عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
كل المؤشرات باتت تؤكد عزم الحكومة على رفع الدعم عن المحروقات والقمح و الكهرباء بشكل نهائي لحل الضائقة الإقتصادية التي تمر بها البلاد.  وهذه المؤشرات جاءت من اتجاهات شتى فقد جاءت من الأمين العام للحركة الإسلامية الزبير محمد الحسن بوصفه وزير مالية سابق وخبير اقتصادي في تصريحه في المجلس الوطني بضرورة رفع الدعم ، وصرّح أيضا وزير المالية الحالي بضرورة رفع الدعم عدة مرات سرا وعلانية، وكان آخر التصريحات حديث الرئيس حينما قال في خطابه أمام اجتماع مجلس شورى المؤتمر الوطني بأنّ نصف ميزانية الدولة(بما يعادل 14 مليار جنيه) تذهب لدعم السلع، وهذه التصريحات المتفرقة تؤكد للمراقبين قناعة الحكومة فيرفع الدعم كآخر وسيلة تقود لتعافى الإقتصاد، وهذه هي نفس الوصفة الطبية التي كتبها البنك الدولي لاقتصاد السودان المريض منذ عشرا ت السنين في حقب سياسية مختلفة. فإذن قد أصبح قرار رفع الدعم مسألة حتمية الوقوع.
وبعيدا عن التشنجات السياسية المؤيدة للنظام والمعارضة له نريد أن نعرف موقف النخبة السودانية المثقفة والمتعلمة وأهل الفكر، وأهل التخصص خاصة من مسألة رفع الدعم في علم وعالم الإقتصاد.  وبغض النظر عن الجوانب السلبية لقرار رفع الدعم، فهل الدعم في حد ذاته كعملية اقتصادية فيه فائدة للاقتصاد الوطني السوداني أو حتى غير السوداني؟ فإذا وصلنا لحقيقة علمية بعد المناقشة والتمحيص أن الدعم فيه خير للاقتصاد ويدفع بعجلة التنمية في البلاد، فلا بد لنا كمثقفين ومتعلمين وأهل تخصص أن نقف وقفة شجاعة ضد رفع الدعم، وأن نطالب الحكومة والمعارضة على السواء بأن تصبحلديهم سياسة الدعم ثابتة من الثوابت الوطنية التي لا يمسها إنس ولا جان.  أما إذا كان دعم السلع فيه ضرر واضح للاقتصاد قد أثبتته الأدلة العلمية والتجارب الواقعية في السودان وغيرهفيجب أن ندعم سياسية رفع الدعم عن السلع مهما كلف الأمر، وهنا قد نختلف في كيفية الرفع وزمانه وصوره ولكن لن نختلف على مبدأ الرفعفي حدّ ذاته.
وأنا شخصيا لست متخصص في علم الإقتصاد ولكن قرأت كثيرا في هذا المجال، وأرى أن هذه واحدة من الأخطاء القاتلة التي سنتها الحكومات السودانية المتعاقبة من فجر الإستقلال بقيادة الزعيم الأزهري وحتى هذه اللحظة، وسياسة الدعم في نظري تشبه ظاهرة البيع بالكسر التي تزيد صاحبها فلسا ودينا كلما أصبح صبح جديد، وهكذا تظل ترهقه الديون وتتوالد عنده حتى تزج به في غياهيب السجون فيجد نفسه معطلا تماما من الحركة والانتاج.  و في نظري أن سياسة الدعم التي بدأتها الحكومات السابقة واتبعتها الإنقاذ بغباء شديد هي التي أوصلت البلاد لهذه الحالة الاقتصادية المتردية.
وهنا لا بد لنا من أن نعترف أن سياسة رفع الدعم عن الشعب أشبه بفطام الصغير عن ثدي أمه فهو يقاوم عملية الفطام ويتألم ويصرخ ويبكي ويكون شرسا لفترة من الزمن،وكذلك يتألم من حوله في الأسرة لألمه ولكن سرعان ما يذهب ذلك الألم والصراخ ليبدأ الطفل في نمو حقيقى من موارد شتى وتنسى الأسرة تلك المرحلة.  ولذلك يتوقّع بعض الخبراء حدوث انفلات في الأسواق حال تطبيق قرار رفع الدعم في أي وقت من الأوقات ، وحذر بعضهم الحكومة من خطورة رفع الدعم عن المحروقات في الوقت الراهن، واعتبروا أن التوقيت غير مناسب لذلك، مشيرين إلى أن القرار سيقود لموجة غلاء طاحنة في أسعار السلع الاستهلاكية، داعين الحكومة إلى الاتجاه لبدائل أخرى لمعالجة الأزمة المالية التي تعاني منها. ويتخوف من القرار كذلك بعض السياسيين لأنه قد يقود لثورة شعبية تسقط الحكومة، فلذلك لا يريدونه حتى لا يفقدون مناصبهم.
وسقوط الحكومة وعدمه مسألة سياسية بحتة لا تهمنا في هذا المقام الذي نريد أن نناقش فيه عملية الدعم فى حدّ ذاتها، فهل عملية الدعم تفيد الإقتصاد والإنسان السوداني أم تضر الاقتصاد وتضر معه المواطن؟  وعليه، أرجو من أهل التخصص والفكر والثقافة أن يدلوا بدلوهم في هذه المسألة التي تهمنا جميعا وتهم وطننا العزيز في المقام الأول. كما يجب أن يحول المثقفون من استخدام  مسألة رفع الدعم كورقة سياسية تستخدم ضد الأنظمة القائمة لمجرد الكسب السياسي والوصول لكراسي السلطة وحسب ، وكذلك يجب منع النظام القائم من التمكن في الاستمرار بحجة نجاحه في رفع الدعم ووضع عجلة الاقتصاد في مسارها الصحيح، لأنّهناك قضايا كثيرة يجب أن يلتفت اليها النظام غير مسألة الاقتصاد على رأسها مسألة حقوق الأنسان كما قررها الاسلام وأقرتها المواثيق الدولية، ومسألة الحريات، ومسألة القبلية والجهوية التي تفشت، ومسألة تداول السلطة والثروة معا بين كل الناس. كل هذه قضايا تحتاج لحل كما تحتاج المسألة الاقتصادية لحل أيضا.
والسؤال الموجّه للمثقفين:   هل نطالب حكوماتنا بأن تستمر في الدعم أم نطالب تلك الحكومات برفع الدعم ؟ فهل من مجيب؟