تلك الظعائن فى تكرار طوافها  الابدي حول دائره  جد محدودة وضيقة – عبئاً على الانسان  البقاري والابقار – الارض -  وعلى  المدن والقرى التى تقع على مساراتهم كألاضيه  والنهود  وعيال بخيت وود بنده  وجريح السرحه  وسودري وام بادر،  ولابد من الاستقرار والمراعى  الثابته وان طال  المرام.
استقى شعر فضيلى من عالم ظعائن العجايره واولاد كامل والمزاغنه  والفلايته حراكها في محدودية الروح والقلق الحسي ، والثرثرة والفضفضه  التى تبديء وتعيد  نفسها مع تكرار المسار الشعرى باشجاره واغواره وحيوانه واعشابه وامطاره  ابتداءاً وانتهاءاً  -  واذا  كان عالم  انسان جنوب غرب كردفان يرنو ويتوق الى فضاءٍ أكثر اتساعاً  وافقاً  وايقاعاً  والى لغة  مشتركه مع الدينكا والمسيرية الزرق  والمعاليا وحمر والكبابيش  وإلى رؤية لتبديل الحال الذى ليس من المحال  فأن شعر فضيلى  يكابد من اوضار ذلك العالم روحياً ويتطلع إلى الانفلات الكامل حيث المدى الرحيب ، ولكن فضيلى نفسه يحول دون ذلك  الانطلاق بطوافه الدائم حول دائره مغلقه
يشبه العالم الذى تتفجر منه الينابيع التى ترفد شعر عالم عباس محمد نور  اقاليم البحيرات فى فكتوريا  ومرتفعات تانا التى تنحدر انخفاضاً وارتفاعاً فى مجراها المتشعب ليتشكل منها فى داخل السودان النيل الابيض والارزق ثم نهر النيل لتصبح الخرطوم هديتها الغالية – وجزيرة توتي التى حفها الماء واحتواها البر درتها فى مسابها النبيل وتفاصيلها جزراً وشلالات ودلتا – حتى تخترق فى جموح  حواجز السدود ونهم التعطش  التي تحاول عبثا أن تحد  من قوتها في ارض  مصر لتستغرق باندفاع ميتافيزيقى في ثبج البحر الابيض  المتوسط .
إذا كانت ظعائن الترحال لدى البقارة  تتكرر على الدوام في استسلام كامل للرتابه ، فانك لا تنزل نفس النهر مرتين في بحيرات فكتوريا ومرتفعات تانا والابيض والازرق  فهناك دائما مياه جديدة.
رغم هذا الفرق والتفريق بين عالم فضيلى جماع " وعالم"  عالم عباس فى الشعر لم يفقد فضيلى وجدانه وعقله وحبه  لشعر عالم  ولم يحل دونه ان ينوه باصداراته الجديده.
يبدو ان ثقة فضيلى جماع فى قدراته وطاقات موهبته وعدد مهاراته قد حالت دون سقوطه فى جب التنافس التناحرى والغيرة التى تفضى بشاعرها الى دهاليز لا مخرج منها على الاقل فى حالة عالم عباس .
اذا كانت  طافات  فضيلى جماع كما يتصور كاتب هذه السطور لا تقل عن صديقه فكيف تأتى  لعالم عباس ان يكون نهراُ يتدفق من البحيرات  ومرتفعات تانا ليصب فى البحر الابيض المتوسط ،ولم يزد فضيلى ان يكون هدايا مغنياً  فى ظيعنة تتداول الغدو صيفاً والرواح شتاءاً هرباً أما من الذباب أو ظمأ الرمال.
يراود -الظعائني – الذي يتطلع ان يكون ملء السمع والبصر – لدى الجميلات من النساء الظاعنات  أحلاما ومطامع شتى ان يكون فارسا  يقتل الفيل وينهر " الدود" بصوته  وان يكون في ذات الوقت طليعة تستكشف الدروب والمسارات فى ارض الإغراب ،  ومحارباَ  يستجدى  الموت الذى يفر دائما منه ، وان يكون هداياً  هجاءاً  تستجديه البيوتات الكبيرة فى الفرقان ليمنحها حسن السيره والسيرورة لدى  العربان  وتمنحه فى مقابل ذلك كل ما يساوى ذلك -  ولا يكتفى ذلك الهداي بمحاسن حسن الظعائن فيرمى  بعيداً بعينه اليسرى على  " حى الجلابة في أم الديار "  والعين اليمنى على " الافنديه "  من ضباط المجالس ، والشرطة  والجيش وقضاة المحاكم النافذين  ليكون في مقدمتهم ، ولا ينبغى ان  يفوته  تحقق الحلم بان يكون فقيهاً " قونياً"  نحريراً  فيسعى  يداً  ورجلاً وفما ليحقق  كل ذلك  ضربة لاذب وليس علي –الظعائني- بمستكثر ان يجمع العالم فى واحد.
 قد اتفق لفصيلى جماع ان يكون شاعراً يتغنى بكلماته الفنان عبدالقادر سالم في عقد السبيعين  وان تنشر له راويه  مكتملة  قبل ان يغادر قاعات الدرس بكلية الآداب  جامعة الخرطوم1974م  يقدم لها رئيس الاتحاد آنئذ : على عثمان محمد طه .  وان تجهد الممثلات والممثلون  ومصمموا الملابس فى اكبر مسرح فى حاضرة السودان فى اخراج مسرحيته – المهدى فى ضواحى الخرطوم  ، فيطرب لذلك الصادق المهدى الذى يتحدث  اليه باعجاب عن ما بذل من الفن  وافانين التصوير اللغوي . لايكتفى  شاعر الفصحى والاغنية وكاتب الرواية والمسرح والترجمان بانجازاته الباكرة على ايام الطلب  فاضاف اليها مقالات فى النقد وتاريخ الادب في السودان  فى مجلة الدستور بلندن التى تعاضد  على دعمها  مالياً وادبيباً آنئذ الشريف  حسين يوسف الهندى  ودولة العراق.
توزعت جهود فضيلى جماع ومواهبه على شعر الفصحى والعامية  والغناء والرواية  والمسرح والنقد الادبى والترجمه  والبحث العلمي والفكر اضافة الى الصحافة وفن التصوير الفتغرافي  والرحلات  وكل ذلك منشور وموثق في كتاباته  ومعلوم للجميع، اما الذي تخفى ولم ينتبه له  الآخرون فهو فن سرد الحكاية والقص  الذي يتفرد به فضيلى  وعلى وجه خاص  حينما يتعلق القص  والحكاية بمفردات  الفروسية في جنوب كردفان كالرماية وركوب الخيل وصيد الفيل  والبحث عن الموت في اوكاره وغزل النساء ،   اما عالم عباس  فقد اكتفى  ان ينظر الى عالمه الصغير في دارفور وعالمه المتوسط فى السودان  والكبير في الكوكب الارضى من دائرة  ناريه واحدة هى الشعر فكان  الخلف والاختلاف بين فضيلى وعالم.
عيد السلام نورالدين