محمود عثمان رزق

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

ردا على الأستاذ دفع الله حسب الرسول البشير هل أصبح ختان الإناث كرتا سياسيا؟!

 

طالعتنا صحيفة الإنتباهة فى عددها رقم 1288 بتاريخ 23 يونيو 2009  بمقال تحت عنوان "إلى جمعية إختصاصى النساء والتوليد ومن سار على نهجهم" شن فيه الأستاذ دفع الله حسب الرسول البشير عضو لجنة العمل والإدارة والمظالم العامة بالمجلس الوطنى هجوما عنيفا على الذين ينكرون ما يسمى بختان السنة وإتهمهم فيه بأنّهم من الذين يجادلون فى الله بغير علم ويتبعون كل شيطان مريد!! والذين ينكرون هذا النوع من الختان  فى نظر أستاذنا قد "عمو عن كل شئ " فى سبيل تحقيق هدفهم  ولذلك "لايهمهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رأى أئمة الإسلام، ولا فتوى مجمع الفقه الإسلامى مرجعية الدولة الفقهية، ولا هيئة علماء السودان، ولا الأدلة الطبية التشريحية."

  

ولا يخلو الأسلوب أعلاه من إرهاب فكرى واضح  وإستعلاء معرفى واحتكار للتقوى والصلاح !  فإذا كنا بالفعل لا نهتم لحديث رسول الله (ص) ولا لأئمة العلم الشرعى  ولا للآراء العلمية التشريحية (أى  لا نهتم لرأى الدين ولا رأى العلم) فعلى أى شئ بنينا معارضتنا لما يسمى بختان السنة؟؟  هل قمنا فى الصباح الباكر وتجمعنا فى ميدان أبو جنزير حول واحدة من" ستات الشاى" واقترح أحدنا معارضة ما يسمى  بختان السنة من أجل المعارضة فقط متبعين فى ذلك سنة أسلافنا السياسيين الذين أرسوا لنا اللجاجة فى شعارهم المشهور "ضدها ولو جاءت مبرأة من كل عيب" ؟!!  ألا يستحى الأستاذ دفع الله من أن يشارك الله تعالى فى علمه بالنوايا؟؟  ألا يستحى الأستاذ دفع الله من أن يتهم أناسا فى دينهم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله ويقيمون الصلاة ويأتون الزكاة ويصومون رمضان  ويحجون البيت؟!! وهل يعتقد الأساتذ صادقا أنّه أكثر علما وتقوى وحبا لدين الإسلام وسنة نبيه من أى أحد من المناهضين لما يسمى بختان السنة؟

  

إنّ المقال سيدى الأستاذ ليس مقالا فقهيا ولا مقالا علميا حتى يرد عليه علميا وفقهيا، وإنّما هو مقال سياسيى من الطراز الأول.  فللمقال ثلاثة مقاصد واضحة هى:

  

المقصد الأول: هو تحريض رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ضد جمعية إختصاصى النساء والتوليد ومن يناصرهم من المتعلمين المتفقهين المستنيرين. والدليل على تحريضك  قولك : " هل يريد كل هؤلاء أن يؤلبوا الشعب على رئيس جمهوريته ومجلس وزرائه؟" لا يا هذا!!  إننا لم نؤلّب الشعب ضد الرئيس ولا مجلس الوزراء ولكنك أنت الذى تؤلب الرئيس ومجلس الوزراء ضد شعبه وأهل الإختصاص فى بلاده. ولا ندرى هل أنت صليح للحكومة أم عدو لها أم شخص درويش "ساكت" ؟!  إذ ليس من المصلحة فى شئ زج الحكومة فى صراع مع أهل أى إختصاص لأنّ الحكومة ستكون هى الخاسرة طال الزمن أم قصر.  وجمعية إختصاصى النساء والتوليد هى جمعية تتكون من أهل الإختصاص فى شئون النساء الطبية وهى تكلمت فى ما يعنيها من تخصص ولم تتطفل على الموضوع.  والجدير بالذكر أنّ الشريعة نفسها تجعل لأهل الإختصاص وزنا وتأخذ برأيهم فى ما لا نص فيه ولا خلاف عليه.

  

والمقصد الثانى هو تحريض رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ضد رئيسة الطفولة والأمومة التى تقف ضد ما يسمى بختان السنة والتى نظمت ورشة عمل اأيدت  فيها وأثنت على المعارضين لما يسمى بختان السنة كم جاء فى حديثك.

  

والمقصد الثالث هو تحريض رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء  ضد وزيرة الشئون الإجتماعية التى ساندت رئيسة الطفولة والأمومة  وذهبت أبعد من ذلك حين طالبت بإعادة المادة 31 من قانون الطفولة ، وذلك جلى فى قولك : "وساندتها فى ذلك وزيرة الشئون الإجتماعية بتقديم إقتراح يحرم ختان السنة ليضمّن فى القانون الجنائى وذلك بعد قرار مجلس الوزراء!!"

  

ونحن نقول لك يا سعادة الأستاذ لو أن مجلس الوزراء لا يتراجع عن قراراته ومعصوم لا يخطئ أصلا، فلماذا تراجع عن القانون الذى كان يجرّم عملية الختان التى تنسب للسنة زورا وبهتانا؟  ولو أنت بحثت عن القرارات التى تراجع عنها هذا المجلس وغيره من مجالس الوزراء منذ الإستقلال وحتى هذه اللحظة ستملأ منها شوالات مشوللة.

  

وطالما أنّ الأمرأمر دين فلماذا أشركتم من هو على غير ديننا من الوزراء فى قضية لا تخصهم؟؟ وهل يجوّز لكم فقهكم الواسع أخذ التشريعات الدينية ممن هو على غير الملة؟  إنّ قرارات مجلس الوزراء سيدى الأستاذ ليست قرآنا منزلا لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه!  فهى ببساطة قرارات وضعها رجال مثلنا يأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق ويخرجون فضلات بطونهم كما نفعل نحن. وعليه لنا الحق أن نأخذ من قراراتهم ما نراه صوابا ونرفض ما نراه خطأ.

  

ألستم أنتم الذين تملأون المنابر وعظا  ليلا ونهارا بأن عمر بن الخطاب قال: "أخطأ عمر وأصابت إمرأة" !! فما الذى يجعل ذلك العمر ومجلس وزرائه يتراجع للحق ولا يجعل عمرنا هذا ومجلس وزرائه لا يتراجع؟؟  ولماذا يكون تراجع عمر بن الخطاب فضيلة ويكون تراجع عمر البشير إنكسارا ؟ ولماذا يكون رأى تلك المرأة صوابا ورأى وزيرة الشئون الإجتماعية خطأ؟

  

أليس هذا تطفيف فى الميزان نهى الله عنه يا سعادة الأستاذ؟  ومن التطفيف أيضا أن تستشهد بقول ثلاثة من الأطباء وتترك السواد الأعظم من الإختصاصين داخل وخارج البلاد الذين يعارضون أولئك الثلاثة الذين خلفوا.

  

ولمزيد من الإرهاب الفكرى وصف صاحبنا حملة مناهضة الختان بأنّها " حملة عالمية صهيونية يرعاها أعداء الإسلام وينفقون عليها" ، ونحن نشهد الله الذى أمرنا بالعدل فى قوله : "لا يجرمنكم شنآن قوم ألا تعدلوا فأعدلوا هو أقرب للتقوى" أنّ الصهيونية بريئة من هذه التهمة وأعداء الإسلام من غير الصهاينة أيضا بريئون من هذه التهمة.!! والجدير بالذكر أن الآية نزلت فى تبرئة يهودى ظلمه بعض الصحابة ونسبوا له جريمة لم يفعلها!!  وإن كان الوعى والتفقه فى الدين من شأن الصهاينة فأنا أكبر صهيونى فى السودان ويا ملائكة أشهدى.  ولكن يا أستاذى الجليل إنّ  الوعى من صفة المؤمنين الأخيار الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه وليس من صفة الصهاينة الذين يبدلون الكلم عن مواضعه.

  

وليس فى مقال الأستاذ دفع الله شيئا يستحق الرد عليه علميا ولا فقهيا كما ذكرنا سابقا، ويكفينا فى شأن الختان رأى الصهيونى والإمام الأكبر محمود شلتوت وقد ضمنه كتابه المسمى  ب"الفتاوى"، وأيضا رأى الشيخ الصهيونى يوسف القرضاوى وضمّنه كتبه أيضا، والمفتى الصهيونى محمد جمعة وغيرهم من علماء مصر والسودان الصهاينة وغيرهم من صهاينة الدول الإسلامية.  كما يكفينا عمل أهل المدينة الصهاينة فى الوقت الحاضر وليس أهل المدينة الذين  إفترت عليهم الروايات الضعيفة وساندتها روايات الآحاد الصحيحة التى تفيد العلم ولا تفيد العمل.  روايات تصور لك أن عملية ختان الإناث كانت تمارس فى  المدينة تحت الأشجار فى العراء وبلا حياء يراها "الماشى والجاى" بمن فيهم رسول الله (ص)!!  فيضطر عليه السلام أن يقف ليوجّه الخاتنة بأن تشم ولا تنهك!!!

  

إنّ عمل أهل المدينة الأحياء هو أقرب لسنة رسول الله (ص) ولا سيما أنّ فيهم علماء ورثوا العلم كابر عن كابر!  كما أنّ عادات مجتمع المدينة بنيت على أسس الدين وسنة الرسول (ص) الكريم وليست على سنة فرعون المأفون !!.  وفوق كل ذلك يكفينا السواد الأعظم من المسلمين وهم لا يجتمعون على خطأ ولا باطل ولا ضلال كما أخبر بذلك رسول الله (ص).

   

ومن هنا ننتهز هذه  الفرصة التى فتحها لنا الأستاذ دفع الله و نخاطب السيّد رئيس الجمهورية والسادة الوزراء فى مجلسهم الموقر وهيئة علماء السودان والمجلس الوطنى ومجمع الفقه الإسلامى وكل العلماء لمراجعة هذا القانون وإرجاع المادة 31 من قانون الطفل التى تجرّم الختان الذى يسمى بختان السنة والسنة بريئة عنه برآءة الأطفال!!   وإن وجد المجلس فى نفسه شيئا بسبب هذا اللغط الفقهى فعليه ألا يساند جهة ضد جهة ولا رأيا ضد رأى ويترك  المجتمع يحسم قضيته بنفسه عن طريق الوعى وكشف الأضاليل والخزعبولات.

  

ونصيحتنا للأستاذ دفع الله أن يهتم بمحاربة المظالم بدلا من زيادة المظالم! وإذا كان هو صادق فى منافحته عن السنة فيجب أن تكون منافحته عن الواجب أكبر وأحق.! ولعل معاملات السوق خاصة  فى أشد الحاجة إلي جهده وإجتهاده وجهاده.!  فقد طفح السوق بالربا ، وأكل أموال الناس بالباطل،  وبالمعاملات الفاسدة، والشيكات الطائرة، وأصبح الناس فى حيرة من أمرهم فى كثير من المعاملات الحديثة والتشريعات الحديثة.  ففى السوق هجر الواجب والفرض والسنة معا!! فنحن يا سيدى الأستاذ نحتاج لفتاوى فى مجال الإقتصاد حتى يستقيم السوق وتحفظ الحقوق ويلحق إقتصادنا بإقتصاد سنغافورة التى لم يتجاوز عدد سكانها ال 5 ملايين تقريبا فيما بلغت صادراتها 127 مليار دولار عام 2008!!! وفى المقالبل عدد سكان سودانك العزيز إقترب من ال 40 مليون فى الوقت الذى بلغت فيه صادراته عام 2008 حوالى 11 مليار و600 مليون دولار  منها 11 مليار من البترول و 600 مليون دولار من الصناعات وباقى الصادرات!!!!! وبرضو تقولى شنو وتقولى منو؟؟

  

دعك سيدى الأستاذ من البحث عن ختان الإناث فى  السنة لأنك لن تجد له أساسا تقيم عليه بنيانا وإلا كان القرضاوى وشلتوت وغيرهما من مدمنى البحث والقراءة أحظى  به منك!!. ، ولكنك لو ركزت سيدى الأستاذ على إنتاج السنة ، وإقتصاد السنة، وعدل السنة ، وإخاء السنة ، ونصيحة السنة، ودولة السنة، فستأتى بما لم يستطعه الأوائل!  إن فعلت ذلك فستجد من الأدلة الثابتة الصحيحة المشهورة المتواترة ما لن يستطع أحد أن يجادلك فيه بعلم فضلا من غير علم.  

  وأخيرا، نتوجه بالتحية العطرة لجمعية إختصاصى النساء والتوليد وكل من وقف وقفة حق ضد ختان الإناث. وعلى هذه الجمعية أن تجمع أكبر عدد من التوقيعات من الأطباء والإختصاصيين وعلماء الدين ورفعها مع عريضة لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء لمراجعة قرارهم بخصوص الماد 31 من قانون الطفل. كما يجب عليها شن حملة تنويرية فى القرى والحضر لتوعية الناس فالوعى أقوى من القانون!