هنا يتحدث بنفسه .. وهو أخر حوار صحفي له قبيل رحيله بأيام كان لي شرف أجرائه وتم نشره بكل من المحلق الثقافي لجريدة (الاتحاد) الاماراتية حيث كنت أقيم وأعمل وقتها و صحيفتي (العرب) القطرية و (الاتحادي الدولية) المعارضة بالقاهرة اللتين كنت أراسلهما من أبوظبي .. وهو الحوار الذي ظل يعاد في عديد المواقع السودانية في كل عام كما أعيد نشره العام 2012 بصحيفة الراية القطرية حينما كنت أعمل بها في سنواتي الأخيرة بمنطقة الخليج .
خضرعطا المنان
كلمة لابد منها :
يشكل يوم 17 /1/1996م علامة فارقة في تاريخ أغنيتنا السودانية!!!.
يوم رحيل الفنان الانسان مصطفى سيداحمد..
ولأنه حي يسعى بيننا رغم الغياب الأبدي
ولأنه رمز خالد في سماوات غنائنا
ولأن ما تركه من فن وقيم تجري في عروق
حياتنا مجرى الدم فيها
ولأنه كان دوماآخر المتكلمين بيننا!!!!!
آخر المتكلمين تأدبا وتحسبا وتألقا
وعمقا وشفافية.
لأنه كان كل ذلك فلنتيح له الفرصة ـ هذه المرة ـ كي يتكلم لنا بنفسه الأبية وصوته المتعب ..
ولنستمع اليه نحن الذين طالما تحدثنا اليه وعنه وفيه وبه !!!!.
تكلمنا جميعا حتى أضحي الحديث عنه ـ لدى البعض منا ـ تجارة !! وأي تجارة؟؟؟.
لنعطه الفرصة حتى نسمع لما يود أن يقوله دون أن نقاطعه ولو مرة واحدة !!!!.
جاء الينا من غياهب الابداع ورحم الجنون متأبطا نجيمات ضاويات علها تهديه السبيل الى قلوب الملايين من أبناء شعبه .. فكان له ما أراد.
جاء الينا وفي أعماقه روح شفيفة أغتلناها قبل ان نعرف كنهها !!!
ظللنا نغتال فيه يوما أثر يوم حتى غادرنا وهو يكابد الأمرين معا : عيشة في المنفى وبعدا عن الاهل !!!غادرنا وفي أحشائه تنام كلية فتاة روسية الجنسية موسكوفية المولد دون أن نزرع ـ حتى يوم أن أحتاجنا كلية واحدة في جسده !!!ـ أن نعطيه كلية سودانية تبدد وحشة قبره وتكون له أنيسة في مثواه الأخير !!!! .
هكذا عاش فينا ولنا .. ولكنه مات غريبا رغم أحتفاء نفر من أصدقائه به في منفاه!!!!!!.
تخيلوا معي ـ ياسادتي ـ أن تموت غريبا في المنفى وأنت تمثل الحياة لدى من احبوك !!!.
أن تموت دون أن يكتحل بصر حتى من أنجبوك بنعشك أمامهم !!!!.
أنها مفارقة المنافي !!!!!!.
لذا أهدي ما أريد قوله هنا .. وما سنسمعه من هذاالراحل/ المقيم:
الى كل الذين تاجروا باسمه وبحنجرته وبنات حشاشاته ودرر عطائه ..
وكل الذين آثروا من وراء ابداعه وكل أولئك الذين لايزالون يحاولون ذلك !!!.
الى كل الذين أخلصوا وظلوا أوفياء له حتى وهو في قبره ..
والى أولئك الذين تنكروا له بعد رحيله (كماوردعلى لسان رفيقة عمره (بثينة).

** ** ** ** **
أحبتي : أكتب اليكم في هذه اللحظة وأمامي برقية تعزية بتاريخ 21/3/1994م كان قدبعث بها الي في وفاة والدي الجليل ( رحمه الله ) .. وأمامي كذلك صورة فوتوغرافية له كان قد أرسلها الى مرفقة بصورة جواز سفره حامل الرقم 026990) والصادر بالخرطوم في (1/7/1991م) لتنتهي مدة صلاحيته بتاريخ : (1/7/1993م ) الأ أنه قد تم تجديده بسفارة السودان بالعاصمة القطرية في يوم 6/7/1993م على أن ينتهي بتاريخ : ( 6/7/1995م ) .
وفي ذلكم الجواز :
الأسم : مصطفى سيدأحمد المقبول
المهنة: مغني ومؤلف موسيقي
مكان وتاريخ الميلاد : ود سلفاب 1953م .
لقد كان آخر المتحدثين عن مصطفى سيدأحمد ـ قبل أيام من الآن ـ من هم أحق منا جميعا بالحديث عنه:
والدته الفاضلة سيدة الرحم المبارك : ست الجيل
رفيقة دربه في أفراحه وأتراحه : بثينة محمد
وبحضور فلذتا كبده الندية : سيدأحمد وسامر
وجاء الآن دوره هو لكي يتحدث الينا ونكون كلنا آذانا صاغية .. لنرى كيف كان هذا المرهف يفكر.. وكيف كان يرى الاشياء من حوله وهو على فراش المرض الاخير .
فالى مضابط ذلكم الحوار الذي لم يكن طويلا ـ بالعرف الصحفي المتعارف عليه ـ ولكنه كان عميقا لمايتسم به فناننا من اختيار لكلماته وبعد في أفكاره :
سؤال : الفنان حالة خاصة .. والفن رسالة انسانية .. فكيف يكون الالتحام بين الحالة واالرسالة ؟.
* من انواع الذكاء : الذكاء الناقد .. الذكاء العملي .. والذكاء الخلاق .
وعليه فان خصوصية الفنان تأتي من انتخاب الطبيعة له بتأهيله بنوع من الذكاء الخلاق .. وكل ذلك يتبدى من نشاطه كانسان .. أي يسعى لتحقيق انسانيته من خلال تفاعله مزودا بهذاالتأهيل الفطري .. أي خصوصية حالته تاتي في اطار سعيه لتحقيق انسانيته وذاته وفي ذلك علاقة عضوية تنفي أن تكون حالته منفصلة عن رسالته.
سؤال : أين ترسو اليوم مركب تجربتك مع الغناء والموسيقى ؟
* هي تجربة تتوالد أبعادها من أبعاد .. حيث أن القضايا مازالت ساخنة وكثيرة..
والتفاعل مع الحياة قائم ولم يفتر بعد .. كما أن البيئة مليئة وثرية .
سؤال : أين وكيف ترى الوطن في ظل الظروف القائمة حاليا هناك ؟

* أرى أن الوطن يدخل في تحد كبير .. فبالرغم من قسوة التجربة على الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الا أنها لها ما بعدها .. حيث أن التجربة
تساهم في اسقاط كثير من الأقنعة ( مع وضد) وما بعدها يتجاوز كل هذه الأقنعة مترسما ملامح واضحة ومحددة لا تطولها المغالطات ـ أي بمعنى أخر أنه في مرحلة هدم وبناء ليس على مستوى الظرف الحالي ولكن على مستوى مفاهيم الماضي وما تعتمرها من تخلخل ومراجعة .. والمفاهيم المطروحة الآن وما سقط منها كشعارات كذبها الواقع خلال الممارسة اليومية وما يتبلور من رؤى جديدة تقود خطوات التغيير .
سؤال : الوطن والحرية .. الغربة والأبداع .. ماقولك ؟ ومتى يكون الفنان صدى لصوت شعبه ؟
* يمكنني القول بأن التجربة التي يمر بها اليوم الناس في داخل وخارج السودان ـ برغم قساوتهاـ الا أنها مفيدة وناقدة لكل ما سبق .
أما عن الغربة فلا تسلني .. أو ليس من بالداخل يشعر بالغربة الآن ؟؟.
وعن سؤالك عن الفنان ومتى يكون صدى لصوت شعبه .. فان الحديث يطول في هذا الشأن . فيكفي أن تنصهر ـ كفنان ـ في معامل معاناة هذاالشعب الذي أنت من صلبه .. وتنعجن في أفراحه وأتراحه لتصبح لسان حاله في سرائه وضرائه.. وهذا هو الفن الحقيقي من وجهة نظري .
سؤال : وماذا عن تجربتك مع المبدع الفنان يوصف الموصلي ومشاريعكما معا؟
* يوسف الموصلي صديق عزيز .. وهو بجانب كونه مطربا فهو موسيقي مقتدر وملحن بارع له اسهاماته الواضحة في هذا المجال .. كما ان هما مشتركا يجمع بيننا في مجال طرح تجاربنا بشكل جيد .. فأمامنا الكثير من الاعمال التى نأمل ان نخرجها تباعا على منوال ماسبق أن أنجزناه معا من تجربة لاقت صدى طيبا في نفوس الجماهير والمهتمين على حد سواء .
سؤال : ماهو جديدك ؟؟ ثم ماقولك عن مستقبلك فنيا ؟
* هناك الكثير من الاعمال الجديدة ..أما في هذه الأيام ـ وبرغم الظروف الصحية التي أمر بها ـ الا أنني أعيش بصحبة قصيدة لشاعر مصري أسمه( أحمد صلاح كامل ) وهي بعنوان ( مفتتح الطريق) كم أرجو ان يقوم حواري هذا معك أخي خضر مقام اخطار له .. فأنا لم ألتقيه ولكني وجدت قصيدته هذه منشورة بمجلة ( العربي) وقد أعجبتني فعكفت على تلحينها .. يقول مطلعها :
هذا فرحنا ميت
والأرض تلهث في سباق الانفلات
ونسيت أمومتها
وباعت فرخها للريح
أنكرت البراءة في عيون الفجر
لطير الليل كي يملي القرار
وأنا اسجل موقفي
لاالليل قديس ولا القمر انتصار ..
كما أن هناك قصيدة لصديقي الشاعر ( محمد مدني ) أذكر لها منها :
والأرض تحضن بذرة الامكان
يارباه
يا أرض اتخذتك مغزلا
للحب والأشعار والحقب الجديدة.......الخ .
أما عن سؤالك حول مستقبلي الفني .. فأنا اعمل وفق برنامج يسعى لانجاز
رؤى محددة أحلم أن أنجزها على المستويين : الشكل والمضمون .
سؤال : ثم ماذا لو سألتك عن اتحاد الفنانين السودانيين وعن صلتك به؟؟
وهل تعتقد بأنه يؤدي دوره المطلوب في ظل غياب أو توقف معظم رموزه ؟
* ليس بيني وبين هذا الاتحاداي اتصال منذ خروجي من السودان .. فهل ترى أن له دور الآن ؟؟؟؟.
سؤال : أخيرا:كيف ترى مستقبل الأغنية السودانية عامة؟
* بايجاز ـ أخي خضر ـ انه مستقبل مرتبط دون شك ارتباطا عضويا بمستقبل البلد والناس هناك .
أنتهى الحوار .
وللجميع محبتي .. ولصديقي الخالد مصطفى سيدأحمد ألف دعوة تظلل قبره
وتجعل منه روضة من رياض الصالحين .
خضرعطا المنان


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.