عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أولاً: لا بد أن تستيقن أنفسنا حقيقةً هامة هي أنّ المجتمع السوداني لن يتقدم قيد أنملة والمرأة السودانية مثقلة بالخرافات والجهل والشعوذة والأعراف السيئة.  فلذلك لابدّ من العمل الجاد لتحرير المرأة من تلك القيود والخرافات إن أردنا لمجتمعنا التقدم على أُسسٍ علميةٍ وأخلاقيةٍ وثقافيةٍ متينة. فالأم مدرسةٌ إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق،  فلا سبيل إذن لتجاهلهنّ وهن غالبية المجتمع حقيقةً لا خيالاً وها هي الإحصائيات تشهد لهنّ بذلك.
ثانياً:لفهم هذه المسألة الحساسة يجب التفريق بين مفهوم "التربص" ومفهوم "الحداد"، فالحداد هو حزن المرأة على زوجها أو أي شخص آخر وترك الزينة من أجله وهو من الأعراف الإنسانية التى أباحتها الشريعة من باب {وأمر بالعرف} ولكنّها لم تجعل هذا العرف واجباً على المرأة، أمّا مفهوم التربص فهو مفهوم جاء به الإسلام والمقصود به تأخير مشاريع الخطبة والزواج حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر أيام، وخلافاً للحداد قد جعلت الشريعة هذا التربص واجباً لا خلاف عليه لقول الله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعةَ أشهرٍ وعشرا}.
وقد كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي زوجها اجتنبت كل ملذات الحياة، فلا تغتسل ولا تقلم أظفارها ولا تهذب شعرها، وتعتزل كل المجتمع في بيتٍ صغيرٍ عاماً كاملاً لا تُخطب ولا تتزوج. وما زالت كل المجتمعات الإنسانية تمارس عادة الحداد حتى هذه اللحظة بصورة أو بأخرى. فكثيراً ما نرى نساء غير المسلمين في الغرب والشرق يلبسن السواد في يوم وفاة ازواجهن ولكنهن قد لا ينتظرن كثيراً من بعده،فتجد منهنّ من ترتبط برجلٍ آخر في خلال أسابيع أو شهر من تاريخ الوفاة. وفي المقابل نجد المرأة المسلمة تتربص (أي تنتظر) فلا تقبل على مشاريع الخطبة والزواج إلا بعد أربعة أشهر وعشر أيام لأسباب منطقية سيأتي شرحها.
وعندما مالت هذه الأعراف الإجتماعية بالمرأة عن المعقول لغير المعقول جاء الشرع ليخفف عن المرأة قسوة تلك الأعراف فحدد مدة أربعة أشهرٍ وعشرة أيام تتربص فيها المرأة –أي تنتظر-لتتأكد من خلو رحمها من الجنين-وهذا هو الأهم- ومن ناحية أخرى تساعدها هذه الفترة في تهدئة حزنها واستجماع أفكارها ومراعاة عرفها.هذه هي "فترة التربص" التي نهى فيها الإسلام عن الخطبة والزواج ولكن الناس خلطوا بينها وبين مفهوم الحداد (الحزن وتبعاته) فسموها بفترة الحداد.وفي الحقيقة الدين أمر المرأة بتأخير الخطبة والزواج فقط لفترةٍ معلومةٍ،أما الحداد بمعنى ترك الزينة فقد قالت به الأعراف وأقرت السنة النبوية جزءً يسيراً من هذه الأعراف بعد أن هذبتها وخففتها وحددت أيامها لغير الزوج بثلاثة أيام وللزوج بفترة التربص لقول رسول الله (ص) : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا".
والإحداد في اللّغة العربية هو المنع،والمقصود به امتناع المرأة عن الزّينة حزناً على زوجها. والمتأمل في لغة الحديث يجدها لا توجِب الحداد على المرأة إلا إذا قررت المرأة من نفسها أن تحد على زوجها فعليها حينئذٍ ألا تتجاوز في حدادها فترة تربصها التي هي اربعة أشهر وعشرة أيام.  وعلى أساس هذا التفريق بين المفهومين يمكننا القول أن المرأة يمكنها التربص من غير حداد (في حالة كونها تكره زوجها أو أنّها تركت معلقة) ولكن لا يجوز لها الحداد (الحزن) من غير تربص أربعة أشهر وعشر أيام.كما يمكننا أن نقرر بأنّ الإحداد بمعنى ترك الزينة حزناً مباح وليس بواجب لأنّه من مسائل العاطفة، والدين لا يجبر المرأة أن تحزن على زوجٍ كانت تبغضه لأنّ القلوب لا تجبر على أعمالها واختيارها. وبالجملة الدين لا يجبر أحداً على حبِ أو بغض أحدٍ من الناس، فهذه أشياء تكنّها قلوب الناس بصورة لا يتحكم فيها الإنسان نفسه. فالمرأة إذا قررت من نفسها الحداد على أحدٍ غير زوجها فهي حرة في قرارها وهي وحدها التي تتحمل تباعت قرارها ومراعاته. والشريعة في الأحزان راعت العرف فأمرت المرأة الحادة أن تمتنع من مس العطور، لحديث أم عطية الذي رواه البخاري في شأن الحادة: (ولا تمس طيباً) وأيضاً لحديث أم سلمة (رضى الله عنها) قالت: قال رسول الله (ص): "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل" رواه أبو داود والنسائي.  وكأنّ رسول الله (ص) يقول للمرأة المسلمة التي اتخذت قرار الحداد أن تحترم عرفها في هذه الأشياء فقط ولا تزيد عليها فتضل عن سبيل الرشاد.
يقول الإمام بن القيم الجوزية: "من تمام محاسن هذه الشريعة وحكمتها، ورعايتها لمصالح العباد على أكمل الوجوه، فإن الإحداد على الميت من تعظيم مصيبة الموت التي كان أهل الجاهلية يبالغون فيها أعظم مبالغة، ويضيفون إلى ذلك شق الجيوب، ولطم الخدود، وحلق الشعور، والدعاء بالويل والثبور، وتمكث المرأة سنةً في أضيق بيتٍ وأوحشه، لا تمس طيباً، ولا تدهن، ولا تغتسل إلى غير ذلك مما هو تسخُط على الرب تعالى وأقداره. فأبطل الله سبحانه برحمته ورأفته سنة الجاهلية، وأبدلنا بها الصبر والحمد والاسترجاع الذي هو أنفع للمصاب في عاجلته وآجلته.
ولما كانت مصيبة الموت لا بد أن تُحدِث للمصاب من الجزع والألم والحزن ما تتقاضاه الطباع، سمح لها الحكيم الخبير في اليسير من ذلك وهو ثلاثة أيام تجد بها نوع راحة، وتقضي بها وطراً من الحزن. وما زاد عن الثلاث فمفسدته راجحة، بخلاف مفسدة الثلاث فإنها مرجوحة، مغمورة بمصلحتها، فإنّ منع النفوس عن مألوفاتها بالكلية من أشق الأمور عليها، فأُعطيت بعض الشيء ليسهل عليها ترك الباقي، فإنّ النفس إذا أخذت بعض مرادها قنعت به، فإذا سُئلت تَرْكَ الباقي كانت إجابتها إليه أقرب من إجابتها لو حرمت بالكلية.
ومن تأمل أسرار الشريعة وتدبر حِكَمَها رأى ذلك ظاهراً على صفحات أوامرها ونواهيها، بادياً لمن نظره نافذ، فإذا حرم عليهم شيئاً عوضهم عنه بما هو خير لهم منه وأنفع، وأباح لهم منه ما تدعو حاجتهم إليه ليسهل عليهم تركه. وبالجملة، فما حرم عليهم خبيثاً ولا ضاراً إلا أباح لهم طيباً بإزائه أنفع لهم منه، ولا أمرهم بأمر إلا وأعانهم عليه، فوسِعتهم رحمته، ووسعهم تكليفه. والمقصود أنّه أباح للنساء لقلة صبرهن الإحداد على موتاهن ثلاثة أيام. وأما الإحداد على الزوج فإنه تابع للعدة وهو من مقتضياتها ومكملاتها، فإنّ المرأة إنّما تحتاج إلى التزين والتجمل والتعطر لتتحبب إلى زوجها ، وترد لها نفسه، ويحسن بينهما المعاشرة.
فإذا مات واعتدت منه وهي لم تصل إلى زوج آخر، اقتضى تمام حق الأول تأكيد المنع [من الزينة] من قبل بلوغ الكتاب أجله، [أيّ] أن تمنع مما تصنعه النساء لأزواجهن، مع ما في ذلك من سد الذريعة إلى طمعها في الرجال، وطمعهم فيها بالزينة والخضاب والتطيب. فإذا بلغ الكتاب أجله صارت محتاجة إلى ما يُرغِّب في نكاحها، فأبيح لها من ذلك [أي من الزينة] ما يُباح لذات الزوج، فلاشيء أبلغ في الحسن من هذا المنع والإباحة، ولو اقترحت عقول العالمين لم تقترح شيئاً أحسن منه." (إنتهى كلام بن الجوزية)
ومع عظمة هذا الكلام الذي قاله ابن الجوزية إلا أننا نعترض على قوله: "أما الإحداد على الزوج فإنّه تابع للعدة وهو من مقتضياتها ومكملاتها". فأقول: هذا اجتهاد من ابن الجوزية ولا دليل على وجوب الإحداد كما رأينا سابقاً. والأصح أن يقال إنّ الإحداد هو من الأعراف التي يمكن أن تتبع العدة ولا تتجازوها. والدليل على ذلك أن المرأة الحامل إذا وضعت بعد ساعةٍ واحدةٍ من وفاة زوجها فليس عليها عدة بنص القرآن الكريم { وأولاتُ الأحمالِ أجلُهُنّ أن يضعنَ حملهنَّ}وهنا يجب أن نلتفت لمسألة دقيقة جداُ وهي سقوط العدة أو بالأصح التربص لا يمنع المرأة من مجاراة العرف في الحداد (الحزن وتباعاته)، فيجوز للمرأة التي سقطت عنها العدة بسبب وضع الحمل أن تحد على زوجها عرفاً ولكن يجب عليها ألا تتعدى فترة العدة الشرعية لقول رسول اللَّه: "لا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"، والحديث مطلق يشمل المرأة التي لم يتبين حملها والمرأة التي وضعت بعد وفاة زوجها مباشرة. والحديث بصورته هذا مضافاً إليه مسألة سقوط العدة بوضع الحمل يثبت بصورة جلية أن مفهوم الإحداد على الميت حزناً إنّما هو عرف وضع له الشرع الحنيف ضوابطاً معلومة ولكنّه لم يفرضه ولم يجعله واجباً على المرأة.
والركن الأساسي في العدة الشرعية هو التربص بمعنى الامتناع عن الخطوبة والزواج أثناء فترة العدة. ومن واجبات العدة أن تظل في منزل زوجها المتوفى ما أمكن ذلك فلا ترتحل منه لبيتٍ آخر إلا لضرورة. أما مسألة الخروج من المنزل والرجوع إليه خلال اليوم لم يمنعها الدين منه، وضرورة الخروج من المنزل تقدرها المرأة المؤمنة بنفسها ولا تُقدر لها، كما أن المريض في رمضان يقدر فطره بنفسه ولا يقدر له.
أما الحداد العرفي فتلتزم المرأة المسلمة فيه بلبس الملابس العادية حسب العرف، وتجتنب الطيب والكحل والخضاب حسب العرف،وتجتنب لباس الحلي والمجوهرات حسب العرف. وهذه هي الأشياء التي قبلها الدين بالتحديد من العرف ورفض كل ما سواها فقال رسول الله (ص) : " المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل".
وخلاصة الكلام هو أن ما أحدثه الناس من زيادةٍ في المسألة وانتشر بينهم، وألزموا المرأة به لم ينزّل الله به من سلطان ولا أصل لهفي دين الإسلام.ومن الأشياء المنكرة التي لم يأمر بها الإسلام إلزام المرأة لباساً معيناً ولوناً معيناً وافتراش الأرض ومواجهة الحائط.وكذلك لم يأمر الإسلام المرأة المتوفى عنها زوجها بعدم تمشيط شعرها أو النظر في المرآة والتلفزيون والكلام بالتلفون أو الإمتناع عن الكلام عند شروق الشمس وعند غروبها.وكذلك لم يمنع الإسلام المرأة من الاغتسال والتنظف، أو من العمل في بيتها أو خارجه. ولم يمنعها من الأكل الطيب والشراب الطيب.  وكل هذه السخافات التي نراها في المجتمع السوداني وغيره لا أصل لها في دين الإسلام وهي من بقايا الجاهلية الأولى التي كبلت وأقعدت المرأة المسلمة وبالتالي يجب أن تحارب بسيف الوعي البتار،فليس المقصود من "التربص"الشرعي إيذاء المرأة وحبسها ومنعها من ملذات الحياة وتقييدها وحرمانها من كل شىء.!فللمرأة المتربصة أن تجلس مع الزوار رجالاً ونساءً ولها أن تعمل وأن تروّح عن نفسها بالحلال ولها الدخول على الجيران للاستئناس بهم وزيارة مرضاهم ولها التكسب وممارسة كل ما فيه ضرورة لمسيرة حياتها وفقاً لتعاليم دينها. وصدق الله العظيم القائل : {لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} ومتى تغيرت المرأة السودانية سيتغير معها تلقائيا المجتمع السوداني للأفضل بإذن الله الواحد الأحد.