عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

   لكل أمة من الأمم يوم مفصلي في تاريخها ويصبح يوماً خالداً في الذاكرة
    الجمعية لهذه الأمة تتناقله جيلاً بعد جيل . وعليه فان يوم التاسع عشر
    من ديسمبر من عام ألف وتسعمائة وخمسة وخمسين يُعد يوماً لن تنمحي تفاصيله
    من ذاكرة الأمة السودانية على مر الأيام والسنين .
    كانت جلسة تاريخية في ذلك اليوم حينما تم الاعلان من داخل مبنى البرلمان
    في الخرطوم بأن السودان دولة مستقلة عن التاج البريطاني , وهي الجلسة
    التي سبقتها جلسة أُعلن خلالها عن قرار جلاء الجيوش الأجنبية عن أرض
    السودان وذلك حينما اقترح الزعيم التاريخي الراحل اسماعيل الأزهري في يوم
    السادس عشرمن أغسطس عام ألف وتسعمائة وخمسة وخمسين على رئيس البرلمان
    آنذاك تقديم خطاب للحاكم العام البريطاني للشروع فوراً في اتخاذ التدابير
    اللازمة لتقرير المصير واخطار الحكومتين المتعاقدتين البريطانية والمصري
    * الحكم الثنائي *ّوذلك بمقتضى المادة التاسعة من الاتفاق بين هاتين
    الحكومتين بشأن الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان .
    عقب ذلك الاقتراح تلى الأزهري خطاباً ضافياً شدّد فيه على ضرورة الأخذ
    بهذا الاقتراح والشروع في تنفيذه , وقد جاء ذلك في اطار مناقشات
    عميقة ومداولات جادة ومشاورات مكثفة جرت بين خمسة من أعضاء الحكومة
    وثمانية من ممثلي الأحزاب الممثلة في البرلمان , وقد استمر ذلك من يوم
    السادس من ديسمبروحتى الخامس عشرمنه عام ألف وتسعمائة وخمسة وخمسين ليتم
    الاعلان خلالها رسمياً عن الخطوة المهمة بشأن جلاء الجيوش الأجنبية يوم
    التاسع عشر من نفس الشهر , وكانت تلك هي أولى الخطوات نحو الاعلان عن
    استقلال السودان , و ظلت المشاورات تجري على قدم وساق للوصول الى ذلك
    اليوم المشهود حيث شكّل اجتماع السودانيين الثلاثة عشر الممثلين للحكومة
    والأحزاب مع مستشار الحاكم العام البريطاني وليم لوس يوم الثامن عشر من
    ديسمبر من نفس العام ضربة البداية والتمهيد لاعلان استقلال السودان , ثم
    تلاحقت الاجتماعات لوضع التصور النهائي لجلسة اليوم التالي .

    قيام جمعية تأسيسية :

    يوم الاثنين المصادف التاسع عشر من ديسمبر من نفس العام عقد مجلس النواب
    جلسته الثالثة والأربعين في دورته الثالثة , وقد كانت جلسة غير عادية
    تأهب خلالها النواب لتلك اللحظة التاريخية المنتظرة , وقد رافقت الجلسة
    سلسلة من المقترحات حول الشكل والكيفية اللذين يمكن أن يتم بموجبهما
    اعلان استقلال السودان باسم الشعب , وقد أجمع الحاضرون على صيغة خطاب يتم
    تقديمه لمعالي الحاكم العام البريطاني جاء فيه : ) نحن أعضاء مجلس النواب
    في البرلمان مجتمعاً نعلن باسم الشعب السوداني أن السودان قد أصبح دولة
    مستقلة كاملة السيادة , ونرجو من معاليكم أن تطلبوا من حكومة الحكم
    الثنائي البريطاني – المصري الاعتراف بهذا الاعلان فوراً ) .
    أعقبت تلك الجلسة مناقشات حادة وجادة شهدتها أروقة البرلمان وتعددت
    خلالها المقترحات بشأن الخطوات التي تلي اعلان الاستقلال وتعزز من تأمين
    تلك الخطوة , فكان الاجماع على ضرورة قيام جمعية تأسيسية تعمل على أرضية
    مشتركة وتكون بساطا يتمدد عليه اعلان الاستقلال .
    ولتحقيق ذلك ظل السجال مستمراً حول الاعداد لقانون انتخابات تلك الجمعية
    حتى أطل صباح الاثنين المصادف السادس والعشرين من ديسمبر للعام خمسة
    وخمسين عندما عقد مجلس النواب جلسته الثامنة والأربعين في دورته الثالثة
    , حيث أجمع نواب البرلمان على انتخاب مجلس للسيادة مكون من السادة :
    أحمد محمد صالح وأحمد محمد ياسين والدرديري محمد عثمان وعبد الفتاح
    المغربي ثم سرسيو ايرو, وهو المجلس الذي تمثلت فيه روح الوطنية الصادقة
    والارتفاع فوق كل خلاف وتشابكت أيدي الحكومة مع المعارضة وكافة ممثلي
    فئات الشعب , حتى تحقق استقلال السودان بارادة مخلصة ووحدة للصف وهتف
    الجميع آنذاك : ) السودان أولاً وأخيراً ) .

    اعلان الاستقلال من داخل مبنى البرلمان :
    كانت جلسة ليست ككل الجلسات , تلاقت فيها القلوب وتصافت واشرأبت الأعناق
    لرجال قهروا المستحيل ليحققوا الانعتاق لوطنهم والحرية لشعبهم . وكان مما
    قاله أحد رموز تلك الجلسة وهو السيد مبارك زروق المحامي ورئيس المجلس
    والناطق الرسمي باسم الحكومة * حكومة الزعيم الأزهري * معلناً تأييده
    لاقتراح اعلان الاستقلال قال : * ان ما قطعناه في حساب الزمن لا يتجاوز
    السنتين ولكنه في حساب الحوادث والقيم والانتصارات سجل ضخم تحسدنا عليه
    الأجيال القادمة حينما نصبح جميعاً جزءاً من ثرى هذه الأرض المقدسة
    وحينما يصبح جيلنا هذا أثراً من آثار التاريخ * .
    أما الرجل الرمز والأديب الأريب والقانوني الضليع وزعيم المعارضة المفوّه
    محمد أحمد محجوب فقد قال : * انني أشعر – وأنا أتحدث اليوم – بأن قلبي
    ينبض بنبضات جميع النواب بل أشعر بأن كل خفقة من فؤادي تتردد قلوب
    الملايين من أبناء الشعب السوداني التي تنتظر هذه اللحظة , وأ رجو أن
    نذكر جميعاً أن تكاليف الاستقلال وأعبائه أكثر بكثير من أعباء الكفاح في
    تحقيق ذلك الاستقلال , ولنذكرجميعاً أيضاً – ومنذ هذه اللحظة – اننا قد
    بدأنا تحمّل أعبائنا وحدنا وما أفدحها من أعباء * .
    وهكذا نال السودان استقلاله في صبيحة اليوم الأول من يناير للعام ستة
    وخمسين وتسمعائة وألف , لينتقل بعدها من حقبة الاستعارالأجنبي
    لاستعماروطني من نوع آخر لم يذُق فيه الشعب السوداني حلاوة استقلاله أو
    طعم حريته , وسار الجدل سجالأ بين حكومات متعاقبة عسكرية ديكتاتورية
    وأخرى ديمقراطية مشوهة غلبت فيها المصالح الحزبية والشخصية وضاقت فيها
    روح الوطنية على رحابتها .
    ولا شك أن نظام الحكم القائم اليوم في السودان يُعد أحد الأنظمة التي
    توالت على السودان دون أن تجلب اليه خيراً أو تخرج به من وهدة التخلف
    والقعود الى عالم التنمية المستدامة والرخاء , وقد شهدت البلاد في عهده
    أسوأ حدث في تاريخ السودان الحديث وهو انفصال جزءعزيز من ترابه فضلاً عن
    ترد مشهود في الاقتصاد والمَحَل السياسي والجدب الفكري والتنموي الذي
    أصاب الحياة في كافة مناحيها أملاً في انتظار يوم يستعيد فيه هذا المارد
    الجبار عافيته ليلعب دوره المحوري والتاريخي المنوط به بحكم موقعه
    الجغرافي كجسر يربط بين العالمين العربي والأفريقي اضافة الى حجم الموارد
    التي يزخر بها في باطن الأرض وفوقها . ولكن يظل الأمل معقوداً على جيل من
    أبنائه يسعون الآن للتخلص من كل هذه الفوضى التي تضرب بأطنابها كل أوجه
    الحياة في بلد أقعده ساسته عن المساهمة في الحياة العصرية والتفاعل مع
    قضاياها الراهنة