اننا بحاجة للحكمة والدبلوماسية الواعية
منذ صدور قرار المحكمة الجنايات الدولية بحق المشير عمر البشير في الرابع من مارس الجاري والسودان كله يعيش حالة من الهستيريا السياسية والحمى الجدلية والتي ارتفعت درجتها بهبة مفتعلة في أغلب ملامحها ومصنوعة صناعة كعادة معظم الأنظمة الحاكمة في منطقتنا العربية .. فكم هي قادرة ـ هذه الأنظمة - على تجييش الناس كلما اشتد الحبل حول رقبتها أو ظهر في الأفق ما يمكن أن يعرض وجودها في سدة الحكم للخطر! وهذا ماقامت به حكومة الخرطوم .. فبدلا من العمل على توفير متطلبات مواجهة الصراع والقضية القانونية التي جعلت رأس النظام مطلوبا دوليا وملاحقا بجرائم خطيرة، ومحاولة تحريك الضمير العالمي وكافة المنظمات الدولية المعنية بحقوق الانسان .. لجأت هذه الحكومة لاتباع أساليب أخرى لم تكن في صالحها أبدا .. كما أنها جعلت من الوطن كله رهينة لهذه القضية .. الأمر الذي استهجنه الكثير من السودانيين وهم يرون وطنا بأكمله وشعبه في هكذا وضع لا يمكن القبول به مهما كان السبب ناهيك عن أن يكون هذا السبب هو فرد في بلد بحجم قارة يسكنه شعب بحجم أمة .
والواقع انني كنت ـ ولا زلت - أحد الذين تمنوا أن ينبري السودان ـ بحكمة وتروى ـ للمناطحة القانونية ـ بدلا عن كل هذا التهريج الذي صاحب قرار المدعي العام - باعداد نخبة معتبرة من قانونييه وتزويدهم بما يلزم متوخين الحرص على أن لا تخرج المسألة برمتها عن نطاقها القانوني مهما حاول مثيروها التوجه بها الى غير ذلك المسار.. ومثل هذا المسلك ـ بالكيفية والحيثية التي أشرت اليها هنا - كان يمكن أن يمثل سياجا منيعا ضد تسييس القضية والانحراف بها نحو وجهة غير ما تشتهي سفن النظام في الخرطوم.
ولكن بدلا عن ذلك لجأ النظام لتهييج عواطف الوطنية واستثارة نخوة سودانية لا تقدم ولا تؤخر في الأمر شيئا كما أن أهل هذا النظام عمدوا لاستدعاء التاريخ منذ أيام صدر الاسلام الأولى الأمر الذي أخرجهم عن جادة طريق احتواء الأزمة وتداعياتها منذ لحظتها الأولى .. كما أنهم ـ بذلك السلوك ـ أضاعوا فرصة كانت جد مواتية لخوض معركة قانونية بحتة يكون الفيصل فيها القانون والقانون وحده لا سواه .
كما أن الخطأ الجسيم الذي أوقع النظام نفسه فيه هو أنه اعتمد على منهج التجييش فضلا عن جوقة معبترة من المستشارين المحليين والمحللين السياسيين الموالين والصحفيين والخبراء ضعيفي الخبرة والقانونيين غير المؤهلين للأخذ برأيهم والاقتداء به عبر العديد من المنابر والمنتديات وبرامج الاذاعة والتلفزيون وخلافها .. وهو أمر زاد من تكبر أهل النظام ومكابرتهم .. ولم يكتفوا بذلك فحسب ولكنهم كالوا من الاتهامات للمدعي العام الأرجنتيني الأصل (أوكامبو) كيلا وقالوا بحقه ما لم يقله مالك في الخمر .. وتناسوا أن للرجل تاريخا حافلا بالانتصارات القانونية والمعارك الضارية التي خاضها وكسبها دون أية خسارة وهذا ما يجعل منه قانونيا ضليعا ومؤهلا عالميا ومرجعا في هذا المجال . وهذه حقيقة أقر بها كل من تابع مسيرته منذ أن كان محاميا صغيرا بمكتب متواضع في عاصمة بلده الأرجنتين الى أن تم اختياره لمنصب المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية في مدينة لاهاي الهولندية.. كما أن المسألة برمتها لا يمكن اختزالها  في شخص اوكامبو  .
وحتى حينما سنحت الظروف للمشير البشير لزيارة دارفور وهو المطلوب دوليا بسبب قضية أساسها هذا الجزء من السودان والذي تساوي مساحته مساحة كل فرنسا .. لم يطرح الرجل جديدا يمكن أن يخفف من الضغوط الدولية على بلده أو تبعد عنه شبهة جرائم الحرب التي اتهم بها .. كما أنه لم يقم بزيارة موقع المعذبين في الأرض هناك من النازحين المشردين من أهالي هذا الاقليم الذي ظل مهمشا على مدى سنوات طوال دون أن يحرك النظام ساكنا لتدارك الأمر خاصة وأن هذه الأزمة الانسانية البينة تجاوزت اليوم من العمر عامها الخامس.. ولم يخاطب بالطبع جذور المشكلة وانما مال للخطب والهتافات والانفعال والتجييش المفتعل للناس من غير المعنيين بهذه المشكلة .. وعاد دون أن يلتقي بنازح واحد من عشرات الآلاف الذين ما زالت تكتظ بهم معسكرات تقوم في فضاء لا تظللهم فيه الا سماء كاشفة ولا يفترشون فيه سوى الأرض .
وهكذا وجد السودان نفسه ـ بفعل سياسته العرجاء والبعيدة عن الحكمة والدبلوماسية ـ في مواجهة جديدة مع العالم دون أن يدرك خطورة مثل هذه المواجهة في ظروف أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها ظروف المغامرات .. خاصة اذا ما نظرنا الى ما يجري اليوم في العالم من حولنا .. فحتى روسيا التي كانت حتى الأمس القريب تنتقد لا بل وتستهجن الاحتلال الأمريكي للعراق وتقول أن القوات الأمريكية قد دخلت لهذا البلد دون موافقة المجتمع الدولي .. رأيناها كيف قامت بالفعل نفسه حيال جورجيا وتحديدا في اقليم أوسيتيا المجاور الذي كان ـ حتى الأمس القريب - جزءا من روسيا نفسها .. فقد تحركت هذه الأخيرة دون اذن من أي جهة دولية معتبرة كمجلس الأمن الدولي بدعوى حماية مواطني أوسيتيا من الابادة التي تقوم بها القوات الجورجية .. وهذا مطابق تماما لماجرى للعراق .
فمجتمع دولي تلكم هي أخلاقه وذلكم هو سلوكه في هذا الزمان الأغبر ليس من بد أمام ضعافه سوى أخذ هذه الحقائق بنظر الاعتبار أنه زمان قانون القوة وليس قوة القانون .. وهذا لايعني الاستسلام والرضوخ ولكن التعامل مع الأمر بشئ من الواقعية والتعقل والتروي لا التشنج والتحدي والهتافات .. خاصة عندما يتعلق الأمر بقضية بحجم جرائم حرب أصبحت اليوم النغمة السائدة بل النافذة لكل من يود ان يمرر أجندة عجز عن تمريرها من الباب .
بقي أن نشير الى أنها ليست المرة الأولى التي يجد فيها السودان وحده في مواجهة العالم .. فقد تكرر السيناريو نفسه وان كان بصورة مختلفة وفي أكثر من مرة .. ولكن هذه هي المرة الأخطر على الاطلاق . ان حل أزمة دارفور والتعامل مع افرازاتها الخطيرة يكون بجلوس كل أهل السودان أرضا .. والتفكير ـ بعيدا عن المصالح الحزبية الضيقة والمآرب الشخصية الزائلة - في مصير بلدهم الذي يعيش اليوم أخطر منعرجاته التاريخية الحديثة .. في ظل تجاذبات محلية واقليمية ودولية تقوم أساسا على المصالح .. مع الايمان بالقاعدة القائلة لا يوجد ـ بين الدول ـ عداء دائم او صداقة مستدامة وانما مصالح باقية ما دام هناك حكم وحكام .
أليس من بين أهل الحكومة في السودان اليوم من هو أكثر رشدا ومسؤولية ووعيا لكل تلك المخاطر المحدقة بهذا الوطن المنكوب بأهله ؟؟.
خضرعطا المنان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.