من مزاره المؤقت بالدوحة .. وخلال دورة بقناة الجزيرة .. كتب الزميل الصحفي ( ضياء بلال ) والذي أكن له احتراما خاصا .. كتب جملة من المقالات حول ملاحظات رصدها خلال فترة لم تتجاوز أياما معدودات عن السودان والسودانيين بالخارج .

من بين تلك المقالات واحدة تحت عنوان ( السودان .. أخبار سيئة !!) وذلك بتاريخ 26/10/2009 جاء فيها :

(( لا تعرف إلى أي المخابئ يمكن أن تذهب ببصرك، وأنت تطالع في أعالي الصفحات الأولى بالصحف الأجنبية، والمواقع الاسفيرية، ثلاثة أخبار ذات صلة - سيئة الذكر - بوطنك..!

خبرٌ يتحدث عن سقوط طائرة شحن جوي بمطار الشارقة.. خبرٌ رغم ما فيه من حزنٍ وألمٍ على أرواح الضحايا، إلاّ أنّه يُحيلك مُباشرةً للسيرة الدامية للطائرات السودانية، الذي تجاوز وصفها بالنعوش الطائرة حدود التقريع المحلي الى النطاق الإقليمي في مسارح الكوميديا السوداء..!

وقبل أن تخرج نتائج التحقيق في سقوط طائرة، تلحق بها أخرى. وتظل الاتهامات ذات الاتهامات والأعذار ذات الأعذار.. (والمشاهد هي ذاتها والرقم لسع واحد)..!

ولا يجهد الصحافيون وكُتّاب الأعمدة أنفسهم في إضافة ردحيات جديدة تشكي لطوب الأرض، هو أن روح المواطن السوداني وخفة وزنه الاعتباري.. فما كتبوه سابقاً عن حوادث مماثلة سيفي متطلبات الحوادث الجديدة، دون الحاجة إلى إحداث تعديلات حتى على مواضع علامات الترقيم.

والخبر الثاني ذو صلة بالطائرات كذلك، خبر مواطن سوداني مُخدّر بالكوكايين حاول اختطاف طائرة مصرية متجهة من إسطانبول إلى القاهرة.. والصحافة المصرية تلصق به كل شرور الدنيا يستاهل.. وتقول إنّه حاول التحرش جنسياً بالمضيفة، وحينما لم يجد مراده حاول التحرش بالطائرة عبر إبداء الرغبة في اختطافها، ليحقق بها هدفاً قومياً وهو زيارة القدس..!

والرجل يحمل جوازاً مزوّراً وهو متسلل غير شرعي لليونان وهارب من السجن وقبل ذلك هو تاجر مخدرات.. سيرة ذاتية لم تَتَوافر حتى لإبليس..!

وبعد الخبرين السّابقين تهبط عينيك - اضطرارياً - على خبر ثالث، يخبرك بأن حكماً قد صدر في حق مهندستين سودانيتين بالجلد والغرامة، وذلك لارتدائهما البنطال.. وهذا الخبر حينما تَتَنَاقله وكالات الأنباء، تأتي الصورة للمطالعين للخبر، الحكومة في السودان تركت كل شئ جنباً (دارفور والانتخابات والسلام)، وأصبح لا هَمّ لها سوى مطاردة النساء بالسياط على الطرقات..!

في كل المجالس السودانية التي إرْتدتها بالدوحة، لا مجلس يخلو من حديثٍ مريرٍ عن الصورة التي تُنقل عن السودان، وتظهره كوطنٍ ممزّقٍ الثياب، مُبعثر الخيارات، وعن المواطن السوداني، كإنسان مُثير للشفقة، جرّدته صروف الزمان من كل مميزاته، ولم تترك له سوى البكاء على ماضيه..!

الأخبار هي التي ترسم صورتك في ذهن المتلقين لها.. وفي عصر الهرولة والايقاع المتسارع، يتم التعامل عبر المختصرات الموجزة والسريعة.. الشعوب تختصر في صفة واحدة متخلفة أم متحضرة..؟ والأقطار توصف بصفة واحدة فقط.. مستقرة أم مضطربة..؟

الأخبار والصور المتكررة هي التي توفر المادة الخام لإصدار تلك الأحكام.. فنوعية المدخلات هي التي تحدد قيمة ونوعية المنتج.

(الإعلام لا يتعامل إلاّ مع الأخبار السيئة).. هذاما قاله الدكتور عبد المطلب صديق في العشاء الكريم الذي أقامته لنا أسرة السفارة السودانية بالدوحة بقيادة السفير إبراهيم فقيري والمستشار محمد حامد تبيدي وبحضور عَدَدٍ مقدر من الإعلاميين المقيمين بقطر.. وكان أغلب الحديث يدور حول صورة السودان في الإعلام الخارجي.. وباكمال معنى حديث الدكتور عبد المطلب فإن عدم ظهور اسم الدولة في الاخبار دليل عافية ومؤشر استقرار NO news is good news

لا أبالغ اذا قلت إنني أصبحت يومياً أتمنى ألاّ أجد اسم السودان في الأجهزة الإعلامية العالمية، ولا في أخبار النشرة الجوية، لأن حتى أخبار الطقس أصبحت لا تبشر بخير..! )).

عزيزي ضياء :

هذا غيض من فيض !!!.

وهذه هي الصورة الحقيقية لـ ( سودان اليوم ) في الاعلام الخارجي دون زيف أو نفاق !!. وأنت هل ترى في (هذا السودان ) ما يبعث على المسرة ؟؟. .. وأين هو ذلك الذي يمكن أن باعثا لتلك المسرة لأي سوداني خارج حدود الوطن الجريح .. ذلكم الوطن الذي أصبح اليوم نهبا لسياسات عرجاء قادته لمهالك شتى وتكاد أن تودي به اليوم الى النهاية المحتومة وهي التلاشي من على الخارطة !! ؟ .

جئت أنت لأيام معدودات زائرا للدوحة وانت تتجول بين موائد أصدقائك غداءا وعشاءا وتجوالا ومجالس أنس .. وأظنك كنت تنتظر خبرا مفرحا واحدا سواء عن وطن خلفته وراءك وحمى الصراعات السياسية ( تهرس ) جسده المنهك أصلا !!.. أو عن بني جلدتك ممن يتلظون بلهيب الغربة !!.

جئت لأيام معدودات خارج حدود الوطن وأظنك كنت تحلم بصورة وردية عن سودانيين هجر بعضهم السودان منذ سنوات .. وبعضهم لا تعرف أين يقيم هل بداخله أم خارجه لكثرة تسفاره وغدوه ورواحه بين هنا وهناك !!!.. وشتان ما بين الحالتين !!.

جئت – يا بلال - لأيام معدودات ظنا منك أن ستكون أسعد الناس وأنت تتنقل بين موائد هؤلاء الذين أكرموا وفادتك وأفاضوا عليك الثناء وأنت تجالسهم وتأنس لذلك دون أن يتيحوا لك فرصة أن تلتقى ( آخرين !!!) لهم عيون أخرى غير تلك العيون الزائفة المزيفة ( بضم الميم وتشديد الياء مع كسرها ) لكل ما يجري في السودان .. هؤلاء الذين ألتقيتهم – مع كامل احترامي لكل فرد منهم – الا أنهم لا يختلفون كثيرا عمن هم بالداخل أولئك الذين يزينون – من على صفحات صحف تزرح تحت سياط الرقابة الأمنية الكريهة !!!- الأوضاع في السودان زورا وافكا دون أن يرف لهم جفن أو ترمش لهم عين !!!.

جئت – يا بلال – وقد رأيت تلك المهازل والمخازي والأخبار السيئة عن السودان – كما تقول في متن مقالك أعلاه – وذلك في أيام قليلة .. أما نحن – سودانيي الشتات والمهاجر القسرية والاختيارية – فقد اعتدنا عليها – أي مثل تلك الأخبار - منذ أكثر من عشرين عاما ولا نزال !!!.. اعتاد الواحد منا أن يرى كل يوم مهزلة وكل يوم ( حدوتة !!) وكل منهما يبعث - لا على الخوف والقلق فحسب - ولكن على الضحك في كثير من الأحيان .. فماذا كان سيكون شعورك – يا بلال - وأنت تجالس أقرانك من صحفيين زملاء لك من بلاد شتى في نفس الجريدة أو المؤسسة الصحفية وماكينة الأخبار تضخ أخبار من عينة ما ذكرت أنت بعالية أو مثل ( جلد صحفية سودانية لارتدائها بنطلونا !!!!!!!) وأنت الصحفي مدعيى الفخر بوطنك وبعقلية من يحكمونه وحكمة قادته وحنكة ساساته ؟؟؟.. لا شك أنك – يا بلال – ستحس احساسا مزيجا بالهزيمة والمرارة معا .. لا بل بالخزي والعار دون شك !!.

الواقع أنك - يا سيدي العزيز - قد خالطت - أو احتووك - من لا يختلفون حول ما تكتبه أقلام الصدئة وغير صادقة عن السودان ونظامه وعن زعاماته المتقاتلة بغير معترك ورئيسه الملاحق دوليا والذي لا يستطيع أن يزور مقر الأمم المتحدة في نيويورك المحصن ضد أي اختراق أمنى أو قانوني !!!.. أي (أرض محايدة ) تماما بهذه الصفة .. فحتى هذه (القطعة من الأرض) لا يستطيع الوصول اليها .. فما بالك بأقطار شتى في هذا العالم ومؤتمرات اقليمية ودولية يتوجب عليه كـ ( رئيس دولة !!) زيارتها والمشاركة فيها باسم بلده ؟ . وما يبعث على الضحك – وشر البلية ما يضحك – أن يتم انتخاب رئيس بهذه الوضعية ليقود شعبا ووطنا في مقبل الأيام !! كيف يتأتى ذلك ؟؟ .. لا أدري !!.

لا شك أن هناك الكثير الكثير مما يمكن قوله لك - يا بلال - وأنت تتلمس أوجاعا نحن – خارج حدود الوطن - شبعنا منها ومن تداعياتها المقيتة منذ سنوات وسنوات ولا نزال نتجرع كأس المرارة تلك حتى ( تورمت ) بسياطها أوصالنا !!.

لك الله يا وطني .. وسلامي اليك يا (بلال) .

اخوك / خضرعطا المنان / الدوحة

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.