عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أوردت الأخبار أن إمام وخطيب مسجد مجمع الجريف؛  الشيخ محمد عبدالكريم قد دعا " لخطاب ديني ينطلق من كتاب الله والوسطية ونبذ التعصب والتشدد الديني، وأدان حادثة الاعتداء على الكنيسة الإنجيلية بضاحية الجريف غرب، وقال إنه ضد الاحتقان الديني. " وقال أيضا في اتصال هاتفي لبرنامج المحطة الوسطى بـ(الشروق) : " إن الحديث عن متشددين إسلاميين حرضوا على حرق كنيسة الجريف هو افتراء وحديث غير صحيح ".    وأضاف : " لم أحرض الناس للاعتداء على الكنيسة وهو حديث زور ، ومن يتابع قضية أراضي الكنيسة هي اللجان الشعبية ، ولم يكن لي علم بهذه القضية حتى أتت قرارات المحلية بإزالة الكنيسة ".  إلا أنه يرى : " ضرورة أن تتم الإزالة بواسطة السلطات المحلية بعد صدور قرار بالإزالة ونحن مع القوانين والمؤسسية وإعمال نظام الدولة".  ويستدرك قائلا : " لكن الذي يقوم بذلك من الهدم والإزالة هي الدولة، أو من كان في مقام ولي الأمر".  وقالت الأخبار أن الشيخ محمد عبدالكريم حث خطباء المساجد على أن يبصَروا الناس بحقوق النصارى الذين يعيشون بيننا، باعتبار أن الحريات الدينية مكفولة بشرع الله.

كل هذا كلام جيَد لا غبار عليه وطالما أن الشيخ قال أنه لم يحرض على حرق الكنيسة ولم  يتولى قيادة المجموعة التى أحرقت الكنيسة ، وأن المجموعة المعتدية  لم تتحرك من مسجده فلا يجوز شرعا ولا قانونا تجريم  الشيخ  إلا ببينة.   ولكن نعلم أنَ أحد القساوسة  قد إتهم الشيخ محمد عبد الكريم بالإسم ، فعلى هذا القس أن يأتى بالبينة ليحاكم الشيخ وفقا لها أو يحاكم القس على إفترائه على الشيخ .  وعلى كل ، نترك القضية للقضاء ليفصل فيها بترو وحكمة وعدل وننتقل لما هو أهم منها.

فى الحقيقة إنَ إشكالنا وقضيتنا الأهم مع الشيخ محمد عبد الكريم ومع غيره من قادة المدرسة السلفية هو فى تحديد مفهوم ووسطية الخطاب الدينى!   أى كيف نصل إلى كلمة سواء حول مفهوم ووسطية ذلك الخطاب ؟؟   فالشيخ فى تصريحه الذى تناقلته عنه وسائل الإعلام ينفى عن نفسه التهمة  ويدعو إضافة لذلك " لخطاب ديني ينطلق من كتاب الله والوسطية ونبذ التعصب والتشدد الديني" ،  إلا أنَه يقوم فى  نفس الوقت بنقل إجتهادات  وفتاوى لعلماء سابقين فى عصور غير عصرنا ليؤكد بها جواز هدم معابد غير المسلمين ويؤسس بها لفقه متشدد تتبناه الدولة ويضمن فى الدستور ليمنع به بناء معابد جديدة أو ترميم القديم منها .  وواضح جدا لكل من آتاه الله عقلا أن الوسطية وهذا الفقه لن يلتقيان أبدا حتى يلج الجمل فى سمَ الخياط.  
ولتوضيح هذا التباعد الفكرى نقتبس للقارئ من بيان الشيخ محمد عبد الكريم  الذى نشره  على الإنترنت فقرات توضح رأيه فى بناء معابد لغير المسلمين وقد إتكأ رأيه على نقول فقهية  تقليدا وليس اجتهادا.  
يقول الشيخ فى بيانه :
" ثانيا: أما عن حكم بناء الكنائس في بلاد المسلمين فقد أجمع العلماء رحمهم الله على تحريم بناء الكنائس في البلاد الإسلامية، وعلى وجوب هدمها إذا أُحدثت، وقال السبكي أيضاً عند حكاية الإجماع في المسألة  "  :فإن بناء الكنيسة حرام بالإجماع وكذا ترميمها ، وكذلك قال الفقهاء : لو وصَّى ببناء كنيسة فالوصية باطلة ، لأن بناء الكنسية معصية وكذلك ترميمها ، ولا فرق بين أن يكون الموصي مسلماً أو كافراً ، فبناؤها وإعادتها وترميمها معصية - مسلماً كان الفاعل لذلك أو كافراً - هذا شرع النبي صلى الله عليه وسلم " .ا.هـ.

وقال المرداوي في " الإنصاف " : " قوله ( ويمنعون من إحداث الكنائس والبيع ) . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : إجماعا " ا.هـ  
لأن إنشاء المعابد الكفرية مثل الكنائس أو تخصيص مكان لها في أي بلد من بلاد الإسلام من أعظم الإعانة على الكفر ، وإظهار شعائره ، والله عز شأنه يقول : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة/2 نقل القرافي في الفروق (1/124) قال الشيخ أبو الحسن الأشعري:  " إرادة الكفر كفر وبناء كنيسة يكفر فيها بالله كفر لأنه إرادة الكفر" اهـ
.وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: " من اعتقد أن الكنائس بيوت الله ، وأن الله يعبد فيها ، أو أن ما يفعله اليهود والنصارى عبادة لله وطاعة لرسوله ، أو أنه يحب ذلك أو يرضاه ، أو أعانهم على فتحها وإقامة دينهم ، وأن ذلك قربة أو طاعة - فهو كافر " ، وقال أيضا : " من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسهم قربة إلى الله فهو مرتد ، وإن جهل أن ذلك محرم عرف ذلك ، فإن أصر صار مرتدا " انتهى .
وقال ابن عابدين في حاشيته : " مطلب: لا يجوز إحداث كنيسة في القرى ومن أفتى بالجواز فهو مخطىء ويحجر عليه قوله ( ولو قرية في المختار ) نقل تصحيحه في الفتح عن شرح شمس الأئمة السرخسي في الإجارات ثم قال إنه المختار وفي الوهبانية إنه الصحيح من المذهب الذي عليه المحققون.. إلى أن قال.. فقد علم أنه لا يحل الإفتاء بالإحداث في القرى لأحد من أهل زماننا بعدما ذكرنا من التصحيح والاختيار للفتوى وأخذ عامة المشايخ ولا يلتفت إلى فتوى من أفتى بما يخالف هذا ولا يحل العمل به ولا الأخذ بفتواه ويحجر عليه في الفتوى ويمنع لأن ذلك منه مجرد اتباع هوى النفس وهو حرام" ، ومعلوم أن ابن عابدين من المحققين في مذهب الحنفية.
وسئل مالك عن الكنائس التي في الفسطاط المحدثة في خطط الإسلام ، إن أعطوهم العرض وأكروها منهم يبنون فيها الكنائس ، قال مالك : أرى أن تغير وتهدم ، و لا يتركوا ذلك ولا خير فيه .و قال المرداوي في الإنصاف : (قوله : ويمنعون من إحداث الكنائس والبيع ،قال الشيخ تقي الدين رحمه الله (إجماعا)وقال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع 8/77: ( قوله: " ويمنعون من إحداث كنائس، وبِيَعٍ، وبناء ما انهدم منها ولو ظلماً ".        )إنتهى كلام الشيخ(

عزيزى القارئ أرجو أن تركز معى فيما قاله الشيخ ابن العثيمين  رحمه الله تعالى فى حكم الكنائس وقد قال: "ويمنعون من إحداث كنائس ، وبيع ، وبناء ما انهدم منها ولو ظلما "  أى لا يسمح وفقا لهذا القول لغير المسلمين إعادة ترميم معابدهم حتى لو إعتدى عليهم المسلمون ظلما، دعك عن إحداث كنائس جديدة لحوجة ديمغرافية  أو ترميم لما انهدم منها بسبب عوامل طبيعية! .
هذا الفقه سيدى الشيخ هو فقه يؤسس للظلم لأن من العدل أن ترد للمظلوم مظلمته كما كانت ، وهو فقه يؤسس للإحتقان الدينى ، كما يؤسس للفتن الطائفية .   وأنتم سيدى الشيخ فى المدرسة السلفية لا تستطيعون أن تتخطوا هذه الأقوال بإجتهادات جديدة مبنية على روح الدين المتسامح ، ومبنية على ما تواتر من أخبار لا خلاف عليها ، ومبنية على إبعاد أحاديث الآحاد من دماء وأموال وعقائد الناس كما كان يدعو الشيخ الغزالى ، ومبنية على العقل الموهوب من الله تعالى لبنى آدم ، ومبنية على الفطرة السليمة.  وبمعنى آخر أنتم لا تريدون إجتهادا جديدا ولا تطيقون أصحابه ولا تفتحون صدوركم له.

للأسف الشديد قد أصبحت هذه النقول الفقهية فى المدرسة السلفية دينا يتعبد به لله تعالى وها هو الشيخ محمد عبد الكريم فى ختام بيانه يؤكد ذلك و يقولها صريحة لا مخفية :
" وخلاصة القول هو أن ما مصره )فتحه( المسلمون من مصر فإنه لا يجوز أن يقام فيه كنيسة أو بيعة أو معبد يشرك فيه بالله تعالى ، وأيما معبد كنيسة أو غيره بني في مصر مصره )فتحه( المسلمون فيجب هدمه  ولو رخص لهم في بنائه من كان واليا على بلاد المسلمين، سواء كانت ولايته عن رضا واختيار أو كان متغلبا لأن هدم الكنائس في البلاد المفتوحة عنوة أو التي مصرها المسلمون حكم شرعي ثابت بأدلته في كتب الفقه المعتمد .  و ذكره العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم وفعله الخلفاء والحكام العادلون كعمر بن عبد العزيز وغيره .  لكن الذي يقوم بذلك من الهدم والإزالة هي الدولة، أو من كان في مقام ولي الأمر، ومهمة العلماء هو مطالبة الدولة بذلك والاحتساب عليها، فالذي يقوم بذلك هو الحاكم أو من يقوم مقامه من أولي الأمر لا آحاد الرعية ، وليس هناك فتنة في ذلك ، بل الفتنة في ترك أحكام الشرع الحكيمة.

ثالثاً: ما ذكرناه من حكم الكنائس في بلاد المسلمين هو الذي ندين الله تعالى به، وما تعبدنا الله تعالى به لا نخفيه ولا نستحي من إعلانه والدعوة إليه، بل نفخر ونعتز ابتغاء رضوان الله كما قال تعالى: }وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) {التوبه(:

فليتك تحلو والحياة مريرة *** وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر *** وبيني وبين العالمين خرابُ

إذا صح منك الود فالكل هين *** وكل الذي فوق التراب ترابُ "   )إنتهى كلام الشيخ(
كيف نصل لخطاب وسطى فى ظل هذا التشدد وإجترار كل الفقه القديم الذى نشأ فى ظرف غير ظروفنا وفوق كل ذلك يرى فيه أصحاب المدرسة السلفية قولا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مع أنَها محض إجتهادات تخطئ وتصيب!!  
إننا لو أردنا خطابا وسطيا وموقفا وسطيا علينا بمعاقبة الذين إعتدوا على الكنيسة لعدة أسباب هى :
أولا: أنهم أخذوا القانون بيدهم ولا يحق لهم ذلك شرعا ولا قانونا.
ثانيا : لأنهم إعتدوا على أناس فى بناياتهم التى هى مساكنهم وفصولهم ومكاتبهم .  
ثالثا : إنهم إعتدوا على دور من دور العبادة التى نهى عن الإعتداء عليها حتى فى لحظة الحروب.
رابعا : إنهم فعلوا ذلك باستهتار فى جو مشحون تحسب فيه الخطوات بميزان الذهب
وإذا أردنا الوسطية فعلينا برد المظالم لأهلها وفى هذه الحالة بالذات يجب علينا ترميم المجمَع  وإعادته لحاله الأول ثم نترك القضاء يحكم فى ملكيته من بعد ذلك.
وإذا أردنا الوسطية فعلينا أن نعترف بأن الفقه القديم الذى بين أيدينا لا يمكن أن يحل القضايا العصرية التى تواجهنا الآن، فعليه لا بد من إجتهادات جديدة توافق روح العصر ولا تناقض روح ومبادئ الدين. فهل أصحاب المدرسة السلفية يوافقون على ذلك لنصل لكلمة سواء بيننا وبينهم أم لكل منا وجهة هو موليها؟
أسئلة :
لو أخذت حكومات العالم غير الإسلامى بالأقوال والحجج التى أوردها الشيخ محمد عبد الكريم وطبقتها على المساجد من باب التعامل بالمثل ، فكم ياترى من المساجد سنفقد فى العالم؟ وكم من مدرسة إسلامية فى بلاد غير المسلمين سنفقد ؟ وكم من مكتبة إسلامية دعوية سنفقد فى العالم؟ وكم عدد المسلمين الذين سيصيبهم الأذى نتيجة التعامل بالمثل؟  ومن ياترى ذلك الشيخ أو تلك الجماعة التى ستتحمل وزر إغلاق أو هدم تلك المساجد والمدارس والمؤسسات الإسلامية؟؟

لعل الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها تساعد فى تحديد معالم فقه جديد بإذن الله ، ولا ننسى أن نقول للشيخ ولكل المدرسة السلفية لكم منا وافر التقدير والإحترام والمحبة رغم اختلاف الرأى.