عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
في ظل الاوضاع المتردية اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا في السودان والصراع المحتدم بين أجنحة بالمؤتمر  الوطني الحاكم هناك وانسداد الافق امام اي حل قريب لمعضلات السودان المتفاقمة يصبح هذا البلد مههدا بانشطارات جديدة ( بعد انفصال الجنوب )  وربما التلاشي من على الخارطة نتيجة سياسات مضطربة ودبلوماسية عمياء وفساد ينخر في جسد الحياة  ومنهج متخبط في التعامل مع تلك الازمات التي تمسك بخناق هذا البلد المنكوب بأهله لا بغيرهم واتساع دائرة الحروب في اكثر من منطقة فيه فضلا عن غياب رؤية واضحة للمستقبل او خطة مدروسة للخروج من المأزق الذي تزداد رقعته يوما بعد يوم .. وسط كل هذه العتمة جاء مقتل سلطان الدينكا نقوك ( كوال دينق مجوك) نتيجة استهداف سيارته بقذائف ( آر بي جي ) في منطقة (أبيي) المتنازع عليها بين شمال يعيش في عزلة محلية واقليمية ودولية يسعى للتغطية عليها واظهار نفسه وانه يتمتع بعلاقات جيدة مع كافة دول العالم لا سيما المجاورة منها وجنوب يتلمس طريقه نحو بناء دولة حديثة قادرة على تحمل مسؤولياتها والوفاء بالتزاماتها تجاه شعبها الذي يسعى للقفز فوق جراحات السنين التي خلفتها حرب امتدت لأكثر من عشرين عاما . ولا شك أن إغتيال (السلطان كول) سيكون له تداعيات خطيرة ليس على قاطني  أبيي وحدها وانما  منطقة الحدود بين الدولتين بأسرها وهنا تكمن خطورة الوضع الذي ربما يعود بالاوضاع برمتها للمربع الاول مربع الحرب من جديد لتدخل المنطقة كلها هناك في مأزق جديد يصعب الخروج منه خاصة وان اغتيال هذا السلطان متداخل مباشرة مع القوات الدولية العاملة لحفظ السلام هناك وانها قد تضررت بالفعل حيث فقدت عددا من جنودها خلال عملية الاغتيال .
ان اسوأ – بل وأخطر- ما في أزمة أبيي انها ظلت عالقة منذ مفاوضات نيفاشا بين حكومة المؤتمر الوطني الحاكم في الشمال والحركة الشعبية الحااكمة اليوم في جنوب السودان كما انها المشكلة الأكثر تعقيدا في علاقات البلدين .. وقد كان الخطأ الأكبر هو أن الجانبين بدلا من حسمها بشكل ما تركاها هكذا متعمدان ترحيلها من مرحلة الى أخرى من مسار تلك المفاوضات الأمر الذي ادى الى تفاقمها حتى أصبحت اليوم أشبه بمنطقة كشمير) تلك الشوكة المعلقة في خاصرة الهند وباكستان منذ عشرات السنين ولا تزال .)
ومما يمكن الاشارة اليه في هذا الصدد هو عدم الثقة المتبادل الذي لا يزال قائما بين دولتي السودان رغم الاتفاقات التي تمت واظهار حسن النوايا من الطرفين ولقاء الرئيسين لأكثر من مرة واعلانهما قرب تطبيع العلاقات وفتح الحدود بين البلدين وبدء تدفق النفط ( 75% منه في الجنوب ) مارا بأراضي الشمال لانعاش اقتصاد الجانبين وبث الروح فيه .
المشهد السائد في (أبيي) هو في واقع الامر انعكاس طبيعي - لا بل ومنطقي-  لواقع سياسي مترد ( حزب حاكم اقصائي مستفرد بالسلطة ومقدرات البلاد والعباد ومعارضة فشلت في ان تصنع لها واقعا فاعلا  او تضع استراتيجية تنقع بها الشارع لمساندتها والوقوف خلفها للسير نحو مستقبل اكثر امنا وامانا تسكت فيه قعقعة المدافع ويسود القانون والحريات في دولة المواطنة) .
ولكن يظل السؤال قائما : هل من مبرر لبقاء حكومة - مهما كان مسماها – في سدة الحكم – أعني بها حكومة الشمال - وهي عاجزة حتى عن التصالح مع نفسها ناهيك مع الآخرين ؟؟ والى متى يكون السودانيون – شمالا وجنوبا - دائما في انتظار الحلول المعلبة الآتية اليهم من فوق رؤوسهم ومن خارج الحدود ؟؟ وهل العجز هنا هو نتيجة لمكابرة ام لقصر في النظر أم مجرد مكايدات أم رؤى عجزت جميع الأطرف عن التحكم في دفتها ووضع قطارها على سكة تفضي – في آخر المطاف – الى حلول ربما تكون مرضية للجميع دون خسارة طرف او ربح طرف على حساب طرف آخر ؟ .
ان ما جرى – ويجري آنيا – في منطقة ( أبيي ) لهو دليل فاضح على عجز كافة أهل الحل والعقد في السودان وحتى من يدعون أنهم ( حكماء البلد !) على حل مشاكلهم بأنفسهم وادارة شؤون هذا الوطن الذي لم ينعم بالاستقرار والسلام الحقيقي منذ استقلاله في العام 1956 الا فترات قصيرة بحساب الزمن في عمر الأوطان والشعوب.
والناظر بعمق الى مختلف جوانب المشكل السوداني اليوم لا بد أن يقف أمام مشهد سريالي / ضبابي
يتداخل فيه السياسي مع القبلي .. فضلا عن الحزبي مع الجهوي ...... وهلمجرا . الأمر الذي ربما  يؤدي  الى الى تحجيم أي دور يمكن أن يقوم به ( البعض ) لاصلاح ذات البين و يغطي على أي مساع جادة لحلحلة الوضع القائم الذي يبدو أنه يتجه نحو المجهول.