عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الدستور هو وثيقة تتضمن مبادئ أساسية لإدارة الدولة بوجوهها المختلفة ولضبط علاقة الجماعة بالفرد وعلاقة الفرد بالجماعة بموازنات دقيقة تضمن لكل طرف حقه ،  وأول دستور مكتوب لإدارة الدولة الحديثة هو الدستور الأمريكى ، وأول وثيقة دستورية  تمّ  وفقا  لبنودها تعايش مجموعات سكانية مختلفة وعقائد متباينة فى دولة واحدة هى وثيقة المدينة التى نادى لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير المسلمين بالمدينة فشاركوا فى كتابتها ووقعوا عليها كدستور يحكم العلاقات بينهم فى الوطن الواحد.  وفى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرينظهرتحركة إصلاحية تدعو لنهضة المسلمين وكان الشيخ الأفغانى وتلميذه الشيخ محمد عبده هم قادة تلك الحركة فتبلورت تعاليمهم لاحقا فى تكوين تنظيمات و حركات إسلامية حديثة فى بداية القرن العشرين  بقيادة المودوى وحسن البنا وغيرهم ، وبدأت تلك المدارس الحديثة فى بناء حركات تطالب بتأسيس حكومات حديثة مبنية على أسس إسلامية قوامها نظريات حديثة فى السياسة والإقتصاد والتربية تضاهى الغرب الرأسمالى والشرق الإشتراكى ، وظهرت حينئذ بالضرورة مسألة الدستور الإسلامى التى لم تتضح فلسفته وملامحه حتى هذه اللحظة . وهذ الغموض فى الطرح جعل البعض يرفع شعارات غامضة كشعار "القرآن دستورنا" أو " الإسلام هو الحل " من غير تقديم طرح كلى وتفصيلى لقضايا المجتمع.  وقبل أن أدخل متعمقا فى الموضوع أريد أن أقول إن الغرب والشرق على السواء قد أخذا كثيرا من المسلمين ومما  أخذوه على سبيل المثال نظام البيعة الذى طوروه لنظام الإنتخاب الحديث ، وأخذوا نظام المكتبات العامة وطوروها لنظام المكتبات الحديث ، وأخذوا نظام المستشفيات وطوروه، وأخذوا نظام الجامعات وطوروها ، وليس من الغريب إذن ولا من العيب أن يأخذ المسلمون منهم شيئا جديدا ويطوروه.  فمسألة الدستور المكتوب فكرة جيّدة و ليست بعيدة كل البعد عن ثقافة المسلمين فكما ذكرنا أن المدينة كانت تدار بوثيقة مكتوبة لم تطوّر لوثيقة أشمل تتناول كل أوجه الدولة وموضعاتها لأن العرب لم تكن لهم خبرة فى إدارة وتأسيس الدول .  وهذا التطور حدث فى فلادلفيا بالولايات المتحدة ولم يحدث فى المدينة المنورة ، ولكن ليس هناك مانع شرعى أو عقلى يمنع المسلمين من محاكاة إخوانهم فى الإنسانية ، فالإنسان فى القرآن قد ثبت أنّه تعلم من غراب و هدهد و نملة و كذلك تعلم من أخيه الإنسان [قصة الرجل الصالح مع موسى]  ، فلا مشاحة إذن فى أن يأخذ المسلمون شكل الدولة الحديث ويضمّنونه مضامين إلاهيةأعلى وإنسانية عامة ومحلية خاصة. ومن الأشياء الجميلة التى طورها الغرب هى فكرة الدستور المكتوب ، وكما ذكرت هى فكرة لها جذور فى ثقافتنا الإسلامية ولكن الغرب له شرف تطويرها وتفصيلها ويحمد ويشكر عليها.  وفى بداية تكوين الحركات الإسلامية الحديثة نظر أتباعها فى كتب التاريخ فلم يجدوا لفكرة الدستور المكتوب سند فقهى واضح يسعفهم ويشفى غليلهم فرفعوا شعار " القرآن دستورنا " من باب المخالفة ومن ثمّ بدأت المحاولات الفكرية تترى تأييدا لهذا الشعار .  ولكن عندما نأتى لفحص شعار "القرآن دستورنا" مقارنة بالمفهوم الحديث للدستور سيتبين لنا خطأ هذا الشعار .

ومن خصائص الدستور الملازمة له الآتى:
أولا ، الدستور قابل للتطوير بالحذف والزيادة وإعادة الصياغة وإعادة التبويب والتنظيم
ثانيا ، لا يوجد دستور فى الدنيا  يصلح لكل المجتمعات أو لكل المنظمات أو لكل الأحزاب أو لكل الأجيال أولكل الأزمان ، وفى الحقيقة دستور الدولة  الواحدة  أو دستور الحزب الواحد لا يصلح لكل الأجيال المتعاقبة فى نفس  الدولة أو نفس الحزب، دع عنك دستور دولة أخرى أو حزب آخر ، أو منظمة أخرى.
ثالثا، الدستور يعالج الأمور الإدارية العامة فقط ولا يعالج الأمور الشخصية البحتة.
رابعا، الدستور يحمل الملامح الثقافية لكل أمة ولكل شعب.
خامسا ، الدستور ينظر إليه باحترام وتقدير من قبل الأفراد والأمة ولكن لا يقدسونه لا فى مضمونه ولا فى نسخته المكتوبة.
سادسا ، مواد الدستور كلها لا تصلح لتكون مواد قانونية ، ولكن تصلح لأن تكون أرضيات يبنى عليها القانون ويتفرع.
سابعا ، الدستور محصور فى عالم الشهادة وحدود الدولة الجغرافية التى يحكمها
ثامنا ، الدستور لا يعالج  أمور الغيب ولا قضايا الشعوب الأخرى
تاسعا ، الدستور تضعه فئة قليلة من الشعب اكتسبت خبرة سياسية وإدارية وقانونية ويجاز بأغلبية الشعب فى إستفتاء عام ويعدل من قبل الشعب أيضا أو من يمثله حسب النص الدستورى

وفى المقابل نجد القرآن  له الخصائص الآتية:
أولا ،  الأمة تعتقد فى القرآن القدسية فلذلك لا تتحمل إهانته كمصحف مكتوب ولا إستهتارا بأى من آياته أو كلماته أو حروفه.
ثانيا ،  القرآن لا يقبل الحذف ولا الزيادة  ولا إعادة الصياغة
ثاثا ، القرآن خطاب مفتوح  يتخطى الحدود الجغرافية وهو لكل البشر إلى يوم القيامة أينما وجودوا ولو فى القمر.
رابعا ،  القرآن يعالج أمورا عامة [الفقر والعدل مثلا] وأخرى خاصة [ الحيض والجنابة ونظافة الملابس مثلا] ، وثالثة غيبية [ الجنة والنار مثلا].
خامسا ، القرآن لا يحمل خصائص ثقافية لشعب من الشعوب. ولكن القرآن يتعايش مع خصائص الشعوب بعد تصحيح بعض المفاهيم فيها.
سادسا ، أيات القرآن منها ما يصلح موادا دستورية ومنها ما يصلح موادا قانونية ومنها ما يصلح مواعظ لتربية الإنسان، ومنها ما هو قصص تاريخية ذكرت للإعتبار بها..
سابعا ، القرآن منزل من خالق البشر والكون كله ولا يخضع للإستفتاء العام مطلقا ولا يقبل التجزئة.

و لعل هذه المقارنة بين خصائص القرآن وخصائص الدستور قد تساعد على فهم طبيعة كل منهما ، وبالتالى نفهم من تلك المقارنة أن شعار "القرآن دستورنا" هو شعار عاطفى غير دقيق ، وفى الحقيقة يجمع بين نقيضين والجمع بين النقيضين محال فى منطق الأشياء .فالقرآن بمجمله لا يمكن أن يكون دستورا ، والدستور فى المقابل لا يمكن أن يكون قرآنا.  فالأصح إذا أن نقول : إن القرآن يحمل فيما يحمل بين دفتيه مبادئ تصلح أن تكون مبادئ دستورية ثابتة تقود لنصوص دستورية ثابتة ، وذلك لأن الدستور كله ليس متحول ومتغير ولا هو فى المقابل ثابت متحجر ، فمنه نصوص تتغير بتغير الزمان والمكان ومنه نصوص ثابتة لا تتغير.
وفى المقال القادم بإذن الله نحاول أن نستخلص المبادئ القرآنية العامة التى يمكن أن تصبح أساسا لفلسفة دستورية يبنى عليها المسلمون دستورا يهتدى بهدى الوحى ويهتدى بهدى التجارب الإنسانية أيضا ، فيجمع بين الثابت والمتحول ويجمع بين أبناء الوطن الواحد من غير أن يكون للإسم كبير شأن فالمهم هو المضمون الذى يمثل المبادئ العليا ويحفظ القيم وليس الإسم .