عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إن الأمانة العلمية تقتضي منا أن نسمي الأشياء باسمائها ونقول الحق ولو على أنفسنا، وعليه نقول لا يوجد في القوانين السودانية كافة قانون منفصل تحت مسمى  " قانون النظام العام" وإنّما هناك مواد تضمنها الباب الخامس عشر من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 وعددها 15 مادة تغطي الجرائم التالية :
1-    الدعارة (تحتوي على مادتين)
2-    الاغتصاب
3-    الاغواء
4-    مواقعة المحارم
5-    المواد والمعروضات المخلة بالآداب
6-    الزنا  (يحتوي على ثلاث مواد)
7-    اللواط
8-    القذف (يحتوي على مادتين)
9-    اشانة السمعة
10-    الإساءة و السباب
11-    الأفعال الفاضحة

من حيث المبدأ لا أظن أن أحدا من السودانيين - بغض النظر عن دينه وعرقه ولونه وتوجهه السياسي –  لا يعتبر أن ال 11 مادة المذكورة أعلاه تعد جرائم.  فهي من باب العرف تعدّ جرائم، ومن باب الدين تعدّ جرائم، ومن باب القانون الوضعي أيضا تعدّ جرائم. ومعظم دول العالم قديما وحديثا تعد كل المذكورات أعلاه جرائم!  وبعد الحرب العالمية الثانية في منتصف القرن العشرين غيّرت الدول الأوربية نظرتها الموروثة لبعض السلوكيات فاصبحت لا تعد الزنا واللواط جرائم إلا إذا كان في مكان عام أو حدث بغير رضى الطرفين، وإذا تمّ الفعل بالقوة أو في مكان عام فيصبح الفعل جريمة في نظر قوانين تلك الدول. وفي ديسمبر من عام 2008 وقعت الدول الأوروبية ومعها كثير من الدول على وثيقة الأمم المتحدة التي تمنع تجريم اللواط.
خلفية تاريخية :  
من المعروف أن السودان قد عرف النظام القانوني الحديث في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بدخول الاحتلال الانجليزي حيث تم تطبيق القوانين الحديثة فصدر أول قانون انجليزي لتنظيم القضاء المدني في عام 1900م.  والجدير بالذكر أنّ بريطانيا التي جاءت للسودان بقوانينها التي جربتها في الهند وفرضتها على المجتمع الهندي رغم أنفه، فرضت تلك القوانين أيضا على السودانيين رغم أنفهم ولم تتردد في مخالفة عرفهم ودينهم وأخلاقهم فأعلنت لهم أن الزنا واللواط عملا قانونيا إذا تمّ برضى الطرفين!!  ومن العجيب حقا أن المستعمر الذي قنن اللواط في السودان فى بداية القرن العشرين لم يقننه في بلده الأم  في ذلك الوقت!!  وكان أول تشريع يقنن اللواط في بريطانيا قد صدر في عام 1967 خلافا لقانونها الصادر في عام 1885 الذي يمنع اللواط ويعاقب عليه!!.  وفوق ذلك كله أباح القانون الانجليزي شرب الخمر للسودانيين، ولعب الميسر، والدعارة المقننة، فانتشرت بيوت الدعارة في وسط كل مدن السودان الكبرى والمتوسطة، وجلب لها الانجليز نساءً أجنبيات، وكانت الحكومة تشرف عليها باصدار الرخص والزام العاهرات بالتقدم إلى الفحص الطبي دوريا للتأكد من سلامتهن من الأمراض المعدية!  واستمر الحال هكذا إلى سبعينات القرن الماضي حتى قيض الله لهذا الأمر رجل من رجال مايو الأقوياء هو محافظ الخرطوم السيّد/ مهدي مصطفى الهادي فأغلق أبوابها للأبد. وعلى كل انتهينا في السودان إلى العمل بقوانين جنائية هندية ذات أصول بريطانية عدلت تعديلا طفيفا ثمّ فرضت على أهل السودان فرضا.
وموضوع القوانين الجنائية عامة هو في الحقيقة للحفاظ على المجتمعات وتأمينها وتماسكها بحماية أشخاصها الطبيعيين والمعنويين بهدف إيجاد حل للحد من الظاهرة الإجرامية.  وقد توسع مفهوم التجريم والعقاب في الفكر الجنائي المعاصر، ليشمل حماية القيم المادية والأدبية كالآثار والمؤلفات والاختراعات، فأصبح القانون الجنائي يعني بالكثير من الأحكام المتعلقة بقضايا المجتمع.

استعراض مواد النظام العام في القانون الجنائي لعام 1991 :
مادة (145) :  الزنا
1- يعد مرتكب جريمة الزنا :
أ‌-    كل رجل وطأ امراأة دون رباط شرعي
ب‌-    كل امرأة مكّنت رجلا من وطئها دون رباط شرعي

2-    يتم الوطء بدخول الحشفة كلها أو ما يعادلها في القبل
3-    لا يعتبر النكاح المجمع على بطلانه رباطا شرعيا
مادة (146) : عقوبة الزنا :
1-    من يرتكب جريمة الزنا يعاقب :
أ‌-     بالاعدام رجما إذا كان محصنا
ب‌-     بالجلد مائة (100) جلدة إذا كان غير محصن.
2-    يجوز أن يعاقب الذكر غير المحصن بالاضافة إلى الجلد بالتغريب (الحبس) لمدة سنة.
3-    يقصد بالاحصان قيام (ثبوت) الزوجية الصحيحة وقت ارتكاب الزنا على ان يكون قد تمّ فيها الدخول. (أي على الزوجة).
4-    من يرتكب جريمة الزنا في الولايات الجنوبية يعاقب بالسجن مدة لا تجاوز سنة او بالغرامة او بالعقوبتين معا، فاذا كان الجاني متزوجا فبالسجن مدة لا تجاوز ثلاث سنوات او بالغرامة او بالعقوبتين معا.  (هذه المادة سقطت تلقائيا بانفصال الجنوب)
مادة (147) : مسقطات عقوبة الزنا
1-    تسقط عقوبة الزنا بأي من السببين الآتيين :
2-    إذا رجع الجاني عن إقراره قبل تنفيذ العقوبة وكانت الجريمة ثابتة بالإقرار وحده ،
3-    إذا رجع الشهود عن شهاداتهم بما ينقص نصاب الشهادة قبل تنفيذ العقوبة .
مادة (148) : جريمة اللواط
1-    يعد مرتكباً جريمة اللواط كل رجل أدخل حشفته أو ما يعادلها في دبر امرأة أو رجل آخر أو مكن رجلاً آخر من إدخال حشفته أو ما يعادلها في دبره .
2-    من يرتكب جريمة اللواط يعاقب بالجلد مائة جلدة كما تجوز معاقبته بالسجن مدة لا تجاوز خمس سنوات.
3-    إذا أدين الجاني للمرة الثانية ، يعاقب بالجلد مائة جلدة وبالسجن مدة لاتجاوز خمس سنوات.
4-    إذا أدين الجاني للمرة الثالثة يعاقب بالإعدام ، أو بالسجن المؤبد .
مادة (149) : جريمة الاغتصاب
1-    يعد مرتكباً جريمة الاغتصاب من يواقع شخصاً زناً أو لواطاً دون رضاه.
2-     لا يعتد بالرضا إذا كان الجاني ذا قوامة أو سلطة على المجني عليه.
3-     من يرتكب جريمة الاغتصاب يعاقب بالجلد مائة جلدة وبالسجن مدة لا تجاوز عشر سنوات ، ما لم يشكل الاغتصاب جريمة الزنا أو اللواط المعاقب عليها بالإعدام .
مادة (150) : مواقعة المحارم
1-    يعد مرتكباً جريمة مواقعة المحارم من يرتكب جريمة الزنا أو اللواط أو الاغتصاب مع أحد أصوله أو فروعه أو أزواجهم أو مع أخيه أو أخته أو أولادهما أو عمه أو عمته أو خاله أو خالته .
2-    من يرتكب جريمة مواقعه المحارم ، يعاقب بالعقوبة المقررة للجريمة التي يشكلها فعله ، ويعاقب في غير الجرائم المعاقب عليها بالإعدام ، بعقوبة إضافية هي السجن مدة لا تجاوز خمس سنوات .

مناقشة أمر العقوبات المصاحبة لتلك المواد  :
أولا لا يوجد أي اعتراض على أن الزنا واللواط  والاغتصاب ومواقعة المحارم هي جرائم وحرمات يجب أن ينص ويعاقب عليها القانون وفقا لمعتقداتنا واعرافنا ومجتمعنا. ولكن بالرغم من اتفاقنا على تجريم وتحريم تلك السلوكيات من حيث المبدأ، لا نوافق على بعض العقوبات المقررة لتلك الجرائم!  فمثلا، نتفق بلا خلاف على أن عقوبة الزنا هي 100 جلدة كما قررها القرآن الكريم، ولكن لا نتفق على مسألة الحبس (او التغريب كما يسميها الفقهاء قديما) لأنها اجتهاد غير ملزم، وقد يكون الحبس خيارا للقاضي في حالة تكرار الفعل ولكن لا يجوز أن يصاحب الحبسُ الجلدَ من أول مرة يعاقب فيها الجاني.
ولا نتفق على مسألة الرجم لأنها غير ثابتة واحاديثها وجزئياتها وتفاصيلها مضطربة لا يعتد بها، وهذه المسألة بالذات تحتاج لبحث واجتهاد واجماع جديد في أمرها، فيجب تجميد العمل بها على الأقل حتى تناقش نقاشا علميا مستفيضا ونصل فيها لحكم قاطع !
كما نعتقد أن عقوبة جريمة الاغتصاب يجب أن تكون الاعدام او السجن المؤبد بالاضافة للمائة جلدة المقررة على عملية الزنا في حدّ ذاتها.  ونقول ذلك لأن العنف المصاحب لعملية الاغتصاب هو عنف من نوع الحرابة التي لها اربعة احكام في القرآن الكريم منها الاعدام او النفي من الأرض (بمعنى السجن المؤبد).  فالمغتصب يجب أن يعاقب على جريمتين هما :
1-    الزنا    = 100 جلدة
2-    الحرابة  = الاعدام أو السجن المؤبّد
وفي الختام هذه ست مواد من مواد الباب الخامس عشر من القانون الجنائي السوداني (او مواد قانون النظام العام كما يسميها البعض) لا نختلف معها من حيث المبدأ، ولكننا نختلف معها بلا ادنى شك في بعض العقوبات المقررة.   وفي الحقيقة يأتي اعتراضنا على بعض العقوبات لأنها عقوبات غير ثابتة ولا صريحة في شريعة الاسلام. ونحن هنا نطالب أهل التشريع والقضاة بألا يشرّعوا من قوانين ولا يحكموا في أعراض ودماء وأموال الناس إلا بما هو متواتر وواضح وصريح من قوانين الاسلام، وإلا ستكون بعض تلك التشريعات فتنة على المؤمنين كما نراها الآن .
(وفي الحلقة الثانية نتناول خمس مواد أخر باذن الله تعالى إلى أن نخلص من عرضها جميعا)
////////////