1/2

أهل الدايرة هم الذين يكونون الحكومة الروحية عند أهل التصوف، وهم المفوضون بإذن الله فى  شئون الكون حسب مراتبهم، فأعلاهم مرتبة هو الغوث  وهو الوالى الكامل وهو خليفة رسول الله (ص) وهو واحد فى كل عصر، ثم العمد الأربعة، ثم البدلاء الاربعين،  ثم النجباء السبعين، ثم النقباء وعددهم ثلاثمائة.  وأعضاء هذه الحكومة موزعون فى الكون توزيعا عادلا  لا يتدخلون تدخلا مباشرا فى شئون العباد، إلا أنّهم لا يتركون راية لا إله إلا الله تقع على الأر ض ولا يتركون نار القرآن تخمد من فوق سطح الأرض.  فهم ينقلون الراية دوما من مكان لآخر فمتى  ضعف المسلمون عن حملها فى مكان ذهبوا بها لقوم هم أهل لها، وإذا ضعف هؤلاء من بعد قوة أخذوها لفريق ثالث، وهكذا تتنقل هذه الرآية فى أرجاء الكون وهذا يفسير لنا تلك الظاهرة الثورية التى لازمت تاريخ المسلمين وحيّرت المراقبين والدارسين وأثبتت بطلان المقولة التى وصفت الدين بأنّه أفيونا للشعوب.  فعندما إنهارت الدولة الإسلامية فى الأندلس أخذ أهل الله رايتهم ورفعوها فى نفس العام فى سنار فكانت السلطنة الزرقاء بديلا للأندلس. وتمددت السلطنة الجديدة فى رقعة جغرافية أكبر من التى كانت عليها فى الأندلس، و بسطت سلطانها على معظم الأراضى السودانية الحالية لمدة 360 عام وفقا للشريعة الغراء. 

نعم، لقد كان حاج الماحى رجل أمى إلا أنّه كان يعلم  حقيقتين هامتين: أولاهما، أنّ الكون ليس مهملا، وأن الأرض لا تخلو من ولى قط فى أى زمن من الأزمنة كما قرر ذلك علماء الأمة الكبار والسلفيين منهم خاصة.  وثانى الحقيقتين هى أن البلاء لا يرفع إلا بالدعاء، وخير الدعاء دعاء الصالحين.   ومن هذا المنطلق الإيمانى بوجود  الحكومة الروحية وأهمية الدعاء قام حاج الماحى متصديا لمصيبة أصابت منطقتهم وعجز عن علاجها عامة الناس، وذلك عندما سكن ديار الشايقية تمساح ضخم شرس منع الناس من الإقتراب من البحر للنزهة، أو الشراب، أوالعوم، أو حتى العبور.  فقد كادت الحياة أن تتوقف فى ديار الشايقية واستيأس الناس وعجزوا عن الحل، إلا أن حاج الماحى لم يستسلم لليأس وهو الذى يعلم  ما لا يعلمه الآخرون!  قام حاج الماحى بعد مغيب الشمس متجها نحو النيل وجلس على "قيفة" بالقرب منه وبدأ يتضرع إلى الله تعالى ويناشد تلك الحكومة الروحية بالتدخل لرفع البلاء، فبدأ مديحه بالتوحيد والصلاة على الحبيب المصطفى (ص) قائلا:

يارحمان أرحم بى جودك                    دلى الغيث (المطر) ينزل فى بلودك
سم (قل) يافمى أذكر معبودك                  قول ياواحدا حى فى وجودك
يا مسعد أسعد بسعودك                     ونحن نصلى على مريودك

وواضح شعور حاج الماحى بأهمية التوحيد وإمامة الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه، فلذا قد بدأ بهما فقدم المعبود على المريود (ص).  وهو عندما يفعل ذلك يفعله  ليؤكد أن التصرف الحقيقى والمشيئة الحقيقية فى الكون إنما هى لله تعالى ، أمّا مشيئة الأنبياء والرسل والصالحين وبقية العباد هى تبع  لمشيئة الله تعالى كما قرر ذلك القرآن الكريم. و يؤكد هذا مرة أخرى فى قوله:

يارحمان أرحم بى برك (بكسر الباء)                       ياحافظ فى بحرك وبرك (بفتح الباء)
فى وليانك (جمع ولى) أطلق سرك                        خل نيشانن (أسلحتهم) اليتحرك (تنطلق)



إذا هو الحافظ الرحيم والآمر الناهى الذى يمكنه أن يفهّم أوليائه مراده فى الأشياء فيفعولنه إمتثالا كما امتثل العبد الصالح مع موسى (ص) فنفّذ سر الله فى الغلام والحائط والمركب، وعندما اعترض موسى (ص) على أفعاله التى تتعارض مع القانون، قال له العبد الصالح موضحا وليس معتذرا: "ما فعلته من عندى".  فالسر عند الصوفية ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

1-    سر حقيقة الكون
2-     سر معرفة مراد الله تعالى فى الأشياء
3-    وسر حقيقة الإشارة

وحاج الماحى أراد السر الثانى فأراد أن يحكم الله تعالى على التمساح بالموت حتى يستطيع الصالحون تنفيذ الحكم فيه وإلا فلن تقتله أسلحة الخلق أبدا طالما أن القرار أو الحكم ( السر)  لم يصدر من الله تعالى.  ولعل هذا الكلام واضحا فى قول رسول الله (ص) لمعاذ (رض) : "أعلم أنهم لو أرادوا أن يضروك بشئ فلن يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك)


ويواصل حاج الماحى مديحه قائلا:

آميين آمين ياكاشف الغمة                 تجابه الدابى (التمساح) تصبحو رمّة
تسلط واحد إيدو مدمة (من الدم)         يعجل قتلوا قبيح القمة

مازال حاج الماحى يدور فى دائرة التوحيد فيعترف بأنّ كاشف الغمة هو الله تعالى وأن التمساح لن يصبح مقتولا إلا بأمره تعالى، وبما أنّ عملية القتل تحتاج لوسيلة مادية فهناك دعى حاج الماحى الله تعالى ربه بأن تكون تلك الوسيلة "واحدا" من الصالحين يقتله فتمتلئ يده بدم ذلك التمساح اللعين قبيح الشكل، قليل القيمة.   ولذلك أنتقل حاج الماحى مباشرة من بعد هذا الدعاء ليحشد الصالحين ويستنهض همهم  ليتنافسوا فى تنفيذ سر الله تعالى فبدأ بالسابقين أولا وأصحاب خير قرن فناداهم قائلا:

يالخلفا الحالكم مرضية                     يا أهل البيعة العقدوا النية
التمساح سكن الشايقية                       خلوا يروح نسيا منسيا

ثم ينتقل من الخلفاء وأهل بيعة الرضوان مباشرة للغوث فيخاطبه قائلا:

يا ابن ادريس عدل نيشانك  (سلاحك)                      فوق الكل، عامر ديوانك
هم (بكسر الهاء) يا شيخ الناس حيرانك                   فى التمساح بيّن برهانك
يابن ادريس شيخنا النورانى                                 يا صاحب الفتح الربانى

وحاج الماحى هنا بظنه الحسن فى الله تعالى قد افترض أن دعوته قد استجيبت وأن الله سبحانه وتعالى قد "طلق سره" فى التمساح فلم يبقى إلا تنفيذ الحكم فيه،  ولذلك نجده يستنهض همة شيخه بن ادريس، ذلك الشيخ صاحب المقام العالى والديوان العامر الذى  فاق كل الدواوين، يحثه على إعداد سلاحه ونفض الغبار عنه إستعدادا لتنفيذ الأمر (السر) الإلهى فى التمساح.  ويذكّر حاج


الماحى شيخه بولاء أهل المنطقة له فهم "  حيرانه"، فلذلك وجب عليه نصرتهم واثبات إمامته لهم بقتل التمساح لأنّ تكليف الله له بتنفيذ الأمر يعد  برهانا لمقام الشيخ عند ربه وإكراما له بين
الناس.  وابن إدريس هو أهل لهذا التكليف فى نظر حاج الماحى لأنه شيخ نورانى وصاحب معارف ربانية لدنية.

ثم ينتقل حاج الماحى من بعد ذلك، يستنهض غيره من الشيوخ فيبدا بابن العركى والشيخ السمانى ثم الشيخ ابراهيم الرشيد بن السيّد صالح الذى تجلت فيه أنوار الغيوب والأخلاق الإلهية و هو شيخ حاجى الماحى الذى أخذ على يديه الطريقة الأحمدية الإدريسية. وابن العركى هو الشيخ عبد الله بن دفع الله بن مقبل العركى عاش فى النصف الثانى من القرن السادس عشر الميلادى وكان له شأن فى نشر الثقافة الإسلامية فى مكة والسودان  وفى بلاد الشايقية بالأخص.  أما السمانى هو: محمد عبد الكريم القرشى المدنى الشافعى الذى ولد بالمدينة ونشأ بها وقد شهد له أهلها بالصلاح والعلم.  فحاج الماحى يناديهم  ليرموا سهامهم  مخلصين نواياهم  لله ويستعجلهم لتنفيذ الأمر الإلهى وقد أذن الله تعالى  لهم فى التنفيذ (التصريف) قائلا:

يا  ابن العركى والسمانى                  أرموا سهامكم يا فرسان
شئ لله (من أجل الله) ذات تجلى             صاحب السر والفتح الكلى
يا الغوث البى الكون متولى (خليفة فى الكون)    التصريف (التنفيذ) هيلك (هو لك) عجّلى

ويواصل حاج الماحى فى حشد أهل الله الصالحين من داخل وخارج السودان لمجابهة هذا الخطر الذى كاد أن يشل حركة الحياة فى ديار الشايقية فينادى الشيخ عبد الوهاب التازى.  والجدير بالذكر أن حاج الماحى هو جعلى ولد ونشأ فى ديار الشايقة فى أول القرن الثامن عشر الميلادى وتوفى فى عام 1870 قبل إندلاع الثورة المهدية.

يا عبد الوهاب التازى     ياأب درعا منسوب بى حجازى
التمساح تمساحا خازى   درنا العوم أدونا إجازى (إجازة أو إذن)

وعبد الوهاب التازى هو أحد أقطاب الصوفية فى السودان ويذكر الأستاذ عمر الحسين أن الشيخ أحمد بن إدريس قد أخذ الطريقة على يديه.

يا الدسوقى وشيخو رفاعى   يا حسن التّوّاع كون واعى
الشبلى وشيبان الراعى        أرموا سهامكم يا شجّاعى (شجعان)

أما الدسوقى هو الشيخ إبراهيم الدسوقى أحد أحفاد الإمام موسى (الكاظم) بن الإمام جعفر الصادق عليهم السلام. وهو شيخ الطريقة البرهانية. أما الرفاعى فمقصود به الشيخ أحمد بن على أبو العباس الرفاعى  مؤسس الطريقة الرفاعية وقد توفى فى عام 1183 م.  أما حسن التواع فلم يجد أهل البحث له مصدرا كما ذكر ذلك الأستاذ عمر الحسين  وبالتالى يكون مجهولا وموضوع بحث لمن يريد التعرف عليه.  أما الشبلى فيقصد به الشيخ  دلف بن جحدر أبو بكر الشبلى البغدادى أحد أقطاب التصوف  واحد أصحاب الجنيد رضى الله عنهم.  أما شيبان الراعى هو محمد بن عبد الله وعرف بالراعى لإحترافه مهنة الرعى وقد كان تقيا ذو كرامات كثيرة، ومن كراماته أنّه عرف بحسن الفقه رغم أنّه أمى!!





شى لله يا أهل الدايرة               يا الفى الكون اسراركم سايرة
أرخو السر فى السحر الغايرة    خلو الدار التصبح نايرة

وفى الأبيات السابقة واللاحقة يناشد حاج الماحى أهل الدايرة وهم  كما ذكرنا فى المقدمة يشكلون حكومة روحية خفية، يناشدهم للتدخل بالدعاء والتضرع إلى الله وحسم هذه الفوضى التى ضربت ديار الشايقية وذلك بطردهم  للسحرة من بنى البشر الذين جاءوا يغيرون على ديارهم متنكرين فى شكل تماسيح، وقد كان أهل المنطقة يؤمنون إيمانا قاطعا بهذه الخرافة ولهذه الخرافة جذور ترجع لسحرة فرعون الذين جاءوا من تلك المنطقة  ومن جزيرة ناوا خاصة وتطورت الفكرة من سحرة يمارسون السحر إلى "سحاحير" يأكلون البشر. ونتابع فى الحلقة القادمة
mahmoud rizig [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]