عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لقد أصبح من الواضح جداً للمهتمين بشأن الفكر الإسلامى ضرورة إعادة النظر فى كثيرٍ من المقولات الفكرية الإسلامية القديمة وذلك لأنّ الفكر هو في حقيقته عملية تأمل فى النصوص القطعية والظنية لإستنتاج مقولاتٍ تساعد المجتمع المسلم فى بناء نهضة مادية وروحية وفكرية معاصرة فى إطار المقاصد الإسلامية الكبرى. وفى الوقت الذى نجد فيه مصادر ومراجع الفكر الإسلامي ثابتة، نجد الفكر الإسلامى يتحول ويتطور لأنّه ببساطة - كما سبق أن قلنا – هو عملية تأمل فى النصوص المرجعية القطعية والظنية، وعملية التأمل تتأثر بالكم المعرفى المتراكم فى كل عصرٍ ومصرٍ، كما تتأثر أيضاً بتغير البيئة الإجتماعية لأنّ مجتمع الإعراب مثلاً ليس كمجتمع أهل المدن، ومجتمع الدول الصناعية ليس كمجتمع الدول الزراعية، ولذلك يختلف الفكر بإختلاف العصور والأماكن.   ولعل الظروف الموضوعية التى نعيش فيها الآن تحتم علينا مراجعة تلك المقولات الفكرية القديمة والتحرر من تلك النظرات القدسية التى نحيط بها تراثنا الفكرى.

ومن المعلوم أنّ مصادر الفكر الإسلامى كثيرة ولكن الثابتة والمجمع عليها إثنان فقط لا ثالث لهما هما:

1- القرآن الكريم
2- والسنة النبوية الصحيحة

هذان المصادران هما المرجع والحكم النهائي فى نقض أو إثبات  أيّ مسألة عقلية أو فكرية تنشأ فى مجتمع المسلمين وتتبناها مدارسهم الفكرية.  فهم دوماً يعرضون نتائج أفكارهم على القرآن والسنة فإن تمّ التوافق بينهما فذلك فكر فى إطار دائرة الشرع الإسلامى، وإن حصل تنافر بين الفكرة والقرآن بصورة واضحة فذلك فكر خارج نطاق الدائرة الإسلامية، وإن كان الأمر غير واضحٍ فهو أقرب إلى الإباحة الفطرية لأنّ الأصل فى الأشياء الإباحة ما لم يرد نص ينفيها أو يقيدها.
فإذن للفكر الإسلامى مرجعيات ثابتة تعصمه من الضلال وترسم له حدوداً ثابتة تميزه من غيره ليتحقق بها الحد الأدنى لوحدة الأمة على مستوى الفكر بالرغم من اختلاف الأجناس والجغرافية.  وطالما أنّ المرجعيات الأساسية متفقٌ عليها فلا ضير أن نبدأ في مراجعة المقولات الفقهية والفكرية القديمة لتثبيت ما أثبت الزمن صحته، ونبذ أو تعديل المقولات الأخرى التى تجاوزها العصر بعد أن تآكلت عراها وخر عليها السقف فجعلها حطاما.  وبهذا النهج النقدي نفتح الباب لمقولاتٍ جديدة تستند على معارف كل عصر وثقافته لإعادة قراءة النصوص المرجعية من أجل إستنتاج أفكار تتفاعل مع ثقافة العصر وعلوم العصر وحياة العصر فى إطار الثوابت العقائدية والأخلاقية والتشريعية التى لا تتأثر أصلاً بعامل الزمن أو المكان. 

ومن المسائل التى تحتاج لمراجعة سريعة وجادة تلك النظرية الأصولية (نسبة لعلم أصول الفقه) التى تقول بوجود آيات ناسخة وأخرى منسوخة فى القرآن الكريم. وقد استوحى القائلون بهذه النظرية مقولتهم  هذه من اربع آيات قرآنية هي قوله تعالى

1-     { ما ننسخ من آية أو نُنسها نأتي بخير منها أو مثلها} (البقرة: آية 106).
2-     { وإذا بدلنا آيةً مكان آية، والله أعلم بما ينزِّل، قالوا إنما أنت مفترٍ، بل
أكثرهم لا يعلمون} (النحل آية101).
3-     { ويمحو الله ما يشاء، ويثْبِت، وعنده أُمُّ الكتاب} (الرعد: آية 39)
4-     { فينسخ الله ما يُلْقي الشيطان}  (الرعد: آية 39).
وبما أنّ السنة النبوية جاءت لتبيان القرآن الكريم فقد خلت من أى نصٍ قطعيٍ صريحٍ يثبت لنا أنّ معانى هذه الآيات يفيد وجود عملية نسخ قد وقعت بالفعل فى القرآن الكريم بالمفهوم الذى جاء به أهل تلك النظرية. إذن القول بنظرية الناسخ والمنسوخ خرجت من رحم التأمل الفكرى فى معانى النصوص مقروناً بأسباب النزول ومواقعها.  وللأسف قد أدى هذا التأمل إلى القول بوجود تعارضٍ أو تزاحمٍ فى بعض الأحكام التى جاء بها القرآن الكريم.  ولفك هذا التعارض والتضاد والتزاحم – المتوهم – جاء بعض العلماء بهذه النظرية بعد أن وجدوا فى الآيات الأربعة أعلاه ركناً شديداً يأوون إليه لبناء نظرية تساعدهم فى فك التعارض والتزاحم المتوهم.
والنسخ فى اللغة من الأضداد وله ثلاث معاني هي: الإزالة والنقل والتثبيت. 
أما الإزالة فهي على معنيين هما:
أ -   الإزالة تماما من غير بدل: ومثال ذلك قولك: "نسختِ الريحُ أثارَ القافلة"، أيّ أزالتها تماما بلا بدل ولا رجعة.
ب - الإزالة مع بدل فى مكان المزال: ومثال ذلك قولك: (نسخ الليلُ النهارَ) أيّ زال النهار وحلّ محله الليل ولكن النهار في الأصل موجود لكنّه انتقل لمكان آخر.

أما النقل فمقصود به النقل مع بقاء الأصل: ومثال ذلك قولك: (نسختُ الكتابَ فى قرطاسٍ جديد) فالأصل باق وهو الكتاب القديم المنسوخ والكتاب الجديد أيضاً موجودٌ معه.

أما الوجه الثانى من كلمة "نسخ" فهو مضاد للوجه الأول الذى يعنى الإزالة.  وفى هذا الوجه تعنى كلمة "نسخ" الإثبات والتدوين والتوثيق بدليل قوله تعالى: ".....إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ......" أى نثبّت ونكتب ونوثِّق ما كنتم تعملون.
أما النسي أو الإنساء فله معنيين هما:
1-  الأول هو التأخير كما في قولنا (ربا النسيئة) أي الربا الناتج عن التأخير في السداد.
2-  والثاني هو ترك الشئ كما في قوله تعالى: {نَسُوا الله فنسيهم} أي تركوه فتركهم، وفي قوله: {فَنسيتَها وكذلك اليوم تُنسى، أي تركتها فكذلك تترك في النار.   

فمن الواضح أن الأصوليين جعلوا هذه الآية نظارة أو منظار أعادوا به قراءتهم للقرآن الكريم كله، فأعانتهم على وجود حلٍ لما أسموه تعارضٍ فى الأحكام، وكان ذلك الحل هو نظرية الناسخ والمنسوخ التي تقول بوجود آيات ناسخة وأخرى منسوخة فى القرآن الكريم!!  وهكذا ظنوا أنّهم قد فكوا التعارض بكل سهولة ويسر وما دروا أنّهم قد فتحوا باباً كبيراً يدخل منها ريحٌ عاصفٌ على الدين وأهله.

ونظرية الناسخ والمنسوخ يمكن أن تسجل عليها المآخذ الآتية:
1-  النظرية قامت على فرضية خطأ: لقد قامت نظرية التناسخ على فرضية هى خطأ فى حد ذاتها ، وتلك الفرضية هى القول بوجود تعارض فى الأحكام (أى الأوامر والنواهى) القرآنية. ومن بديهيات الإيمان بالله تعالى أنّه هو العالم الحكيم الخبير الذى لا يتبدل قوله ولا يتغير وقد ميّز أقواله فى كتابه العزيز عن أقوال غيره بقوله تعالى : "ولو كان من غير عند الله لوجدوا فيه إختلافاً كثيراً". فهل هناك إختلاف أكبر من تضارب الأحكام وتعارضها؟ وهل يعقل أن نلصق التعارض بكتاب الله تعالى؟ إذاً هذه الفرضية التي تفترض وجود تعارض فرضية خطأ من أساسها.

2- النظرية لم توضح لنا لماذا سكت النبى (ص) عن مسألة الناسخ والمنسوخ وهو الذي نزل عليه القرآن:  فلو كان صحيحاً أن فى القرآن ناسخ ومنسوخ للزم رسول الله (ص) أن يبينه ويوضحه بلغة واضحة وصريحة لحظة نزول الآيات الناسخة، وذلك لأنّ النسخ - كما يقول أهله - يتعلق بالأحكام والأحكام تدور عليها حياة الناس الدينية والدنيوية فلذلك تحتاج للتوضيح الفوري.  ونحن إذا تتبعنا الأحاديث فلن نجد أثراً واحداً يقول فيه رسول الله (ص) للصحابة: إنّ الله أمركم بكذا فى سورة كذا والآن قد تنزل علىّ الوحى فنسخ الحكم السابق وهو يأمركم بكذا فلا تعملوا بالنص السابق.  هذا لم يحدث قط فيما يخص القرآن الكريم، ولكنه حدث فيما يخص  السنة، فقد كان يقول (ص) بلغة واضحة وصريحة: لقد أمرتكم من قبل بكذا والآن آمركم بكذا كما فى حديث زيارة القبور الذى رواه الإمام مسلم . وهنا يحق لنا أن نسأل إن كان هناك آيات ناسخة وأخرى منسوخة فى القرآن الكريم، فلماذا سكت رسول الله (ص) عن تبيانها وهو الذى أمر بالتبليغ والتبيان؟

3- النظرية تجاوزت النص القرآنى للسنة:  إذا سلّمنا أن فكرة نسخ آيات القرآن بالقرآن لها أصل  فى القرآن نفسه وهى الآية  106 من سورة البقرة، فمن أين جاءت فكرة نسخ القرآن بالسنة؟  وكيف وبأى آلية تجاوز هؤلاء النص القرآنى ليقولوا بنسخ السنة للقرآن أيضا؟ هل قال القرآن أن السنة مبينة له أم ناسخة له؟ أم ياترى عندهم نص من رسول الله (ص) يقول فيه أنّه بعث لينسخ آيات الله لا ليبينها ويشرحها؟
إن من الواضح جدا أنّ السنة أقحمت إقحاماً نتيجة لتعريف علماء الأصول لمصطلح  "النسخ" إذ قالوا : "النسخ هو رفع الحكم الشرعي بخطاب شرعي" فقد تجنبوا إستخدام كلمة "بنص قرآني" واستعملوا بدلها كلمة "خطاب شرعي" حتى لا تنحصر النظرية في كلمة آيات القرآنية فقط . أما كلمة "خطاب شرعي" فهى أوسع دلالة من كلمة "نص قرآني" لأنّها تشمل النص القرآني كجزء من الخطاب الشرعي العام؟  وهكذا فتح التعريف باباً لإقحام السنة كجزء من الخطاب الشرعي فى مسألة الناسخ والمنسوخ مما مهد القول بنسخ الكتاب بالسنة وتلك طامة كبرى على الفكر الإسلامي!!

4-  اختلف أصحاب النظرية فى عدد الآيات المنسوخة اختلافا كبيراً:  لو أنّ هناك نسخ فى القرآن الكريم  لوجب وجوباً شرعياً وعقلياً أن تُحدد آياته بدقة متناهية لا خلاف عليها ولا تقبل الزيادة والنقصان، لأنّ الآيات الناسخة والمنسوخة تتعلق بالأحكام خاصة، وتبليغ الأحكام من خاصة عمل الرسول (ص) فلذا لا يمكن أن تنسخ آية أو تبدل ورسول الله (ص) لا يعلم بها!! كما لا يعقل أن يقال أنّه قد علم بها ولم يبلغها لعامة المسلمين الذين توجه الله تعالى إليهم بالخطاب القرآنى أصلاً.  ومن المستحيل القاطع أن تترك الأحكام للأهواء ليختلف عليها الناس فيما بعد ليقول بعضهم إن الآيات المنسوخة  هى:
أ‌-    آية واحدة فقط.
ب‌-    وفي قول ثان هى 65 آية.
ت‌-    وفي قول ثالث إنّما هى 144 آية.
ث‌-    وفي قول رابع هى أكثر من 213 آية.
ج‌-    وفي قول خامس هى 266 آية.
ح‌-    وفي قول سادس إنّ ثلثي القرآن قد نسخت تلاوته وحكمه وفقاً للرواية التي رواها الطبراني عن عمر بن الخطاب أنّه قال: "القرآن ألف ألف وسبعة وعشرون ألف حرف"   بينما القرآن الذي بين أيدينا لا يبلغ ثلث هذا المقدر!!!
لعل القارئ الكريم قد بدأ يشعر معى بخطورة هذه النظرية وما تتضمنه من أفكارٍ خفيةٍ خطيرة تهدد ثوابت العقيدة الإسلامية.  ومن هذه الأفكار الخطيرة المختفية فى طيات هذه النظرية نذكر الآتى:
1-  النظرية تقود إلى الشك في تبليغ رسول الله (ص) للرسالة: فهي تشكيك بصورة غير مباشرة فى مسألة علم وتبليغ الرسول (ص) للأحكام.  فليس من المعقول أن ينسخ الله تعالى حكماً من الأحكام ولا يخبر به رسول الله (ص) ليأتي ويعلمه أتباعه من بعده، كما لا يمكن أن يعلم رسول لله (ص) بأن الله نسخ حكماً ولا يقوم بواجبه الرسالي بإذاعته على الملأ (وليس لشخصٍ واحدٍ فقط) فى وقته الذى نزل فيه.  والمتتبع للسيرة النبوية لا يجد شيئاً كهذا قد حدث، مما يدل على أنّ مسألة الناسخ والمنسوخ لم يكن لها وجود فى زمن رسول الله (ص) وهو الذى نزل عليه القرآن وفرض عليه تبيانه للناس.

2- النظرية تقود للقول بالعبثية في كتاب الله:  وتظهر العبثية بجلاء  فى مسألة نسخ التلاوة وإثبات الحكم كما فى الآية المزعومة التي رويت بطرق متعدّدة أنّ عمر بن الخطاب، قال: "إيّاكم أن تهلكوا عن آية الرجم.. والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة، نكالاً من الله والله عزيز حكيم}. فإنّا قد قرأناها هكذا" وقال الإمام ابن حزم عن هذه الآية المزعزمة أنّها ممّا نسخ لفظه وبقي حكمه، و في الحقيقة لو أنّها كانت منسوخة التلاوة لما جاء عمر ليكتبها في المصحف!   والرواية لا وجود لها فى الصحاح المعتمدة والمشهورة ولكن هناك إشارة إليها باسمها "آية الرجم" في البخاري ومسلم.
وبالله عليكم ما هى الفائدة فى إثبات حكم وإزالة نصه؟؟  وإذا أثبتنا وقبلنا وعملنا بالحكم الذى جاء به النص فما الضرر فى إثبات النص نفسه؟؟  بالله عليكم كيف يقبل عقل المؤمن كلاماً مثل هذا؟؟ أليست بفضيحة أن تحتوى المكتبة الإسلامية التى تدور على أعظم كتاب فى تاريخ الكون على أفكار مثل هذه؟ أليست فضيحة أن ندافع بشراسة عن نظرية لا يقبلها العقل ولا أساس لها أصلاً بحجة ورودها فى بعض كتب التفسير والفقه أو بحجة أنّها من الممكنات العقلية لأن الله يسأل ولا يُسأل عما يفعل؟
إنّ الموضوع لا يتعلق بقدرة الله وإرادته وإنّما يتعلق بعلاقة النص بالمكلف. فما هو الضرر الذى يقع على المكلف من وجود النص طالما أنّه يعمل به في واقعه المعاش؟ وبعبارة أخرى ماذا يستفيد المكلف من إخفاء النص مع إبقاء حكمه؟ 

والله الذي نفسي بيده، لو فهمت منطق نسخ التلاوة وابقاء الحكم سوف تسهل علىّ نظرية الثالوث التى يقول بها النصارى وملخصها أنّ الثلاثة متضمنة فى الواحد والواحد فى الثلاثة! وللأسف بالرغم من غموضها أيضاً وتناقضها لها أتباع يسدون عين الشمس!!

3- النظرية تطعن في كتاب الله باثبات ضبابية فيه:  وتظهر هذه الضبابية عندما تسأل كم هى الآيات الناسخة والآيات المنسوخة؟ فيأتيك الجواب متضارباً تضارباً مخيفاً. فيقودك هذا الجواب المتضارب المحيّر لتسأل القائلين بهذه النظرية، هل هذا التضارب جاءكم مروياً عن رسول الله (ص) المعصوم فنسكت ونحوقل؟ أم هى إستنتاجاتكم وأفكاركم  فنحمد الله الذى لم يجعل الدين يدور حول استنتاجاتكم وأفكاركم؟  وللأسف لا أحد يجيب.  ووجود ضبابية فى مسألة تتعلق بتفسير القرآن الكريم وإستنباط الأحكام منه طعنة للدين فى سويداء قلبه من الأمام وليس من الخلف.

4- النظرية قادت المسلمين  للتخبط في فهم كتاب الله:  إن مسألة الناسخ والمنسوخ إذا كانت حقيقة جاء بها القرآن الكريم وبينتها السنة المطهرة وأيدها التواتر، فكيف نفهم رفض كثيرٍ من علماء الإسلام قديماً وحديثاً لها وهم في نفس الوقت متمسكون بقرآنهم وسنتهم؟!  وبلغة أخرى ما حكم من رفض القول بوجود  ناسخ ومنسوخ فى القرآن الكريم، هل هو مؤمن أم كافر؟ فإذا كان مؤمناً فكيف يكون ذلك وقد أنكر حقيقة تتعلق بالقرآن؟ وإن كان كافراً فما هى الأدلة القطعية على كفره؟ وهل حدّه القتل أم الجلد أم الحبس؟
إن التخبط يبدو واضحاً لأنّ هذه النظرية قد تركتنا فى حالةٍ لا نحسد عليها!

5- النظرية تقول بتجميد جزء من كتاب الله تعالى إلى الأبد: وذلك لأن الآيات الناسخة تأتى بحكم مغاير فى النوع أو الدرجة وبالتالى تلغى الأحكام السابقة، وإذا أردنا الرجوع لتلك الأحكام الأولى سنحتاج لناسخ ثانٍ ينسخ الناسخ الأول ولقد إنقطع الوحى وختمت النبوة، ومع ختم النبوة تختم الرسالة تلقائيا أيضاً لأن كل رسولٍ نبى وليس كل نبىٍ رسول. فلابد لرسولِ أىّ رسالةٍ سماوية أن يكون نبياً أولا  قبل أن يصبح رسولا. ولذلك عندما قال رسول الله (ص) : "لا نبى بعدى" فقد قام بقفل الباب ببلاغة جامعة أمام أدعياء الرسالات من بعده، وطالما أنّ باب النبوة قد قفل فباب الرسالة يقفل معه تلقائياً. وطالما أن باب الرسالة قد قفل فيقفل معه تلقائياً باب النسخ لأنّ النسخ يحتاج لوحى والوحى أنقطع بانقطاع الرسالة.  فإذن، لن يكون هناك رسول يأتى بنواسخ أخرى تنسخ النواسخ الأولى وبالتالي كل نظريةٍ أو فكرةٍ أو حركةٍ تبنى على أساس نظرية الناسخ والمنسوخ هي نظرية باطلة لأنّ الأساس الذي بنيت عليه هو أساس باطل هش. وفي الحقيقة نظرية الناسخ والمنسوخ تعرقل مسيرة الفكر الإسلامى بتجميد وتحنيط كثيرٍ من آيات القرآن الكريم مدنية كانت أو مكية وبالتالي تعطل روحه وفلسفته إلى الأبد.  وهذا التجميد لآيات الله تعالى يتعارض مع مبدأ صلاحية القرآن كله –وليس جزءً منه- لكل زمان ومكان ذلك المبدأ الذي تسنده آيات الكتاب والأحاديث المتواترة  ويسنده العقل والمنطق الصحيح.

6- النظرية تفتحُ باباً للقول بتحريف القرآن الكريم: عندما يقول أصحاب نظربة النسخ أنّ هناك آيات نسخت تلاوتها فهم يفتحون الباب واسعاً للقول بتحريف القرآن الكريم من باب النقص لا الزيادة لأنّ الزيادة لم يقل بها أحد ولم ترد حولها روايات. وبمعنىً آخر، لسان حالهم ومقالهم يقول إنّ القرآن الموجود حالياً بيننا إنّما هو ناقص، وهذا لعمرى بابٌ خطيرٌ جداً على ثوابت العقيدة الإسلامية. ويجب أن نسأل أنفسنا قبل أن يسألنا الآخرون: كيف نسخ (أيّ أزال) الله تعالى آية من القرآن الكريم وأثبتها فى كتب الحديث كما في آية (الشيخ والشيخة أذا زنيا )؟ أليس من الحكمة أن يبقيها لنا فى القرآن الكريم طالما أراد لنا أن نطلع عليها فى كتب الحديث؟! وهل نسخ التلاوة يكون من الورق فقط أم  يشمل النسخ ما فى صدور الرجال أيضا فلا يتذكروها هم أيضاً حتى لا يرووها فيشوشوا على الناس؟ 

7- النظرية تفتحُ باباً للقول بتناقض القرآن الكريم: عندما يقول البعض أن هناك أحكام متعارضة فى القرآن الكريم  إنّما يفتحون باباً واسعاً لدعاة التشويش والتشويه ليدخلوا منه للتشكيك فى الدين كله، ومع فتح ذلك الباب تنفتح معه أبواب كثيرة أخرى لأفكار مستوردة هشة نجد أنفسنا مضطرين لبذل جهد جهيد فى محاربتها ومجادلتها وهى فى الحقيقة لا تسوى شئ ! وعندما نلتفت لأنفسنا بعد حين نجد أننا قد أضعنا الوقت فى جدل عقيم إستثمرته الأمم الأخرى في نهضة صناعية وتعليمية وانشغلنا نحن بسفسطة عقيمة حول نظريات عقيمة! .  إنّ التناقض يحدث عندما تكون هناك أحكام متعارضة لا يمكن الجمع بينها بأى صورة من الصور، ولكن عندما يسكت القرآن مثلا عن شرب الخمر فى مرحلة ما، ثم يأتى فى مرحلة ثانية وينفّر منها، ثم يأتى فى مرحلة ثالثة وينهى عن شربها فى أوقات معيّنة هى أوقات الصلاة ، ثم يأتى فى مرحلة رابعة ويعلن منع شربها فى أى وقت، فهذا لا يعد تناقض بل هو تدرج واضح جدا لمن يرى!.  ولكن لو حدث أن القرآن قال للناس: "إن الخمر حلال فاشربوها" ثم جاء وقال فى آية أخرى: "إنّ الخمر حرام فاتركوها" فهذا تناقض واضح يستوجب العمل بواحد من النصين، وهنا يمكن أن يقال إنّ النص الذى جاء بعد الأول هو الناسخ وعليه مدار الحكم والعمل.  والحمد لله ليس فى القرآن كله مثل هذا المثل. فالخمر ما زالت تعتبر رجس، وما زال ضررها أكبر من نفعها، وما زال منع شارب الخمر من إقامة الصلاة في حالة سكر منهي عنه، ومازال حكم الخمر هو الحرمة. فأين التعارض هنا؟

8- النظرية تفتحُ باباً لاتهام المولى عزّ وجل بعدم الوفاء في قوله:  يقول أهل هذه النظرية إن سورة الأحزاب قبل أن تتعرض للنسخ كانت مثل سورة البقرة فى الطول أو أكثر منها.  ومن المعلوم  أن سورة البقرة تتكون من 286 آية بينما تتكون سورة الأحزاب من 73 آية.  وهذا يعنى أنّ 213 آية على الأقل قد نسخت من سورة الأحزاب!! فأين الآيات البديلة يا أهل الناسخ والنسوخ؟ ألم يقل الله تعالى فى الآية التى بُنيت عليها النظرية : ".....نأتى بخير منها أو مثلها....." فأين هذا الوعد الربانى فيما ذكرتم من نسخ يا أصحاب النظرية؟

9- النظرية تعمل وفقاً لإنتقائية واضحة فى التفسير:  والإنتقائية هى الأصل عدم أمانة فى التفسير والعلم عموماً، ويتضح ذلك فى التركيز على كلمة "ننسخ" الواردة فى الآية وعدم التعرض لكلمة "ننسها"، فأهل هذه النظرية قد فشلوا فى فهم النص بالجمع بين الكلمتين فى ظلال الآية ككل.  كما  تبدو إنتقائيتهم واضحة جداً فى التركيز على معنى واحد من معانى كلمة "آية" فنجدهم قد حصروها فى آيات القرآن الكريم فقط، فى الوقت الذى تتسع فيه الكلمة لمعان أخرى منها آيات الكون الطبيعية وقد إستخدم القرآن الكريم كلمة "آية" فى مواقع مختلفة بمعانٍ مختلفة. وإبتداء الآية ب "ما" الشرطية يعنى أنّ "أى شئ" ننسخ فى الكون هو آية من آيات الله تعالى. كما نجد الإنتقائية فى التفسير فى إبعاد مفهوم "نسخ الخبر" عن مضمون الآية وإثبات "نسخ الحكم" فقط  وفى ذلك يقول الإمام القرطبى معللا: " الجمهور على ان النسخ انما هو مختص بالاوامر والنواهى، والخبر لا يدخله النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى" ، والجدير بالذكر أنّ كلمة آية فى القرآن الكريم تنطبق على الآية التى تشمل حكما وتنطبق أيضا على الآية التى تشمل خبرا وأيضا على آيات الكون أو الطبيعية.  والذى دعاهم لإتخاذ هذا الموقف الإنتقائى هو علمهم بأن الخبر فى حق الخالق لا ينسخ كما قال القرطبى وإن جوزه فى حق المخلوق وهذه مسألة كلامية. ومع إقرارنا بالمسألة الكلامية إلا أننا إذا نظرنا للآية بعيدا عن علم الكلام وتأثيراته سنجد أن الآية تفيد الإطلاق! أى أنّ عملية النسخ تحتمل نسخ الحكم كما تحتمل نسخ الخبر! فإذاً، كيف حصر هؤلاء الآية فى الحكم دون الخبر من غير دليل؟

10- النظرية تُضّيع وقت المسلمين: وهذا يكون واضحاً فى إضاعة وقت طلاب العلم الشرعى فى قراءة كتب ومجادلات لا أساس لها أصلا ولا تقوى على الوقوف علمياً.  وهذا الوقت أولى أن يصرف في تجويد اللغة العربية أو الإجتهاد فى دراسة علم الاقتصاد الحديث أو إعمال الجهد فى اكتشاف شيءٍ جديد يَقوى به الإسلام وأهله.

هذا هو ما توصلت إليه من نظر فى تلك النظرية الأصولية بعد دراسة متأنية، وقد ينزعج من هذا الرأى كثير من الناس إنزعاجاً شديداً بسبب تقديس القديم بل تقديس كل حرف وسطر فى كتب الأقدمين. ولكن نصيحتى أن يتريث الباحث ويتّبع من الكلام أحسنه ويميز بين الأفكار الجيدة والأفكار الغثة فيما يسمعه من كلام المخالف.  و الهدف من فتح هذه المواضيع الحساسة هو إحياء فريضة التفكر والتدبر فى هذه الأمة، وإزالة الظلم والغبش الفكرى والعقائدى عنها، وهذا لا يكون إلا بالمجادلة الحسنة والرأى الثاقب والنفس الطويل وحرية التعبير وحرية الرد. ومثل هذه المناقشات مفيدة جدا لتطوير الفكر عموما والفكر الإسلامى خاصة لأنّ الحق لا خوف عليه فهو دائما يعلو ولا يعلى عليه وإن طال الزمن. والردود يجب أن تتجافى عن عملية شخصنة الموضوع كما يجب أن تتجافى عن سؤ الأدب. وليتنا جميعاً نركّزعلى الموضوع ومناقشته بصورة علمية بعيداً عن القيل والقال وتكرار الأفكار وتتبع الأخطاء والعثرات، فقد آن الأوان لعقولنا أن تتحرر من سجن الماضى وأغلاله الفكرية فتلك أمة قد خلت لها ماكسبت ولنا ما كسبنا ولنا فى القرآن الكريم وتبيان السنة المتواترة خير عاصم كما أخبر بذلك رسول الله (ص) فى الحديث المشهور الذي رواه الإمام علي فقال فيه : "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كتاب الله فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يخلق عن كثرة رد ، ولا تنقضي عجائبه ، هو الذي من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ، هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، هو الذي من عمل به أُجر ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم "
/////////