عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

   اليوم تحل هذه الذكرى الحزينة .. ذكرى رحيل والدي رحمة الله عليه الى دار  الخلود  ..    فقد رحل في صمت وهدوء كستا حياته
    ولونتاها بلون المحبة والتقدير والاحترام الذي شمل به كل من التقاه في حياته وعرفه .. فكان أن بادله الجميع حباً بحب وتقديراً بتقدير واحتراماً باحترام كبير لا يزال يحوم في مجالسهم  ويتردد صداه كلما وردت ذكراه بينهم .

    كان رحيله في صمت .. ولكنه كان صرخة داوية  في وجه هذا الزمان الأغبر !!.

    عفواً ياسادتي وأرجو معذرتي ان أفردت  - ولأول مرة - سطورهذه الخاطرة
    لأمر يتعلق بي ..  ولكنه ينداح ليصبح حالة عامة .. فقد رحل والدي في أفضل
    يوم من أيام أفضل شهر(السابع والعشرين من رمضان ) المصادف الثامن من شهر
    مارس  1994..  ووري الثرى جثمانه الطاهر ومعه  شوق السنين  لرؤيتي بعد أن
    حرمتني عصابة  المتأسملين الحاكمة  بأمرها  في بلادي من السفر اليه
    والبقاء بجانبه       أو حتى المشاركة في ليالي العزاء أو في مسيرة
    جثمانه  الى مثواه الأخير! .. والسبب مقالات كنت أكتبها تفضح ممارساتهم
    القميئة آنذاك بعد أن فاحت رائحة (بيوت الأشباح) وتفشت ظاهرة مطاردة
    الشباب        و الصبية الصغار في شوارع المدن وارسالهم – بعد حلاقة
    رؤوسهم – الى معسكرات الذل والهوان للدفاع عن العقيدة والدين والجهاد
    المقدس ليظفرمن ( يستشهد منهم !!) بمباركة الملائكة والحورالعين !!
    وتتالت قوائم المفصولين بحجة ما أسموه (الصالح العام !) في اطار سياسة (
    التمكين ! ) اللعينة والتي أبقتهم حتى اليوم وافرزت ( توجههم الحضاري
    المزعوم ! ) والذي قاد الى سلسلة من كوارث سياسية واقتصادية ومجتمعية
    وأخلاقية لا نزال جميعاً ندفع ثمنها حتى اليوم .

    ولكن ... لكن يبقى أكثرما يؤلمني – على الصعيد الشخصي -  ويحزنني ويبكيني
    – ياسادتي - هو انني فيما كنت أحمل صوروالدي وصورة جواز سفره لاهثاً
    أسابق الزمن للحصول على تأشيرة لاحضاره للعلاج حيث كنت أقيم .. فاجأني
    القدر الذي كان أسرع مني .. فقال كلمته  لحظتها  ليدخلني في دوامة
    الفاجعة والألم الممض !!.

    ولا شك أن والدي – بهذا الوضع المحزن وهو يودع هذه الفانية وبين جوانحه
    شوقه الغامر لمصافحتي .. شوق يلتف معه داخل كفنه – انما يُعد مثالاً حياً
    لملايين الآباء في السودان ممن حُرموا من أبنائهم وهم   على قيد الحياة
    يعيشون المحن ويعاركون ظروفاً الله أعلم بها والعالم كله وشعب بلادي
    المكلومة !.

    كثيرون هم الآباء الذين ماتوا مقهورين بعد أن حُرموا متعة الحياة وقلوبهم
    تنبض .. وكثيرون هم من ماتوا خلف قضيان السجون وفي بيوت الأشباح ..
    وكثيرون مثلهم ينتظرون اليوم – وهم في سجنهم الكبير السودان - الفرج من
    رب عظيم يمهل ولا  يهمل .

    الشاهد انني أكتب في هذه الخاطرة وأنا جد حزين .. ممزق الحشا .. مشتت
    الأفكار .. مبعثرالجوانح  .. منفطر القلب .. مجروح الكرامة والكبرياء ..
    ليس برحيل والدي بالطبع فذلك طريق كلنا سالكوه ومصير كلنا اليه وحق لا
    مناص منه ولا فرار .. ولكن نازفة حواسي كلها ودامية مشاعري لا لشيئ الا
    لسببين :     أولهما : لأني أرى ما آل اليه الحال في بلد مكلوم كان
    انسانه الكريم حتى الأمس القريب مضرب الأمثال أينما ما حل أورست به سفائن
    الأيام .

    ثانيهما : لأن عصابة تدعي الاسلام - زوراً وبهتاناً - قد حرمتني حتى من
    مقابلة المعزين في بيتنا  ناهيك عن البقاء بجانبه وهو يعاني سكرات الموت
    بالمستشفى وينادي باسمي في حضرة كل من كانوا حوله من أهل وأحبة وجيران
    وأصدقاء ومعارف : ( ياجماعة الخير بس داير أشوف الخدر ولدي !!) كانت تلك
    هي واحدة من آخر كلماته وهو يودع هذه الفانية الى رحاب الله الواسعة .

    كان –  رحمة الله تغشاه وتكسو قبره – رجلاً عصامياً .. بدأ حياته وهو لا
    يفك الحرف ولكن - باصرار منه وعزيمة - انتهى أول دفعته في محو الأمية
    بالحي رغم مشغوليات الحياة التي كانت تطحنه .. بنى نفسه من العدم ووفر
    لنا من ( أجرة يوميته البسيطة )  لقمة العيش الشريف ووقانا سؤال الآخرين
    .. قام بواجبه وهو يطارد لقمة العيش من الخامسة صباحاً وحتى الثالثة
    ظهراً وتقاسمه متاعب الحياة وتسانده وتقف بجانبه والدتنا الفاضلة – أمد
    الله في أيامها ومتعها بموفور الصحة وكمال العافية .

    كان أصغر اخوته الذين تزوجوا وانشغل كل منهم ببيته وأسرته .. ليبقى
    بالبيت - قبل أن يتزوج بأمي –  ملازماً لجدتي الفاضلة ( حبوبتي الروضة)
    وهو يقوم على خدمتها من طبخ وكنس ونظافة للبيت وغسل للملابس والصحون
    والتسوق ومشاويرها التي ترغب بها متجولة بين أفراد عائلتنا  الكبيرة
    ولسانها يهلج   - أطراف الليل وآناء النهار - بالعفووالدعاء له ببنت
    الحلال وراحة البال وسعادة الدنيا والآخرة .

    تزوج بأمي وهما  لم يكملا العشرين بعد .. وسارا معاً مشوار الحياة
    المتعرج بمرارته وحلاوته في ود ومحبة وانسجام حتى لحظة رحيله المر .

    بدأ  والدي حياته عاملاً بسيطاً بمحالج القطن ( الفبارك ) بمدينة
    الحصاحيصا ثم ( حمّالاً ) بالسكة الحديد .. ومن ثم – وبعد تفوقه على
    أقرانه بمحو الأمية - تحول ( كاتباً ) صغيراً بشركة السودان للحبوب
    الزيتية يجوب مدن السودان لجمع محصول الفول واحصاء جوالاته في لهيب الشمس
    الحارقة وتجهيزه وهو معفر مغبر طوال اليوم وسط مجاميع  الفلاتة الكرام
    من عمال النظافة والتعبئة .. وحينما أنهك  قواه مرض      ( القرحة اللعين
    ) انتهى به كفاح السنين بفتح كنتين صغير ومتواضع بأحد أحياء الخرطوم
    المتواضعة هي الأخرى ولكنه حي فوق الثريا بأناس يقطنوه أحبوا والدي
    كثيراً وأحبهم دون استثناء  .. فعشنا بينهم في تواد وتراحم  وكل بيت من
    بيوتهم كان بيتنا !.

    وان كان عوضي بفقده - في شقيقي الأصغر والذي بقي بجانبه طوال حياته ولم
    يفارقه لحظة ووالدتي المؤمنة الصابرة - فان عزائي الأكبر في والدي هو
    تلكم الدعوات بصوته و التي كلما استمعت اليها غرقت في مدامعي وانتابتني
    نوبة حزن أنسى معها حتى نفسي ولا أرى حولي سوى صورته بملامحه  الرجولية
    الصبوحة !!.. انه عزاء بحجم الفراغ الذي خلفه بموته وبحجم الجراح
    النازفات بداخلي لأني حُرمت من أكون بجانبه لأقبّل رأسه لحظة رحيله
    الأبدي .

    كان والدي (عطا المنان ود محمد ود علي ود الحسن ود النور) أكثر الناس
    ايماناً بتصاريف القدر واقتناعاً بمسببات بُعدي عنه وغيابي القسري عن
    أهلي وبلدي وأنا أصارع جحافل الترابيين بقلمي في غربتي .. وقبل أن يأخذ
    منه المرض مأخذاً كانت  وصيته – رحمه الله رحمة  واسعة  وأفسح له مكاناً
    في جنات الخلود – ضمن عدد من الوصايا أن أظل بعيداً عن السودان حفاظاً
    على حياتي آنذاك وحتى لا يُحرم من سماع صوتي .. كما كان يردد دائماً كلما
    تحدثت اليه .

    بكاه الكثيرون مثلي وحتى صغارالحي الذين وصبيانه الذين كان يمازحهم
    ويطلقون عليه دائماً ( عمي عطا) .. وأقيم له عزاء محضور بالسودان ثم
    بالنادي السوداني في دبي بالامارات حيث كنت أعيش وأعمل قبل هجرتي الثانية
    الى منفاي الأوربي القسري لاجئاً سياسياً بسبب كتاباتي المعارضة لما
    يمارسه نظام اسلاموي لم يكتفي بسرقة ارادة شعب بحجم أمة .. وانما سرق
    اللقمة من أفواه الجوعى وحتى الابتسامة   من أفواه الصغار وأقام في كل
    بيت مأتماً .

    كان والدي - رحمه الله - لا يرسل خطاباً أو شريطاً مسجلاً أو وصية مع
    قادم الا ولسانه – الرطب بذكر الله دائماً -  يلهج بصالح دعوات الرضا
    وأندى عبارات العفو لي في الدنيا والآخرة .. دعوات كثيراً ما كان يقشعر
    لها بدني وتُبكيني .. وهي الدعوات التي كست دروب حياتي كلها وظللت أعيش
    بها حتى اليوم لأنها رأس المال الوحيد الذي تركه لي .. وما أسعدني به من
    رأسمال في هذه الحياة الفانية ... لذا درجت كل يوم وفي كل صلاة من صلواتي
    الخمس أردد : (اللهم ويا الله أغفر لوالدي بقدر حبات العرق التي نزلت منه
    وهو يكابد الحياة من أجلنا ويصارع الأيام .. اللهم وسع مرقده وأحشره مع
    زمرة الصديقين والشهداء وألحقني به وأنا ألهج بشكرك والدعاء له ) .

    ختاما : انني أعيش هنا اليوم – يا سادتي - وأنا شارد الفكر والبال ومشتت
    المشاعر ومبلل الخاطر .. أحن كل يوم الى أهلي وبلدي وكل شارع في الخرطوم
    الحزينة  وزملاء الصبا ورفاقي في الحي وزملاء الدراسة وكرة القدم التي
    كنت أعشق .. انه حنين جارف يسوقني في كل اتجاه .. فيا له من حنين تنفطر
    له القلوب حزناً وتحكي عنه الدموع ملحمة العشق الأبدي لكل ذرة رمل في
    وطني المختطف منذ أكثر من ربع قرن ولا يزال ..وهاجس الموت في المنفى
    يلاحقني كل يوم !!.