عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


تولى معاوية بن يزيد بن معاوية  بن أبي سفيان الخلافة بعد موت أبيه الطاغية يزيد وهو ابن اثنتين وعشرين عاما ، فكانت أيام خلافته أربعين يوماً وقيل شهرين وقيل ثلاثة أشهر فقط، فصعد بعدها المنبر وأعلن تركه للخلافة. ولما حضرته الوفاة اجتمعت إليه بنو أمية فقالوا له: اعْهَدْ إلى من رأيت من أهل بيتك.
فقال: واللّه ما ذُقْتُ حلاوة خلافتكم فكيف أتقلّد وزرَهَا وأنتم تتعجلون حلاوتها، وتتركوني أتعجل مرارتها!   اللهم إني بريء منها متخل عنها، اللهم إني لا أجد نفراً كأهل الشورى فأجعلها إليهم ينصبون لها من يرونه أهلاً لها.
فقالت له أمه : ليت إني خرقة حيض ولم أسمع منك هذا الكلام.
فقال لها : وليتني يا أماه خرقة حيض ولم أتقلد هذا الأمر، أتفوز بنو أمية بحلاوتها وأبوءُ بوزرها وَمَنْعِها أهْلَها؟  كلا!  إني لبريء منها.
وقد اختلف المؤرخون في سبب وفاته، فمنهم من قال أنه سقي سمّا، ومنهم من رأى أنه مات موتا طبيعيا، ومنهم من قال أنه طعن، وقبض رحمة الله عليه ودُفن بدمشق.

بالله عليكم تأملوا هذا الموقف الصادق الشجاع من شاب في بداية العشرينات من عمره.  شاب أبوه الطاغية يزيد قاتل الحسين (رض الله عنه وآله) وجده مؤسس الدولة الأموية يرفض الملك!!. هذا الشاب قد ورث الملك والجبروت ونشأ وترعرع في دارها ومع ذلك يتخلى عن الملك خشية لله!!  حقيقةَ { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} فقد هداه الله فعلا للحق، وفعل الحق، وقول الحق بالرغم من أن كل الظروف المحيطة به لا تساعد على ذلك البتة.
تأملوا قوله : " اللهم إني لا أجد نفراً كأهل الشورى فأجعلها إليهم ينصبون لها من يرونه أهلاً لها."    وتأملوا قوله : " أتفوز بنو أمية بحلاوتها وأبوءُ بوزرها وَمَنْعِها أهْلَها ؟"
هذا قول يجعلنا نحمد الله تعالى على أن في أمة محمد - ماضيا وحالا ومستقبلا- من يؤمن إيمانا صادقا  و ينادى ويجهر بأعلى صوته : " اتركوا الأمر للشعب  ينصب للرئاسة من يرونه أهلاً لها".  هذا هو إرثنا الذي يجب أن نعمل من أجل توضيحه وسلفنا الصالح الذي يجب أن نتبعه على قاعدة " ولا تزر وازرة وزر أخرى"،  فإن كان أبوه يزيد طالحا وطاغية فهو صالح ومصلح، والصالح أحق أن يتبع، وإن كان صغيرا في سنه فلا عجب من ذلك فقد مات المسيح (ص) وهو فى الثلاثينات من عمره.

يا أهل الحكم و السياسة في السودان قد منعتم الشعب حقه فاتركوه ينصب للرئاسة والحكم من يرى وهذا هو الحق الذي لا نرى حقا بعده.
يا أهل الحكم والسياسة في السودان حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، أتريدون أن تفوز بنو أمية بحلاوتها وتبوءُون بوزرها ؟
يا أهل الحكم والسياسة في السودان إن الحارس الحقيقي للوطن هو الشعب، والحارس الحقيقي للديمقراطية هو الشعب، والحارس الحقيقي للشريعة والإسلام  والقيم هو الشعب وذلك من صميم مسئوليته، فلا نريد وصاية ولا مزايدة من زعيم ولا إمام ولا حزب ولا حركة ولا جماعة ولا تنظيم.   نعم، لا وصاية على الشعب وكفى.
يا أهل الحكم والسياسة في السودان إنّ هذا الشعب قد تحمل منكم ما لا يطاق فارحموه يرحمكم الله !
يا أهل الحكم والسياسة في السودان كفى مناورات ومبادرات واجتماعات ومحاضرات ومذكرات، فليس من المحال الاتفاق على خارطة طريق بسيطة سهلة تحفظ البلاد من الهلاك وتجمع الجميع.
يا عواجيز الحكم و السياسة في السودان هذا شاب في العشرينات من عمره ترك الملك خوفا من مصير الآخرة بعد تجربة أربعين يوم فقط ، وأنتم ما زلتم "تسوطون وتلكّون" في عجينتها منذ فجر الإستقلال في منتصف القرن الماضي ولا رغبة لكم البتة في اعتزال العمل السياسي !
يا عواجيز السياسة في الحكم وخارجه قد سئمناكم واحزابكم وسئمتمونا، فارحلوا عنا يرحمكم الله ونقول لكم "عليكم يمهّل وعلينا يسهّل".