عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

منذ فجر ميلادنا - أفرادا وأجيالأ وأحزابا - ونحن فى حروب وقتل وقتال وإنقلابات وإنشقاقات ومهازل تتكرر يوما بعد يوم ونجترها حينا بعد حين كأننا نتهم الله تعالى فى مصداقيته حين قال ناصحا ومحذرا : " لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". وحقيقة الخبر أن كل الشعوب التى تغيرت تقدمت إلا نحن ، وكأن أفعالنا تقول لرب العزة والجلالة: سنغير ما بنا دون أن نغير ما بأنفسنا ، وسيظل سلوكنا و فهمنا و طريقتنا فى الحكم و طريقتنا فى المعارضة وعاداتنا وتقاليدنا ومعاشنا وغرورنا وأحقادنا ضد بعضنا بعض هى هى ، و "نحنا يا رب يانا نحنا " فأقضى ما أنت قاض.  نعم ، هذا هو لسان حالنا وأفعالنا مع ربنا وقد يختلف لسان الحال مع لسان المقال والعبرة بلسان الحال لا بلسان المقال.
لقد عجبت من تلك التعليقات والمواقف والتصريحات الشامتة وأنا أتابع أخبار إعتداء دولة الجنوب على وطننا العزيز، معارضون شامتون قد مال بها الشنآن عن العدل فى حق الجيش والوطن فلم تعد عيونهم تفرق بين معارضة النظام ومعارضة الأوطان. وحجتهم فى ذلك ظلم النظام وأن الجيش فى الحقيقة ليس جيش للوطن ككل بل هو جيش للمؤتمر الوطنى وحده . وهذه أسباب واهية لا تحتاج لرد ولا تفنيد وتذكرنى بحديثه )ص( : " كذب المنجمون ولو صدقوا" . نعم ، كذب الشامتون ولو صدقوا لأن ظلم الحكومة شأن داخلى يستطيع الشعب السودانى علاجه متى شاء - والشعوب كالبرق العبادى لا تكذب إذا أبرقت وأرعدت-  . و ظلم الحكومة لا يبرر الوقوف مع العدو فى إعتدائه على الوطن.
و كذلك كذب الشامتون فى قولهم أن الجيش تابع للمؤتمر الوطنى ، ولا ينكر أحد أن للمؤتمر الوطنى فيه نصيب كما للأحزاب فيه نصيب وللوطنيين غير المتحزبين فيه نصيب أيضا.  ودعنا نفترض أن الجيش كله تابع للمؤتمر الوطنى ، أليس من واجبه دستوريا حماية أرض الوطن؟ وهل أرض الوطن التى سيدافع عنها "جيش المؤتمر الوطنى" ملكا للمؤتمر الوطنى أو جيشه؟ وإذا كانت الإجابة : أن الأرض أرض الوطن ، أليس من واجبنا أن نقف مع من يدافع عن أرض الوطن بأموالنا وأنفسنا وفكرنا وكل ما نملك؟
هنا أريد أن ألفت المعارضين وكل السودانيين لموقف تاريخى قريب ليتأملوه ويقسوا عليه موقفهم علًهم يهتدون.  يذكر التاريخ أنَ جيش الإنجليز عندما تحرك نحو كررى لإسقاط النظام لم يكن الخليفة عبد الله ود تورشين سمحا فى حكمه ولا عدلا فى قضائه ، فقد ظلم وإستعبد وقتل أقرب الأقربين إليه من قادة الأنصار والمجاهدين وفتك بكل القبائل شرقا  وغربا وجنوبا وشمالا ووسطا ومكًن سلطانه بالقهر والعنف والإقصاء ولم يكن فى دولته من الإسلام إلا الشعار ، ومع ذلك كله عندما خرج لمواجهة العدو فى جبال كررى خرج معه فى تلك الليلة المشهودة كل أهل السودان على رأسهم ألد أعدائه من الأشراف والجعليين يتصدون لوابل الرصاص بصدور عارية ونفوس عالية لأن الأمر لم يكن أمر الخليفة وحده وإنما كان أمر السودان الوطن . 
كان يمكن لأجدادنا هؤلاء وقادتهم أن ينتهزوا الفرصة ويقفوا مع العدو علانية ضد الخليفة ومن ثم يخلفوا الخليفة على كرسييه بسند خارجى ، ولكن لله الحمد والمنة لم يفعلوا ذلك جميعا إلا واحدا منهم وهو على دينار الذى كان معارضا للخليفة ونظامه فانتهز الفرصة ففرَ من أرض المعركة ليلا ليلحق بأرض أجداده ليستعيد سلطانهم فيها ، وقد ساعده فى ذلك نفس العدو الذى قتل الخليفة وإتفق معه على جزية يؤديها للمركز كما ذكر التونسى فى كتابه ، ولكن لم يدع العدو على دينار يتهنأ بدولته فإنقلب عليه أثناء الحرب العالمية الأولى فقتله فى عام  1916 وأزال سلطانه إلى الأبد بسبب وقوفه مع تركيا التى كانت تقف مع النازيين وزعيمهم. والجدير بالذكر أن على دينار كان يمنى نفسه بحكم السودان كله كما فعل الخليفة فلذلك راهن على هزيمة بريطانيا وممن معها من قبل الألمان ومن معهم، إلا أنه قد خسر الرهان. 
و نحن فى هذا المقام لا نقول للمعارضين أتركوا معارضة النظام فأى نظام لا بد له من معارضة وإن أقام العدل وأحسن التنمية ولكن المعارضات "خشم بيوت" يا صحابى .  فهناك المعارضة الهوجاء التى لا يهمها أن يهلك الحرث والنسل فى سبيل بلوغها العرش، وهناك المعارضة الراشدة التى تجعل العدل ديدنها ومصلحة المجتمع مقصدها ولا تدع للشنآن سبيلا فى حكمها على النظام وتعاملها معه ، فهى تقول للنظام بكل شجاعة أحسنت إذا أحسن وبشجاعة مماثلة أسأت إذا أساء.  وللأسف إن هذا النوع الراشد من المعارضة لم يشهده السودان فى تاريخ الحقبة الزمنية التى تلت إعلان الإستقلال كما لم يشهد السودان حكومة راشدة منذ ذلك التاريخ .
نقول لؤلئك الذين فقدوا البوصلة إن أجدادنا لما قاتلوا فى كررى لم يقاتلوا من أجل الخليفة ولا نظام الخليفة ولم يقولوا إن هذا الجيش هو جيش الخليفة وبالتالى لن نقاتل معه ولن ندعمه. لا ، لم يقولا ذلك بل قاتلوا مع الخليفة والجيش كالأسود الضارية دفاعا عن دينهم ووطنهم وشرفهم. فنحن فى هذه اللحظات لا يسعنا إلا أن نقف مع الجيش السودانى صفا واحدا ندعمه بالمال  والدم والدعاء والأرواح كما فعل أجدادنا فى كررى.
وليتنا جميعا نبدأ فى تغيير أنفسنا وأفهامنا حكومة ومعارضة وشعبا وأفرادا وجماعات وأسر ، وليتنا نبدأ بدعوة شاعرنا حميدة رحمة الله ورضوانه عليه : "أرضا سلاح" كخطوة أولى فى مسيرة التغيير التى يطالب بها الجميع ولا يستثنى منها أحد.