عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

وصلت الي اليمن التي تجتاحها الحرائق من  كل الاطراف  ويبدو ان أدخنة الحرائق  التي تلون السنة اللهب المسعورة  بالغار مع الغياب الكامل لقوات المطافئ هي الحالة الراهنة التي تتنفس فيها اليمن بملء رئتيها  ثان أكسيد الكربون.

المشي في شوارع صنعاء او التجوال بسيارة فيها يشبه مشية الخيذلي  بين مليشيتين تتبادلان القصف الارضي  والبحري في بلاد الصومال التي تحررت تماما  هذه الايام من قيود  الدولة  والنظام والقانون الشئ الذي لم  يخطر يوما    لفلاسفة الفكر الفوضوي في القرن التاسع عشر امثال برودون  ان اليوتوبيا التي ظلوا  يحلمون بانزالها من روؤسهم الي ارض الواقع وقد حاق بهم الفشل الذريع  ستتحقق  في مطلع الألفية الثالثة جملة وتفصيلا  في بلاد  الصومال؟.

تبدو شوارع صنعاء في حال من الحرب الاهلية الضارية التي ليس من المنتظر ان تضع اوزارها في القريب العاجل  اما اطرافها المتنازعة فهي حركة  سيارات الاجره والدباب والركشات والعربات الخاصة والدراجات النارية في مباراة محمومة مع الشاحنات والبصات واحيانا السيارات  التي تحمل النفايات والاطقم العسكرية التي تتقاطع مع حراسات شيوخ القبائل.

 اذا اردت ان تتخلص من شخص لا تكن لة ودا  ما دون ان تكون متهما علي الاطلاق  بمسئؤوليتك  المباشرة بتنحينه  من الحياة    فحبب لة ماثر زيارة  صنعاء  والتسكع بحرية في طرقاتها للتمتع بجمالها الاسر ومن جمال صنعاء ما قتل.

ايهما اكثر كوارثا وتأهباً  للتلاشي من ظهر الكرة الارضية قبل نهاية الربع الاول من هذا القرن  اذا سارتا علي منواليهما في وتيرة التقدم الي الخلف-  اليمن ام السودان؟ لكي تصدر حكما اقرب الي الدقة و الصواب وان يكون مقبولا من الاطراف المعنية  في اليمن والسودان  فلابد من حكم عدل من الصومال الشقيقة لترضي حكومته.

بدت لي اليمن  في زيارتي الاخيرة لها في يناير الماضي 2010  وكأنها شاحنة ضخمة علي ظهرها بشر وبضائع تقف علي أحدي مرتفعات جبل "سمارة"  ففلت منها كابحها فتدلت صوب الهاوية  ولاسبيل لجذبها من الوراء الي الخلف  ولابد من انتظارها بهلع حتي يقر لها قرار في اسفل "السحول".

 ترحلت ومعي زوجتي  مرة من شارع بغداد الي ,,الحصبة,, مع صاحب تاكسي,  شاب  نحيل البدن اشعث الشعر "مشعفل" زائغ العينين لا يتوقف عن الكلام  وطرح الاسئلة وكأنه شرطي  امامه  متهم بائس  عليه ان يجيب علي كل اسئلته بتفصيل   ولكن الاخطر من اسئلته التي تتناثر كرصاص ينطلق من فوهة بندقية يحملها اعمي في" باب اليمن" انه  يندفع بجنون  في قيادته فزج بنا  مرة ونحن نعبر حي "هائل سعيد"  بالمعكوس في شارع  ضيق ذي  اتجاة واحد  وحينما قلنا له   وقد انتابنا الهلع –انك تسير عكس اتجاة السير وتنطلق بسرعة لا مبرر لها –التفت الينا ليقول بهدوء وكأنه يستنكر امارات الخوف التي بدت علينا –لا تخافوا انتموا في ايد أمينة.فقلت لنفسي هذا شاب ضل طريقه  الي هذه  العربة الهالكة وكان عليه ان يكون علي قمة الهرم السياسي في النظام العربي.

رايت ان اقوم بتوجيه الاسئلة بدلا من تلقيها  ليتوقف هذا السائق عن ذلك  التحري الذي يجريه  معنا

.............هل  التاكسي هي مهنتك الاولي التي تدربت عليها؟

.............قد اتيت الي مهنة التاكسي مكرها حينما اوصدت كل الابواب في وجهي . أنا في الاصل طالب في قسم الجيولوجيا بجامعة أقليمية  ولكن ابن رئيس الشرطة بالمدينة  الذي كان زميلنا في الدراسة قد قاد طقما عسكريا مخصصا لحراسه  ابيه  للقبض علي رئيس القسم الذي رسبه  في احدي المواد الدراسية ففر الاستاذ ولجأ الي عشيرته  التي شنت هجوما مضادا   فاغلق القسم  الذي اضطرب بعد تلك الواقعة فعن لي ان اكون  مقاولا صغيرا ولما حاصرتني  الديون من كل جانب وضربني الافلاس  هجرت تلك المهنة التي لم اعثر علي بديل لها  يوفر لي الحد الادني من مطاليب الحياة  فرأيت  ان الهجرة الي اي فج  في الارض هي المخرج من كل متاعبي وسوء حظي  ولكن  المصيبة لم اجد سفارة واحدة تمنحني الفيزا لدخول اراضيها  اذ ان كل سفارة اطرق ابوابها  تطلب مني ضمانا ماليا كبيرا ولو توفر لي ذاك الضمان لما فكرت في الهجرة اصلا–تصوروا حتي سفارة ارتريا رفضت ان تمنحني شارة الدخول اليها.

**

وددت ان قد استفسرت  السائق ولماذا يستصغر  ارتريا ؟ ثم عدلت عن ذلك اذ رأيت من الافضل ان يواصل  هذا السائق الحديث عن متاعبه   لان الحزن الذي ران عليه  قد قلل من السرعه القهرية التي يقود بها  سيارته . 

.............. حسنا وماذا فعلت بعد تعذر الفيزا حتي الارترية منها؟

............. هنا قد قررت ان اذهب لانضوي مع الحوثيين لاحارب في صفوفهم

..............وهل انت زيدي المذهب؟؟

.............. انا شافعي المذهب

..............وهل اصبحت حوثيا؟

 .............تصوروا - قد رفض الحوثيون     ان اقاتل في صفوفهم .

.............. ولماذ رفض الحوثيون  ان تقاتل في صفوفهم؟

............. قالوا لي بالحرف الواحد –انت احد عملاء الدولة وعليك ان تعود من حيث اتيت.

حسنا لا يزال الطريق أمامنا  ممتدا وبدت قصة هذا السائق مثيرة للأذن  اذا لابد من ملاحقته   بالاسئلة

................  وثم ماذا فعلت بعد ان  اتهمك الحثيون بالعمالة للدولة؟

...............  ذهبت فورا  الي مقاتلي القاعدة وعرضت عليهم رغبتي الصادقة  ان اكون مجاهدا في صفوفهم

............... لابد ان قد رحب بك   مجاهدوا  القاعدة !!

.............. ليس بالضبط, قد طلب مني اصحاب القاعدة  ان احفظ كل القران اولا قبل ان يبتوا في طلبي للانضمام اليهم

..............وهل وافقت علي شرطهم ذاك؟

 ...............قلت لهم كيف تطلبون مني حفظ القران جملة  وانا لا استطيع حفظ اسمي كاملا

وهنا عاد سائق التاكسي الي عادته  القديمة في توجيه الاسئلة  لي

............. وانت يااستاذ ما هي مهنتك في هذا العالم؟

................. انا مدرس

................ وماذا تدرس يا استاذ؟

................ادرس الفلسفة

حينما اخترقت كلمة الفلسفة اذنه ارتعش كالمقرور بلله القطر  وانتفض ثم أوقف محرك السيارة وكنا قد وصلنا الي نهايه  مشوارنا –ثم استدار نحوي بكامله  وبرقت عيونه  المضطربة وقال لي بجدية كاملة

.............. الا تراني  حالة فلسفية تستحق منك التأمل والدراسة؟

فاستغرقت في الضحك وبدا لي ان الضيق من اسئلته المتدافعه والذعر من قيادته  الجانحة  قد حرماني من التعرف علي انسان هو اكثر من الحاله  التي يبدو عليها.

**

لم ينس سائق التاكسي الذي لم يجادلنا علي الاجرة التي لم نتفق عليها منذ البداية ان يقول لنا ونحن نغادر سيارته  المهشمة  الابواب  التي تعرت من الوانها الاولي  واكتسبت من الغبار الصنعاني الناعم ومن اخاديد الصدمات التي لابد ان قد تواترت   لونا جديدا  لم يخطرعلي بال عشاق الغرائبيات في بعض مدارس التلوين في الفن الحديث .الجدير بالذكر ان سائقنا    يحمل  رقم سيارته  الامامي  في حضنة يرفعه  بيده  ليراه  شرطة الحركة في "الجولات" فلا يملكون غير الابتسام.

............ العفو منكم

رايت ان سائق هذا التاكسي واضطراب حياته  وسيره  عكس الاتجاة في طريق ذي بعد واحد والاسئلة التي يوجهها دون توقف وطرقه  كل المنافذ التي تاتي منها المقاتل   دون أدني اعتبار للمخاطر التي يمكن ان تنجم منها  يجسد   في تلك اللحيظات اليمن كلها التي تنزلق علي مرأي من نفسها  ومن الجميع علي قشرة المحن والاحن  التي تحاصرها من كل الاتجاهات ولا يبدو عليها انها تواجه اكبر اخطار حياتها.

 

د-عبدالسلام نورالدين