عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يقول صاحب "صه يا كنار"
ولي وطن أهوى الحياة لأجله***ولي أمة من أجلها أتعذب
منذ تاريخ تأليف هذا البيت وحتى هذه اللحظة ظلت الأشياء على حالها لا تتغير وظل معها العذاب كما هو يزداد ولا ينقص!  ولا يختلف إثنان قط فيأن السودان مأزوم ومخنوق وحائر في هذه اللحظات الصعاب، وهي حقيقة يقر بها أنصار النظام ومعارضيه على السواء، ولكن ما هو الحل هذا هو السؤال الذي حيّر الأجيال؟
ها هو النظام يحكم لربع قرن ، وها هي المعارضة تتربص به لربع قرن ! وها هو الشعب يراقب الإثنين معا لربع قرن!
ربع قرن من الزمان مضي ومثله معه وهرمنا وهرمت معنا أحلامنا ولم تتفتق عبقريتنا التي نغني لها ونفتخر بها عن حل رشيد للأزمة السودانية!
والليل يمنح والصباح ولم نزل***كالسائمات بنا يُجاء ويذهب
نعم، حالنا حال السائمات ، لا شعب رشيد، ولا رجل رشيد، ولا حكومة رشيدة ، ولا معارضة رشيدة!! ومع ذلك كله نملأ الدنيا ضجيجا وفخرا!  ألا لعنة الله على إبليس فقد افتخر جهلا وحمقا بأصله الذي يحرق ولا يورق، ويا له من فخر فارغ أبله.
ومن المصيبة أن قومك ما دروا***وليتهم دروا أن ما دروا
أمة تفتخر بنفسها ولم تقدم لنفسها شيئا ولم تقدم للإنسانية شيئا سوى الإفتخار بالماضي الذي صنعه أجدادهم منذ آلاف السنين!. ها هي العلوم تقدمت بشقيها التجريبي والنظري وليس لنا فيها شيئ يذكر ولو بسيط. وهذه هي الأمم من حولنا تتقدم وتنعم فى الديباج والحلي والحلل ونزداد فقرا وجوعا وجهلا وتفككا!  أين المشكلة؟  لا أحد يعلم، ولا أحد يريد أن يعلم، ولا أحد يريد أن يستمع لمن يعلم!.
كرهت معنى العيش حتى أنّني***آثرتُ موتاً ميتُه لا ينشرُ
وها هي المعارضة "تسوط وتكب" فى نفس الإناء القديم، وتذهب وتعود فى نفس الخط  الدائرى لنفس نقطة الإنطلاق وهي تترنم"أمشي واجيهو راجع"،  في محاولة عنيدة لتجريب المجرب!  لقد جربت المعارضة السلاح منذ السبعينات ولم تفلح، وجربت الإستعداء الخارجي ولم تفلح، وجربت الإتحاد فيما بينها ولم تفلح، وحاولت تحريك الجيش من بعد ولم تفلح. وحتى تحريك الشارع قد فشلت فيه فشلا ذريعا!!  ففي أكتوبر تحرك الشارع عفويا متأثرا بنحيب شقيقة الشهيد القرشي كما ذكر لي د. كمال شداد وأكد لي ذلك د. الترابي أيضا وقال لي لقد قامت الثورة عفوا فوجهناها، وفي أبريل بدأ "الشماسة" الثورة وتبعهم فيها الشعب ولم تكن للمعارضة أثر فى اشتعال الثورة.  إذن من الواضح أن المعارضة قد جربت كل الطرق ولم تفلح في تغيير نظام من النظم الشمولية التي مرت على السودان.  ونظام الإنقاذ يختلف عن عبود ونميري إختلافا جذريا في الفكر والتنظيم وليس من السهل للمعارضة إقتلاعه فى مائة يوم أو مليون يوم، ولا أقول هذا للتخذيل، فحاشا لله.  
المعارضة وحدها لن تقلع نظام الإنقاذ وهذه حقيقة يعلمها الجميع وتعلمها المعارضة جيدا. والجهة الوحيدة التي تستطيع إقتلاع الإنقاذ من جذورها هي الشعب السوداني وحده ولا يكون ذلك إلا بأسلوبين لا ثالث لهما وهما:
الأول : الثورة الشعبية
الثاني: صندوق الإقتراع
أما الخيار الأول فمستبعد لأن الشعب غير راض عن المعارضة وله حسابات خاصة يعلمها هو وهو صابر على فهم وليس خوفا، وبالتالي لن يقوم بثورة ليسلم بعدها الحكم لمعارضة ضعيفة ستدخل البلد لا محالة في جحر ضب لن يخرج منه أبدا. فإذن ضعف المعارضة وتشتتها وعدم وضوح رؤيتها هو السبب الأساسي فى تاخير الثورة الشعبية على النظام.
فلم يبق للشعب إذا إلا الخيار الثاني وهو تفكيك النظام واضعاف الحزب الحاكم عبر صناديق الإقتراع، وهذا الخيار يتطلب تجاوب المعارضة مع الشعب ليتحقق الغرض المطلوب عملا بالمثل الشعبي "يد على يد تجدع بعيد"، وفي هذه الحالة لا بد للمعارضة من الرضى بمبدأ خوض الإنتخابات المقبلة على قلب رجل واحد،وإن فعلت ذلك فقد أفلحت ولن يخذلها الشعب السوداني حينها. وعليه أرى أن على المعارضة عدم تضييع الزمن والمال والفرص والجهد وأن تتفق على الآتي:
أولا: خوض الإنتخابات بقائمة واحدة والإعداد لها من الآن
ثانيا: المشاركة في إعداد مسودة الدستور الدائم للبلاد التي تنوي الحكومة إعدادها وتضمينها كل المبادئ السياسية المطلوبة
ثالثا: تجديد وإعادة هيكلة وبناء كل أحزاب المعارضة من حيث الفكرة والطرح والمؤسسية
رابعا: التخلي عن حمل السلاح ودعم حاملي السلاح
خامسا: التخلي عن فكرة الثورة الشعبية
خامسا: تبني كل قضايا الهامش وكل القضايا المطروحة فى الساحة السودانية الآن على أساس أنها قضايا سودانية تهم الجميع وتضمينها البرنامج السياسي الموحد
سادسا: الإتفاق على خطة إقتصادية علمية دقيقة التفاصيل قبل البدء في المشاركة فى الحكم
سابعا : الإتفاق على المشاركة فى مراقبة وحراسة صناديق الإقتراع جنبا لجنب مع العسكري الذي يحرسها ليلا.
ولقد يطيش الرأي وهو محنك***ولقد تجور النائبات فتسلب
هذا هو الطريق الوحيد الذي لم تجربه المعارضة السودانية في تجربتها الطويلة وهي تخوض الصراع تلو الصراع ضد الأنظمة العسكرية الشمولية.  فهل يا ترى ستقبل المعارضة هذه النصيحة من رجل مهتم بالفكر أكثر من اهتمامه بالسياسة، وواحد من أفراد الشعب الذين لا ينتمون لحزب من الأحزاب ولا جماعة من الجماعات ولكنه يحب الله ورسوله ووطنه وقومه؟
فيا معشراً لا كدر الله ماءهم***أما آن أن يبدو الطريق فتهتدوا
أخاف عليكم أن يسدد سهمهُ***زمان لا يطيش لديه المسدد
وإذا تكاتف الشيوخ على الهدى***ورث الهداية عنهم من أنجبوا
وإذا أراد الله ينشئ أمة***جعل الشباب بها يجد ويدأب