عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
كتب بابكر فيصل بابكر قائلا : "قلنا مراراً وسنظلُّ نقولُ أنهُ لا يُمكن الاتفاق على دستورٍ نطلقُ عليه صفة "إسلامي" لأنَّ من الصعب الاتفاق حول تفسير واحدٍ لما يُريدهُ الإسلام في الكثير من القضايا, إذ أنَّ كل جهة تفهم الإسلام بطريقتها, وهناك اختلافات جذرية حتى داخل معسكر "الإسلام السياسي" حول العديد من القضايا التي يجب ان يتضمنها الدستور, ومن ذلك قضايا المُواطنة, والحقوق والواجبات, والمرأة, والسياسة الخارجيَّة, وحرية الضمير وغيرها"
وكأن بابكر فيصل يريد أن يقول لنا أن "الدستور العلماني" الذى يدعو له متفق عليه بالإجماع!! وهذا تدليس لا شك فيه لأننا وبنظرة سريعة لما حولنا من دساتير علمانية نستطيع أن نفضح هذا الإدعاء الكاذب.  وذلك لأن دستور الصين الشعبية دستور علماني على قيم إشتراكية، ودستور الولايات المتحدة الأمريكية دستور علماني على قيم لبرالية رأسمالية، ودستور إسرائيل دستور علماني همه الحفاظ على مكاسب أقلية دينية، وكان دستور الإتحاد السوفيتي قبل إنهياره دستورا علمانيا مبنى على الجبروت الإشتراكي، وكان دستور جنوب أفريقيا العنصرية دستورا علمانيا همه الأول الحفاظ على أقلية عرقية، ودستور لبنان القائم حاليا دستور علماني مؤسس على مفهوم الطوائف، ودستور بريطانيا دستور علماني مؤسس على الملكية الدستورية،   ودستور كوريا الشمالية دستور علماني إشتراكي ، ودستور كوريا الجنوبية أيضا دستور علماني رأسمالي.  ولا يخفى على كل حصيف التناقض البين والواضح جدا بين هذه الدساتير العلمانية.
ونضيف لحقيقة وجود عدد كبير من الدساتير العلمانية المتناقضة، عدة أسئلة لدعاة الدستور العلماني فى بلادنا ، ونريد منهم أجوبة صريحة عليها حتى نعلم مدى إتفاقهم واختلافهم  عليها وهي أسئلة تتعلق بالحقوق والواجبات التى هي أهم ركن فى أي دستور . ولا يفوتنا أن نشير إلى أن هذه المواضيع التي سنطرحها يدور حولها خلاف عنيف فى الدول العلمانية نفسها ، ونحن بدورنا نطرحها لدعاة الدستور العلماني فى السوداني للإجابة عليها لنعلم مدى إتفاقهم ومدى إختلافهم داخل الحوش العلماني  بعد أن علمنا من بابكر فيصل بابكر إختلافات الحوش الإسلامي والأسئلة هى الآتي:
1-    ماذا يقول دعاة الدستور العلماني فى السودان عن حق المواطنين المثليين (الشواذ) السودانيين فى الزواج؟
2-    ماذا يقول دعاة الدستور العلماني فى السودان فى حق المواطنين الشواذ جنسيا فى الالتحاق بالجيش والبوليس والأمن؟
3-    ماذا يقول دعاة الدستور العلماني فى السودان فى مسألة الإجهاض وحق المواطنة السودانية أن تفعل بجسمها ما تشاء؟
4-    ماذا يقول دعاة الدستور العلماني فى السودان فى حق المواطنين فى الاستثمار فى الخمر والمراقص وأفلام الجنس صناعة وبيعا وشراء؟
5-    ماذا يقول دعاة الدستور العلمانى فى السودان فى حق المواطن السوداني (المدني) فى حمل السلاح؟
6-    ما هو شكل الدولة فى نظر دعاة الدستور العلماني فى السودان ؟ هل هي دولة مركزية أم فدرالية أم ملكية دستورية؟
7-    هل اتفق دعاة الدستور العلماني على مجلس تشريعي واحد أم مجلسين ؟
8-    هناك من يطالب بأن يكون حق المرأة فى الوراثة هو النصف تماما من ثروة زوجها ، فماذا يقول دعاة الدستور العلماني فى السودان؟
9-    هناك من يرى ضرورة مشاركة المواطنة السودانية فى المعارك أسوة بالرجال ليتحقق معنى المساواة فما هو رأي دعاة الدستور العلماني؟
10-    هناك من يرى وجوب استخدام التمييز الإيجابى لصالح المرأة بينما يرى آخرون أن "التمييز الإيجابي" هو إهانة للمرأة وضد فكرة المساواة ، وعلى المرأة أن تنافس منافسة حرة، والجدير بالذكر أن دستور الولايات المتحدة العلماني لا يأخذ بمبدأ التمييز الإيجابي ، فماذا يقول دعاة الدستور العلماني فى السودان؟
11-    فى مجتمع السودان المسلم من يدير الأوقاف التي أوقفها أصحابها لعمل الخير ؟ الدولة العلمانية أم المؤسسات الدينية؟ وهل هي مؤسسات حكومية أم مدنية؟
12-    هل يجوز تدريس مادة الدين فى المدارس الحكومية أم لا؟
13-    فى مجتمع السودان المسلم من الذي يشرف على جمع الزكاة وتوزيعها فى ظل الدستور العلماني؟ هل هي الحكومة العلمانية أم المؤسسات الدينية المدنية؟
هذا قليل من كثير وهي أسئلة مشروعة وواقعية وتدور حول كثير منها الآن مناقشات عنيفة وكتابات كثيرة فى الدول ذات الدساتير العلمانية. وستنتقل هذه الأسئلة آجلا أم عاجلا للسودان طالما أنها تتعلق بالحقوق لأن أصحاب الحقوق لا بد أن يطالبوا بحقوقهم طال الزمن أم قصر، فهل لدعاة الدستور العلماني أجوبة عليها توافق المجتمع السوداني؟
وللأسف قد دأب بابكر فيصل بابكر على إثارة الشبهات من غير تقديم  حلول لها من عند نفسه. وفى المقابل عندما تقدم له الأجوبة فى شكل ردود على شبهاته لا يجد فى نفسه الشجاعة الكافية لمناقشة الرأي الآخر بالحجج الواضحة القوية. وقد إختبرته من قبل فى موضوع الرق فى الإسلام فظلَ يردد ما أقنع به نفسه أنه الحق ولا يجرأ لتفنيد ما فندنا به أقواله، فهو كالذي يكذب الكذبة ويصدقها، أوالذي يثير الشبهة ويقتنع بها من غير أن يبذل مجهودا لتمحيصها وفقا لمبدأ السفسطة الشهير: "عنز ولو طارت" أو " ضدها ولو جاءت مبرأة من كل عيب".
وها هو الآن يضرب الطار ويثير الغبار وهو يصرخ بأعلى صوته  : "أنهُ لا يُمكن الإتفاق على دستورٍ نطلقُ عليه صفة "إسلامي" لأنَّ من الصعب الإتفاق حول تفسير واحدٍ لما يُريدهُ الإسلام في الكثير من القضايا, إذ أنَّ كل جهة تفهم الإسلام بطريقتها,هناك إختلافات جذرية حتى داخل معسكر "الإسلام السياسي" حول العديد من القضايا التي يجب ان يتضمنها الدستور, ومن ذلك قضايا المُواطنة, والحقوق والواجبات, والمرأة, والسياسة الخارجيَّة, وحرية الضمير وغيرها. " وخلاصته هي أننا بسبب هذه الخلافات لا يمكن أن نسلَم بأن هناك شئ اسمه الدستور الإسلامي!! وإذا كان هذا منطقه فنحن نؤكد تأكيدا جازما –مستخدمين نفس منطقه- لا يوجد شئ اسمه دستور علماني وإلا ما رأينا مئات من الدساتير العلمانية التي لا تتفق على شئ قط.
أمَا عن مسألة الخلاف بين أصحاب الفكر الإسلامي فنقول بكل ثقة إنها خلافات معظمها  طفيف يمكن علاجه فى حلاقات مدارسة ومناقشة علمية جادة. أما الخلافات الأخرى سيزيلها الوعي وتطور الفكر الدستوري الإسلامي  وستزيلها التجربة العملية أيضا، ولعل بابكر فيصل بابكر يتذكر أن الدستور الأمريكى قد عدل 29 مرة فلو كانت التجربة الأمريكية مكتملة لما عدل ولا مرة. وهذه الخلافات موجودة فى مجتمعنا السياسي السودانى فى شكل أحزاب مختلفة فى الآيدلوجيات والأهداف والوسائل. والخلافات أيضا موجودة فى مجتمع المسلمين فى شكل مذاهب وطوائف ودول. فالخلاف ليس بشيء جديد حتى نضرب له الطار ، ولهذا نكرر مع فيصل بابكر قوله : " إنَّ دعوة الدستور يجب أن لا تكون مجالاً للمناورة, والكسب السياسي الآني, ويجب أن تتسِّم بالمصداقية و المسئولية الوطنيَّة".  ومن المصداقية أن نقول للناس أن الفكر الدستوري علم حديث على العالم كله وما زال فى طور التطور والنمو وخاصة فى العالم الإسلامي  والمطلوب هو الإجتهاد والإجتهاد ليس حكرا على شخص بعينه ولا حزب بعينه ، ولا شعب بعينه، ولا شيخ بعينه ، وإنما الإجتهاد فريضة يجب أن يقوم بها الجميع.  فإذا فشلت الحركات الإسلامية ذات العضوية المحدودة فى إخراج دستور يرضى الأمة الإسلامية فهذا لا يعفي منهم خارج الحركات الإسلامية فى الإجتهاد فى مسألة الدستور وتوضيح المسائل المتعلقة به.
وبهذه المناسبة يسرني أن أعلن أن الله تعالي قد وفقني لنشر كتاب بهذا الخصوص –طبع ولم يصل المكتبات بعد-  بعنوان "الدستور الدائم: مقترح ومفاهيم"  ، أوضحت فيه كثيرا من المسائل وتقدمت بمقترح أسأل الله أن يكون نموذجا لدستور دائم يتماشى مع العصر ويحفظ الأصول الدينية والقيم الإنسانية معا.  وفى الحقيقة ليس المهم عندي أن يسمى الدستور إسلاميا أو علمانيا بقدر ما يهمنى أن يحفظ الدستور لأهل السودان حقوقهم الدينية والدنيوية وقيمهم السمحة ويشيع بينهم روح العدل والإخاء والتعاون على الخير وينفى عنهم الخبث والخبائث والفساد والمفسدين ويتماشى مع روح العصر وتطور الإنسان.
كما يجب أن يعلم الأخ بابكر فيصل بابكر أن دعاة الدستور الإسلامي ليس كلهم ينتمون لأحزاب إسلامية أو لهم وظائف حكومية يخافون عليها. إن كثيرا من دعاة الدستور الإسلامي أناس لا حزب لهم ولا مذهب لهم، وهم يتعاملون مع القضية على أسس مبدئية وليس على أسس سياسية. ولهذا يجب ألا يربط موضوع الدستور الإسلامي بحكومة الإنقاذ أو حزب المؤتمر الوطنى أو الشعبي أو جبهة الدستور الإسلامي أو حزب الأمة أو الحزب الإتحادي. وتجربة الإنقاذ، وتجربة المهدية، وتجربة الأمويين والعباسيين ، وطالبان وغيرها من التجارب لن تهز قناعتنا فى كتاب الله العزيز وأنّه يحتوى على ما يصلح البشرية ولا يفسدها.